المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

لماذا خلقنا الله؟

بقلم: عزيز حميد مجيد*

في موضوع كتبه أحد الأخوة بعنوان [فلسفة الحب أجمل ما فيه هو العطاء] للدكتور العطار ونشره في موقع صوت العراق(1) نقلاً عن كتاب [فلسفة الحياة] لمؤلفه الدكتور زكريا ابراهيم – جامعة القاهرة, مدّعياً (أي العطار) بأنّ بعض (علماء النفس) أوعزوا سبب خلقنا إلى (الحُب), ولم يُقدّم لا المؤلف (إبراهيم) ولا الناقل عنه (د. العطار) أي برهان أو دليل فلسفي على مدّعاهم.. بل (علماء النفس) عادة ما يبحثون في العلوم النفسية والأجتماعية.. لا الفلسفيّة، خصوصاً مثل هذه الموضوعات ألمعقدة التي لا يستطيع البحث فيها سوى العرفاء وربما بدرجة أقل الفلاسفة الكونيون وتلامذتهم الفلاسفة والمفكرين ولا علاقة لأطباء النفس أو مختصّين غيرهم بمثل هذه البحوث الفلسفية والغيبة العميقة.. و لا يمكنهم الخوض في ذلك إلّا نادراً جداً.

إضافة لذلك إن الدكتور (زكريا إبراهيم) من جامعة القاهرة نفسه كما أقرانه المصريين؛ إنّما إعتمدوا في بياناتهم وكتابة مثل تلك الموضوعات على أساطين المعرفة في بلاد فارس وبآلذات (نيشابور) كما كانت تسمى قديماً والتي إنطلقت منها بوادر العرفان والفلسفة والأدب والنجوم, وخرّجت أمثال العطار النيشابوري وأبو سعيد أبو الخير والمولوي والشاه آبادي والبسطامي أبو يزيد والجد الخامس للسيد السيستاني الملقب بـ(آلمير داماد) وشمس التبريزي وغيرهم, ومنشأ جذور أفكارهم من مدرسة أهل البيت(ع) عن طريق ولي عهد الخلافة الإسلامية الأمام الرضا والأمام الصادق(ع).

والمصريون ترجموا الكثير من نصوص أؤلئك العرفاء فيما بعد وتأثّر بأدبهم حتى باقي رواد الأدب والعرفان في البلاد العربية, منهم عدد من المصريين والمغاربة واللبنانيين وغيرهم كجورج جورداق وإيليا أبو ماضي واليازجي وزكريا إبراهيم والحكيم ومحمد مهدي الجواهري وغيرهم ممّن برز في مجال الشعر والأدب, فألّفوا الكثير من الدواويين والقصائد على هوى أدب وعرفان روّاد نيشابور وتبريز وعلماؤوهم الذين عالجوا الكثير من المسائل المستعصية ومنها (سبب خلق البشر) الذي هو مورد حديثنا. 

إلى جانب كل ذلك, فأنّ (فلسفتنا الكونيّة العزيزيّة) هي التي أبدعت ذلك ولأوّل مرّة (مدرسة جدية جديدة ونظرية معرفية كونية) ختمت فيها قصّة الفلسفة لتُعتبر (ختام الفلسفة) في الوجود وبدايتها كانت نهاية القرن الماضي ثمّ ظهرت بوضوح بداية الألفية الثالثة التي نعيشها الآن!

فبعد ما كان الناس وعلى رأسهم الفقهاء وعلماء الحديث والتفسير يُوعزون سبب خلقنا إلى (عبادة الله) مستدلين بآلأية المشهورة [و ما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدونِ] ومثيلاتها, إنبرى جمع من عرفاء وعلماء نيشابور وتبرير لبيان بعض حقائق وأسرار هذا الوجود و منها سبب وجودنا وخلقنا, بين العلماء ومراجع كانوا يبحثون مسائل الفقه والعبادات و لا زالوا حتى زمن العلامة الطباطبائي, إلا أن محاولات جادة كانت قد بدأت مع ظهور الحوزة العلمية بقيادة عبد الكريم الحائري في مدينة وحوزة قم للتعمق في تفسير (ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدونِ)و بعد ما أدركوا بأن الله تعالى لا يحتاج لعبادتنا وركعونا وحجنا و وووو…. إلخ!

نعم التفسير العرفاني – الفلسفي .. لعبادة الله ليس كذلك.. بل ولا هي الحقيقة المطلقة – أيضاً, لأن الله غني عن العالمين بل هو مَن خلق العالمين, إنما المقصود من الآية الشريفة غير هذا الظاهر منه فقط.. بل هناك الكثير مما خفي على الناس.. فآلآيات لها ظاهر وباطن والباطن له باطن و يمثل الحقيقة والمراد والغاية من المعنى الظاهر ..

على كل حال بعد تلك المقدمة؛

كتبت الجواب التالي لبيان حقيقة وتأريخ فلسفة الخلق للأخ الكاتب ولمن نقل عنه ولغيره ولكل الناس, وهو:

عزيزي الدكتور ألعطار المحترم:

مسألة علّة الخلق وسبب وجود الوجود والأنسان بآلذات تحدّها أربعة علل هي:

العلة الصورية ؛

العلة الغائية؛

العلة المادية؛

العلة الفاعلية؛ 

وتلك العلل الأربعة أشار لها فيلسوف أغريقي بشكل عابر من دون بيانات كما أكد ذلك الفيلسوف الحكيم إبن سينا, وبقي الحال على ما هو حتى ظهرت الفلسفة الإشراقية التي إعتمدت على الفلسفة الأغريقية القديمة مع إضافات وإضاآت من الفلسفة الشرقية التي أسميتها بـ (علم الكلام) لتكون الفلسفة الإشراقية مزيج من الفلسفتين .. وإن لم تظهر بوضوح وبإتقان.

ورغم إمتداد الزمن والتواصل بين فلاسفة الشرق والغرب بعد صدر الأسلام خلال الفترة الحرجة أثناء وبعد خلافة الأمام علي ثم الأمويين وبعدهم الخلافة العباسية بآلذات؛ إلا أنّ أحداً لم يجب على ذلك (السؤآل) المركزي المركزي المطروح؛ [لماذا خلق الله البشر] بشكل صريح وواضح ومنطقي وعقليّ أو حتى إشراقي .. لا علماء النفس ولا علماء الدّين والحديث والتفسير ولا حتى الفلاسفة قديماً وحديثاً .. حتى ظهور (الفلسفة الكونية العزيزية) مؤخراً.

لقد ظهرت تلك الفلسفة التي هي ختام الفلسفة قبل ثلاثة عقود تقريباً بإيعاز الأمر(أمر خلق الوجود وسبب الخلق) إلى الحُبّ والتواضع بعد عبور المراحل الكونية التي عرضناها(2)؟

وبذلك يعود بدايات الفضل لمجموعة من العرفاء الذين جاء ذكر بعضهم آنفاً من بلاد خراسان أو (نيشابور) أو مدينة مشهد الحالية بفضل ثقافة أهل البيت(ع) وبعض المبدعين المعاصرين لهم.

الفضل الأكبر والأخير والكامل يعود في ذلك إلى فلسفتنا الكونية:

وهذا الأمر لم يكن وليد الساعة أو وليد يوم أو بعض يوم.. إنما بعد دراسات ومطارحات مستفيضة ومحاضرات ممتدة لسبعين عاماً طالعنا فيها جميع النظريات والآراء والكتب السماوية حتى عرضنا حقيقة الحُب وفرقه عن العشق ودوره في الوجود والعلاقة مع أصل الوجود وفي بناء الحضارة الأنسانية بعد ما قرّرنا .. بكون الحُب هو الدّليل على وجودنا لا غير .. وفصلنا الكلام في ذلك عبر بحوث (الفلسفة الكونية).

لهذا لا يوجد أيّ عالم آخر أو فلسفة ظهرت للآن غير (الفلسفة الكونية العزيزية) التي أشارت لذلك بوضوح لحلّ أكبر لغز في هذا العالم والوجود و مدى تعلقه بأسباب خلقنا.

بعد هذا السفر العظيم : بقيت هناك وقد تبقى تستمر مسألة مؤذية لنا وربما للفقهاء المائلين للعرفان والفلاسفة ولكل من له قلب و بعد معرفتنا لعلّة الوجود والخلق. 

و تلك المسألة هي:

[ما الفائدة من ذلك والعالم كله يتجه نحو الحرب و العنف و الخصام والفرقة والشعوذة والسحر والدسيسة والخيانة والتكبر والتحزب والتعشر وحب التسلط و الظهور لإبتعاد الناس عن الحُب والتواضع والتلاحم .. لرفضهم معرفة سبب وجودنا .. نعم مجرد معرفة ذلك و رفضهم بعناد حتى لدعوات الخير للفكر والقراءة التي وحدها تهزم الجّهل الذي سبب محننا لأنها(المعرفة) وحدها تُبعدنا عن آلتّكبر والحسد المنتشر حتى في المدارس العلمية والدّينية للأسف, لأنّ (الجّهل) هو سبب كل مصائبنا و مأساتنا حُكاماً كانوا أو محكومين والمشتكى لله ولأهل الفكر إن وجدوا]!؟

وتلك هي مسألة مصيرية يهتم بها أهل القلوب من محبي الخلق و الخالق!

و سرّ الخلاص هو:

في إتحادنا ومعرفة وفهم الفلسفة الكونية التي إختصرت كل الفلسفات والنظريات التي ظهرت .. ويكون ذلك عبر وضع مناهج مناسبة في مؤسسات ووزارة التربية و التعليم والجامعات وجعلها ضمن المناهج الأساسية لكل علم وفن وأدب .. لكن كيف وكل الحكومات تعادي الفكر و الثقافة والفلسفة لأنها تعرف بأن وعي الناس يسبب هزيمتهم ومنع أيديهم من سرقة الفقراء وكما هو الحال في بلاد العالم خصوصا في العراق !؟

وكذلك يمكن تحقيق ونشر (المعرفة) عن طريق تأسيس المنتديات الفكرية والثقافية والأدبية وغيرها في كل مركز ومدينة ومؤسسة ووزارة لمداولة و دراسة ما أشرنا له و لو مرة في الأسبوع أو الشهر أو كل موسم.

ولا يتحقق ذلك إلا بعد ما نُعبّأ أنفسنا وفكرنا وقلوبنا بآلمحبة والأيمان وبالمعرفة والثقافة التي هي أوسع من كل إختصاص و فرع علمي آخر يتعلق بآلعلوم الطبيعية والتجريبية.

محبتي لكم جميعاً يا أهل القلوب ثمّ العقول.. ولكل متواضع شريف يُحب الله والناس ويريد نشر الخير و المحبة والتواضع لبناء الحضارة الأنسانية المهدمة التي إنقلبت تماماً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صوت العراق | فلسفة: الحب اجمل ما فيه، هو لذة العطاء رابط الموضوع . (sotaliraq.com) 

(2) مراحل الوصول للحقّ سبعة حسب بيان العارف النيشابوري : 

[الطلب؛ العشق؛ المعرفة؛ التوحيد؛ الإستغناء؛ الحيرة؛ الفقر و الفناء]. 

وهناك تقسيمات أخرى مختلفة تختص بكل عالم عارف؛ كتقسيمات الشيخ الانصاري وتقسيمات محمد باقر الصدر وتقسيمات الأمام الراحل وتقسيمات الشيخ الأكبر(إبن عربي) وغيرهم, ونحن قد عرضنا فقط مدن العشق السبعة للنيشابوري كمثال ودليل لأهل القلوب (أهل البصيرة).