المجلة الثقافية الجزائرية

لويجي بيرانديللو: تفكيك الهوية وسقوط الأقنعة على مسرح الوجود

بقلم: ساندرا فلورانس
ترجمة: ناصرة صلاح
فيلسوف الشك ومفجر الثورة المسرحية
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان العالم الغربي يمر بمخاض فكري واجتماعي عنيف؛ إذ تهاوت اليقينيات العلمية والوضعانية تحت ضربات النظريات الفلسفية والنفسية الجديدة. زعزع ألبرت أينشتاين مفهوم الفضاء والزمن المطلقين، وغاص سيغموند فرويد في أعماق اللاشعور ليعلن أن “الأنا” ليس سيداً حتى في بيته، بينما كان فريدريك نيتشه يعيد تقييم كل القيم السائدة.
في قلب هذا الإعصار الفكري، برز صوت أدبي فريد من جزيرة صقلية الإيطالية؛ صوت لم يكتفِ برصد التشظي الإنساني، بل نقله إلى خشبة المسرح ليحدث ثورة لم يشهدها الفن الدرامي منذ عصر وليم شكسبير. إنه لويجي بيرانديللو (Luigi Pirandello)، الكاتب والروائي الذي نال جائزة نوبل للآداب عام 1934.
لم يكن بيرانديللو مجرد كاتب يسعى للترفيه، بل كان فيلسوفاً ومحللاً نفسياً يرتدي عباءة الأديب. لقد جعل من أدبه مرآة مكسورة تعكس حقيقة الإنسان المعاصر: كائن مشتت، تائه بين حقيقته الداخلية والأقنعة التي يفرضها عليه المجتمع، يعيش في عزلة مطلقة وعاجز عن التواصل الحقيقي مع الآخرين.
من خلال مفهومه الشهير «الفكاهة» (L’Umorismo) وتقنيته الثورية «المسرح داخل المسرح»، استطاع بيرانديللو أن يهدم الجدار الرابع الذي يفصل بين المشاهد والخشبة، معلناً بداية عهد المسرح الحديث، وممهداً الطريق لتيارات العبث والوجودية التي ميزت القرن العشرين.
أولاً: الجذور الصقلية وتكوين الوعي المأساوي
ولد لويجي بيرانديللو في 27 حزيران (يونيو) 1867 في بلدة صغيرة قرب مدينة “أغريجنتو” جنوب صقلية. كان يطلق على مكان ولادته اسم “كافوسو” (Caos)، وهي كلمة مشتقة من الأصل الإغريقي الذي يعني «الفوضى». وكأن هذا الاسم كان نبوءة مبكرة للطابع العبثي الذي سيسم حياته ورؤيته للعالم، وهو ما علّق عليه لاحقاً قائلاً: «أنا ابن الفوضى، وليس ذلك مجرد مجاز، بل لأنني ولدت في بقعة تسمى الفوضى».
نشأ بيرانديللو في عائلة برجوازية متناقضة؛ كان والده “ستيفانو” مقاتلاً سابقاً في جيش غاريبالدي ويدير مناجم للكبريت، وهي تجارة قاسية تطلبت حزماً وصرامة فرضها على عائلته. أما والدته “كاترينا”، فكانت امرأة رقيقة تنتمي إلى عائلة من المثقفين والوطنيين. هذا التناقض بين قسوة الأب وحساسية الأم خلق في نفس لويجي الشاب انقساماً داخلياً وتمرداً صامتاً. وفي الوقت نفسه، كانت صقلية تعيش حالة من الخيبة السياسية والاجتماعية بعد الوحدة الإيطالية التي لم تجلب للجزيرة سوى الفقر، الفساد، وتغلغل المافيا، وهو ما صبغ وعي بيرانديللو بنبرة من التشاؤم التاريخي.
بدأ شغفه بالأدب مبكراً، فالتحق بجامعة باليرمو ثم جامعة روما لدراسة الآداب. لكن خلافاً حاداً مع أحد الأساتذة المتعصبين في روما دفعه إلى الانتقال إلى ألمانيا، حيث تابع دراسته في جامعة بون ونال شهادة الدكتوراه عام 1891 بأطروحة حول فقه اللغة ولهجة مسقط رأسه الصقلي.
فتحت له الإقامة في ألمانيا آفاقاً فكرية واسعة، حيث تعمق في قراءة أعمال شوپنهاور ونيتشه، وتأثر بنظريات الرومانسية حول السخرية والمفارقة. عاد بيرانديللو إلى إيطاليا وهو يحمل في جعبته أدوات فكرية مغايرة لأبناء جيله، مستعداً لخوض غمار الكتابة الإبداعية التي بدأها بالشعر والقصة القصيرة قبل أن يلتهم المسرح كل اهتمامه.
ثانياً: الفلسفة البيرانديللية.. تفكيك الذات والنسبية المطلقة
لا تنبع الفلسفة البيرانديللية (Il Pirandellismo) من ترف فكري، بل هي نتاج مراقبة دقيقة ومؤلمة للشرط الإنساني. وتتلخص مرتكزات هذه الفلسفة في ثلاثة محاور جوهرية:

1. وهم الهوية الموحدة (الانقسام والتشظي)

يرى بيرانديللو أن الاعتقاد بأن الإنسان يملك شخصية واحدة ثابتة ومتماسكة هو وهم كبير. فالإنسان في نظره ليس “واحداً”، بل هو “مجموعة من الأشخاص” تتغير بتغير الزمان، المكان، والشخص الذي يتعامل معه. في روايته الشهيرة واحد، ولا أحد، ومائة ألف (Un, nessuno e centomila)، يكتشف البطل فجأة أن الصورة التي يملكها عن نفسه تختلف تماماً عن الصور التي يملكها الآخرون عنه. إنه «واحد» في وعيه، و**«مائة ألف»** في عيون الآخرين، وبالتالي هو «لا أحد» في نهاية المطاف، لأن حقيقته تلاشت بين هذه المرايا المتقابلة. وفي هذا السياق يقول موضحاً أزمته: «كنت أريد أن أكون واحدًا للجميع، لكنني اكتشفت أنني مائة ألف شخص مختلفين، وفقًا للمرايا التي تنظر إلي».

2. صراع “الحياة” ضد “الشكل”

هذا هو المفهوم الأنطولوجي الأساسي لديه. «الحياة» عنده هي دفق مستمر، عاصف، سائل، ومتغير لا يعرف السكون. لكن الإنسان، لكي يعيش داخل مجتمع، مجبر على حبس هذه الحياة المتدفقة داخل «أشكال» ثابتة وقوالب جامدة: العائلة، المهنة، الواجبات الاجتماعية، والأخلاق المصطنعة. هذه الأشكال هي بمثابة “الأقنعة” التي نرتديها، حيث يعلّق مريرًا: «ستتعلم على حسابك أنه في طريق الحياة الطويل ستلتقي بالعديد من الأقنعة وقليل من الوجوه». المأساة تكمن في أن القناع، مع مرور الوقت، يتصلب ويخنق الحياة داخله؛ وإذا ما حاول الإنسان يوماً أن ينزع هذا القناع ليعود إلى حقيقته السائلة، فإن المجتمع يتهمه بالجنون أو بالخيانة ويسعى لتدميره. ومن هنا ينظر للجنون بنظرة مغايرة قائلاً: «الجنون هو الملجأ الوحيد الذي يهرب إليه الإنسان عندما تضيق به الأشكال الثابتة للحياة الواقعية».

3. أزمة التواصل والنسبية المطلقة

إذا كانت الحقيقة متغيرة والذات متطورة، فإن التواصل بين البشر يصبح مستحيلاً أو شبيهاً بحوار الصم. الكلمات عند بيرانديللو ليست جسوراً للتواصل، بل هي جدران تفصل بين العقول. لا توجد حقيقة موضوعية واحدة، بل هناك “حقائق” ذاتية بعدد البشر، وكل شخص يملك حقاً مطلقاً في رؤيته الخاصة، وهو ما صاغه ببراعة في عنوان مسرحيته كذلك هو (إذا بدا لكم ذلك) (Così è (se vi pare)). وهو يلخص هذه المعضلة بقوله: «المأساة تكمن في أننا نعتقد بأننا يفهم بعضنا البعض، لكننا لا نفعل ذلك أبدًا. كل منا يضع في الكلمات التي ينطقها عالمًا خاصًا به».
ثالثاً: مفهوم “الفكاهة” البيرانديللي.. السخرية الواعية بالدموع
في عام 1908، نشر بيرانديللو كتاباً نقدياً وفلسفياً بالغ الأهمية بعنوان الفكاهة (L’Umorismo). في هذا الكتاب، يضع تفرقة عبقرية بين مفهومين: «الإدراك بالنقيض» و**«الشعور بالنقيض»**.
  • الإدراك بالنقيض (Avvertimento del contrario): إذا رأيت في الشارع امرأة عجوزاً تتصابى، تضع مساحيق تجميل كثيفة وترتدي ملابس مراهقة لا تليق بسنها، فإن رد فعلك الأول سيكون الضحك. هذا هو جوهر السخرية أو الكوميديا السطحية.
  • الشعور بالنقيض (Sentimento del contrario): إذا توقفت للحظة وبدأت تفكر وتتأمل، وقلت لنفسك: ربما هذه العجوز تتألم في عذاب داخلي، وتفعل ذلك في محاولة يائسة للاحتفاظ بقلب زوجها الشاب الذي بدأ يهجرها؛ هنا يتحول الضحك إلى غصة، وينقلب الهزل إلى تراجيديا.

هذا التحول العميق الناجم عن التدخل العقلي هو جوهر “الفكاهة البيرانديللية”. الفكاهة عنده ليست نكتة تثير القهقهة، بل هي ابتسامة حزينة، ومزيج معقد من الضحك والبكاء، يفكك المأساة لتكشف عن وجهها الهزلي، ويتعمق في الكوميديا ليظهر عمقها المأساوي.
رابعاً: الثورة على خشبة المسرح.. ثلاثية “المسرح داخل المسرح”
حتى بدايات القرن العشرين، كان المسرح الأوروبي غارقاً في “الواقعية البرجوازية”، حيث يُطلب من الممثلين إيهام الجمهور بأن ما يحدث على الخشبة هو قطعة مستقطعة من الحياة الواقعية. جاء بيرانديللو ونسف هذا الإيهام بالكامل من خلال تقنية «المسرح داخل المسرح» (Il metateatro)، محولاً عملية صناعة المسرح نفسها إلى موضوع للعرض.
تتجلى هذه الثورة في ثلاثيته المسرحية الشهيرة، وعلى رأسها شاهكاره الخالد:

1. ستة شخصيات تبحث عن مؤلف (Sei personaggi in cerca d’autore – 1921)

عندما عُرضت هذه المسرحية لأول مرة في روما عام 1921، أحدثت فوضى عارمة وشغباً في القاعة؛ صرخ الجمهور في وجه بيرانديللو قائلين: “مستشفى المجانين!”، واضطر الكاتب للهروب من الباب الخلفي. لكن بعد أشهر قليلة، استُقبلت المسرحية عالمياً باعتبارها عملاً عبقرياً غيّر وجه المسرح المعاصر.
تبدأ المسرحية بشكل اعتيادي للغاية: فرقة مسرحية تجري تدريبات روتينية على مسرحية لبيرانديللو نفسه. فجأة، يدخل من عمق الصالة ستة أشخاص (الأب، الأم، الابنة الكبرى، الابن، الغلام، والطفلة). هؤلاء ليسوا بشراً حقيقيين، وليسوا ممثلين، بل هم «شخصيات متخيلة» هجرهم المؤلف الذي ابتكرهم ورفض أن يكتب قصتهم ويمنحهم شكلاً نهائياً. يطلب الأب من مخرج الفرقة أن يسمح لهم بتمثيل دراماهم العائلية المأساوية لأنهم يبحثون عن مخرج يمنحهم الحياة والخلود.
المفارقة والعمق في هذه المسرحية يكمنان في تصادم مستويات الحقيقة المتعددة:
  • المستوى الأول: الممثلون والمخرج (الذين يمثلون الواقع اليومي الزائل والمتحول).
  • المستوى الثاني: الشخصيات الستة (التي تمثل الفن الخالد، الثابت، والمحبوس في مأساته الأبدية).

عندما يبدأ الممثلون المحترفون في محاولة تقليد وأداء قصة الشخصيات، ترفض الشخصيات ذلك وتصرخ: “هذا ليس نحن! إنكم تشوهون حقيقتنا!”. هنا يطرح بيرانديللو سؤاله المرعب: من هو الأكثر واقعية وحقيقة؟ الإنسان البشري الذي تتغير هويته كل يوم ويموت في النهاية، أم الشخصية الفنية الثابتة التي تملك هوية محددة ولا تموت أبداً؟

2. استكمال الثلاثية: تفكيك العرض والجمهور

لم تقف الثورة عند هذا حد، بل تملكت هذه التقنية بقية أعمال الثلاثية:
  • مسرحية لكل شيخ طريقته (1924): حيث ينتقل الصراع إلى بهو المسرح والجمهور نفسه، حيث يمتزج الممثلون بالمتفرجين ليتناقشوا ويعترضوا على العرض، مما يلغي تماماً الحدود بين الفن والواقع.
  • مسرحية الليلة نرتجل (1930): وفيها يثور الممثلون على المخرج الطاغية الذي يحاول التحكم في مصائرهم وحركاتهم، ليتحول المسرح إلى ساحة تمرد مفتوحة تعكس رغبة “الحياة” في الانعتاق من “الشكل” المفروض عليها.

 

خاتمة: إرث ابن الفوضى

رحل لويجي بيرانديللو عن عالمنا عام 1936، تاركاً وصية غريبة تعكس فلسفته الزاهدة في “الأشكال” الاجتماعية؛ إذ طلب أن يُلف جسده بكفن أبيض بسيط، وأن يوضع في عربة موتى من الدرجة الدنيا دون أي مراسم تشييع رسمية أو وداع شعبي، وأن تُحرق جثته ويُدفن رماده في مسقط رأسه بصقلية.
لقد استطاع “ابن الفوضى” أن يمنح الفوضى الإنسانية شكلاً فنياً عبقرياً. ولم يكن مسرحه مجرد نصوص تُقرأ، بل كان معولاً هدم به الأوهام البرجوازية المستقرة حول الذات والمجتمع. وبفضله، لم يعد المسرح مكاناً للهروب من الواقع، بل أصبح الفضاء الأكثر رعباً ومواجهة، حيث يُجبر المتفرج على خلع أقنعته والنظر مباشرة إلى وجهه المتشظي في مرآة الوجود.