المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

محمد ديب في ديوان: (طفل الجاز)

د. عمارة بوجمعة*

تقديم:
يتحرك محمد ديب في جغرافيا واسعة من الابداع والكتابة والشعر ، حتى إنه لا يمكن الفصل في هذه الجغرافيا الممتدة بين عمل فني وآخر، أو بين جنس أدبي وجنس أخر. كل ما تركه محمد ديب في مساحة الابداع المشرق وطنيا وإنسانيا ينهض بحلته الجميلة وهالته الكاملة والمكتملة، وهو يترجم الرحلة المضنية لقدر الابداع، تلك الرحلة التي تشهد على المخاضات الكثيرة والآلام المبرحة والولادات العسيرة والأفراح المترعة بمباهج الفن والإبداع وتكشف في سماء التجربة عبورا موشحا ببهاء الكائن وقدسية الكتابة. من هنا كانت كل قراءة في أعمال محمد ديب ونصوصه مشروطة بالإنصات لتاريخ هذه الكتابة وأثارها وتعرجاتها وهي تتقصى وتحفر في سيرة الجسد والأمكنة والأزمنة، ذلك أنه لا يمكن في العمق الفصل ايضا بين محمد ديب وإبداعاته. لقد كان هذا الالتحام الجسدي والروحي بالكتابة عند الكاتب والشاعر موصولا بهبات الوفاء والألفة والشغف والصدق. وبهذا تفرض قراءة أعمال محمد ديب ونصوصه الانطلاق من مبدأ الحوار والتعاطف. انه المبدأ الذي تتبناه هذه القراءة وتسترشد به في سعيها الى استكشاف المكامن الفنية والدلالية في ديوان (طفل الجاز)، تلك المكامن التي تقرب التعرف على جماليات الكتابة عند محمد ديب في بعدها الانساني والكوني. إن التأمل في نصوص هذا الديون هو تأمل في كتابة تملك وعيها الخاص وخصوصيتها الابداعية في التعبير عن التجربة والعالم. إنها كتابة تستنطق أعماق الجسد وأصدائه عبر تكوينات مشذبة براعة فنية ومفرغة من التنميقات البلاغية المفرطة والغنائية العالية، كتابة يمكن القول عنها: إنها كتابة متقشفة، لكنها متوهجة بإنسانيتها ومأخوذة ككل كتابة شعرية عظيمة بقلق الشعر ومغامرته في البحث عن حياة جديدة للكلمات والأشكال والإيقاعات، حياة ممتلئة بجاذبيها وألقها وإنسانيتها. إن مواجهة هذا الديوان هي في البدء مواجهة مع ثراء المخيلة الشعرية والقرار الحميم للشعر حيث الاحلام والرغبات المأخوذة بهشاشة الانسان وضعفه امام سطوة الزمن وتسلطه على الانسان. ثم حيث الطفولة والتكوين والجذور التي يلتئم فيها مصير الانسان بالكائنات والموجودات المبثوثة في أديم الارض والسماء.
الطفولة والعالم الحميم
الطفولة عنصر حيوي وفعال في التجربة الابداعية الشعرية عند محمد ديب، فداخل كل الأشكال الفنية التي أبدعها هذا الشاعر ( في الرواية والكتابة والشعر والفوتوغرافيا)، يوجد الطفل داخل نسيج ثري من الدلالات، بل إن هذه الطفولة هي التي تشكل نسيج الابداع ورمزيته، فهي الملجأ والمرفأ والقوة التي يهدم بها ضجر الحياة وصلابتها. إن الشعر يستطيع ازاحة الظلمة المستبدة بالذات عندما ينجح في استعادة عالم الطفولة ببراءته. إن فعل هذه الاستعادة يوقظ جذوة الحياة وينعش الجسد بانفتاح الوجود على منهل لا ينضب من الاحلام والرؤى والجمال. وإذا كان الشعر يوقظ عبر الطفولة، فإنه هو من يجلي هذا العالم الفسيح ويثريه ويبعث فيه الحياة من جديد. الطفولة بهذا المعنى مفتاح الشعر وبابه، لذا تحضر الطفولة عند محمد ديب في أفق مشرع ومفتوح على العالم عبر الأبواب والنوافذ:
هل من يفتح لي الباب؟
يقول الولد.
ثمة شيء هناك
في القريب
من يريد أن يفتح لي
هذا الباب؟
من ؟
الطفولة هنا ليست الماضي البعيد الذي يعدم الحاضر، وليست الحاضر الذي يغرق في الماضي، وإنما هي عتبة، وضوء وتوهج حيرة ،يتكشف بها الحاضر والماضي معا. إن استكشاف هذا العالم الذي يقبع في ذاكرة الشاعر يحتاج الى بصيرة عميقة وإلى نظرة فاحصة تخترق المرئي وتبتعد في أصقاع الزمن، ذلك أن الطفولة التي تحضر في نصوص محمد ديب ليست وجها واحدا، وإنما هي وجوه متعددة من فرح وحزن وبراءة وضعف وخذلان، غير أن هذه الطفولة تظل في جانبيها: المفرح والحزين أفقا ابداعيا ترسو به الاحلام وتتلون به الدهشة والغبطة ويصفو به الأمل والحبور.

هذا المجنون، قال الولد،
هذا المجنون الذي يجول
باحثا عني.
أنا هنا، قال،
هنا، وهو يبحث عني في البعيد.
أتراه فقد نظره؟
يبحث عني في البعيد.
ولكن ما خطبه؟ قال الولد،
ألا يرى أني هنا؟
وظل الإله يبحث
كما لو أنه لا يرى.
كما لو أنه لا يعرف.

الطفولة لا تقيم في الزمن، وإنما تقيم في ذات الشاعر، تقيم في النبض الحي الذي يتشكل به وجوده ، وفي المسافة التي يتوحد بها الشاعر بعالمه: الشعر الحقيقي في هذا المعنى هو الشعر الذي يستطيع أن يعيد بعث هذا العالم الذي يظل نائيا وغامضا وممعنا في التستر والخفاء، انكفاء الشاعر على العالم الغني والرحب للطفولة سمح له من انتاج حالة شعرية تقطع مع الاحالات الخارجية وتتمسك بنبض اللغة في اشاعة عالم شعري يوقظ في القارئ حرارة الاحساس بهذا العالم. الشعر لا يتحرك عند محدد ديب في مساحة الوضوح والمعلوم أو على سطوج الاشياء وظواهرها ، وإنما في المعني الذي يجعل الشعر بحث وتقصي مأخوذ بهوس الابداع واللغة، ومشدود الى السؤال الذي يدفع التجربة الى عمق الضياع والقلق والتوتر. الشعر بهذا المعنى هو أيضا هذا النزوع المختل في البحث عن حقيقة الاشياء وحقيقة العالم مسترشدا بطاقات الحدوس و فاعلية المغامرة.

كانت الشجرة تنتظر
ثم هبط الظلام.
ظلت واقفة هناك
والولد ينظر إليها.
قال: إنه الليل
ثم دخل.
هم تعشّوا وسهروا.
والشجرة؟ قال.
والشجرة؟ تساءل الولد
تحت ضوء القنديل،
الولد الذي جاءت الشجرة إليه
وأغمضت عينيه.
الطفولة تكشف عن الثراء الروحي في الانسان ،عن ذلك الحب الذي يشع في الوجود ، حيث تتوحد الاشياء والظواهر وتنتفي الفروقات والفواصل، فتجتمع الطبيعة والإنسان وتلتقي في ألفة عميقة ومحبة شاملة. الشعر عند محمد ديب يتنزل في هذا العمق في محاولة القبض عن البراءة الاولى للأشياء. ان اقتران الطفولة بالرمزية التي يثيرها عنصر ( الشجرة) يضاعف القدرة على تلطيف الشعور المأساوي بالزمن ، بكل ما يرمز اليه من عطاءات ومنح وخصوبة وتجدد.ليست المحاولة في أنسنة الطبيعة في هذا النص إلا محاولة لإشاعة تلك الروح الرءومة المترعة التي تضيء الظلام وتلف الوجود بوهج حميم. الطفولة تتلبس شعريا بنبض الابداع وتغترف من نبعه الصور والظلال والإيحاءات:
كن شخصا
يدخل من هذا الباب
يقول الطفل
لماذا
في البيت كل شيئ فارغ
الهدوء
يفتح عينيه على مصارعها
ينتظر ماذا
يريد أن يرى من
أنا يقول الطفل
أنا بصوت عال.
البيت مكان الهدوء هنا، وعبر هذه الصفة يكتسب حضوره العميق. البيت هنا مكان الشاعر الاليف ومكانه الحميم، واقتصار مجال البيت على عنصر الهدوء يجعله هذا المعنى اكثر عمقا وحضورا. انه الهدوء أو الوجود المستعاد الذي يحلم به الشاعر ويجد فيه حرارة الحياة وقوتها، إن هذه الروح الهادئة تستهوى القارئ وتجعل الاتصال قائما كما يقول باشلار ( بين شاعر الطفولة وقارئه بواسطة الطفولة التي تدوم فينا، إن هذه الطفولة تبقى فينا كانفتاح ودٍ وائتناس على الحياة، إنها تسمح لنا فهم وحب الاطفال، كما لو كنا متساويين معهم في الحياة) وفي قصيدة النسيان يأخذ هذا المعنى شكلا أكثر عمقا ودلالة ،ففي النص تنتصب النافذة كعتبة تفصل بين الداخل والخارج بفاصل مرئي يقوم بين الحاضر والماضي ، بين المطلق والآني بين الارضي السماوي ليطل الشعر على الأفاق والامتدادات العميقة في تجربة الانسان.
كانت هناك طاولة
كان هناك كراسي
وماذا نسي.
استعاد نفسه
كانَ هناكَ بَنْدول.
كانَ هناكَ بوفيه.
كان هناك نافذة.
تمر منها الطيور
رفعَ عينيه.
رأى الطيور تمر.
الشعر هنا لا يوقظ الاحساسات ووجه الانتباه فقط، وإنما هو يحرض على اختراق النسيان، إنه فاعلية ابداعية تناوش الذاكرة وتبعث فيها جذوة والحياة وإذا كان النسيان يتسلط بالبيت الذي لم يذكر منه الشاعر الى بعض الاشياء ( الطاولة الكراسي البوفي. النافذة ..)، فإن هذه الاشياء التي تستدعيها التذكر ليست إلا سطحا يدعو التذكر الى الولوج في عمقه من أجل الامساك بالفضاء الحميم الذي يحيا في الروح والجسد ويهرب مجنحا في سماء الفكر. محمد ديب يشحذ الفاعلية الرمزية في الالفاظ والعلامات ويجعل الشعر أداة لقهر الزمن ولإحداث التوازن والتوحد بين الانسان والطبيعة وبين الانسان والكون:
أخذ الحجر
كان الصمت ثقيلا
وضع الطفل الحجر. السر
يحرس في حافة الطريق
ثم الاوراق نشرت الظل.
الطفولة عالم يستمد دلالته أيضا من التناغم العميق بين الانسان والطبيعة، إنها علاقة تحتفظ بسريتها وعمقها. إن العلاقات التي تنسجها اللغة في نصوص محمد ديب لا تفهم – عادة- إلا في سياقها الرمزي بإيحاءاته وتجلياته الروحية، إن الاختلاف بين الحجر والأوراق اختلاف قائم فقط في الظاهر، بينما في العمق فهما ينبجسان من رحم واحدة ويتشابهان في التعبير عن الديمومة ومواجهة الزمن.
الكتابة وشعرية الهشاشة .
إن المتأمل في نصوص محمد ديب في ديوان: ( طفل الجاز) يجد أن الشاعر لا يهتم كثيرا بالتزيين البلاغي،إنه لا يتهم بزخارف الشكل إن محدد ديب يكتب النصوص بإيجاز مقتضب وتكثيف عميق وأحيانا ببساطة شديدة ، بل إن المتأمل في هذه النصوص سيكتشف أيضا أن محمد ديب لا يغترف من معيين متعدد واسع من الألفاظ وإنما هو يعتمد على معجم لفظي يبدو محصورا من حيث الكم ، ويمكن العثور في ديوان محمد ديب على مجموعة من الالفاظ المشتركة والمتشابهة التي تسبح عل امتداد قصائد الديوان الشعري، غير أن هذه الميزة المثيرة في كتابة محمد ديب الشعرية لها دلالتها في الرؤية والتفكير الشعري عند الشاعر ان دلالة ترى قيمة الشعر في روحه وجوهره. إن الزهد الذي يبدو لنا على مستوى كتابة النصوص وتطريزها يترجم وعيا بأن المعنى يتجذز في روح النص وعقمه أي في تلك البساطة التي تحيل على عمق الاشياء وتكتنز بطاقتها. إن نص :(السلم) قد يظهر لنا هذه البساطة المحبوكة فنيا ، حيث لا يتغذى النص إلا من بعض الالفاظ البسيطة والقليلة غير أنها بساطة غنية بالعمق الذي تجليه الصورة وتتكشف به العلامة حيث تنهض الحركة الثرية للوجود بعمقها وسريتها.
وضع القدم الاولى
على الشريط الامل
وضع القدم الثانية
على الشريط الثاني
لقد وصلت: قال
وصعد مرة أخرى
اقتربت الشمس
واصل الصعود
رجلاه ترتجفان
ببطئ صعد
لم يكن خائفا
قال: اصعد الى الاعلى.
ان نص السلم هنا، قد لا تقهم علاماته ودلالاته الى بالإحالة على عناصر اخرى تشترك معه في نسق الصعود والعمودية والسمو إن عناصر مثل الشجرة والسماء والأم والطيور تشترك رمزيا في مثاليتها وسياقاتها الروحية. إن هذه الرغبة في الصعود والقبض على المطلق تجعل الابداع يتجه الى أسطرة عالمة . إن محمد ديب يذهب باللغة الى غنائية شفافة وعميقة تحتفي بالصمت والعذوبة والحميمية التي يتناغم فيها الانسان مع ايقاعات الطبيعة والكون. الشعر يبحث هنا عن الفرح والحرية في عالم مثالي بعيد عن اكراهات الحياة وقسوتها. لذا يزخر العالم الشعري في الديون بامتداداته وأوقاعه، حيث العلامات تنفتح على سياقاتها وإيحاءاتها الغزيرة ،وهي تتقصى الأثر والوجود وتنتقل بين المرئي وغير المرئي ، بين الآني والمطلق بين الحضور والغياب وبين والحلم و الذاكرة ،إنها علامات تترجم أيضا هذا العمق المأخوذ بمعاناة المنفى والعزلة والاغتراب ولكنها معاناة مثمرة لصيقة بحقيقة الكائن وتجربته. الشعر في دلالته الجوهرية يوجد حيث تستطيع اللغة أن تتلمس هشاشة الانسان والعالم باحثة عن مطلق ينتصر على سطوة الزمن وشرور الواقع المأخوذ بالقبح والزيف. الهشاشة عن محمد كامنة في الحيرة واللايقين والشعور المتواصل بالنقصان ، ثم الرغبة العميقة في تجاوز شرط الزمن وقهره. الشعر يبحث هنا عن عالم بديل ، عن أفق آخر يسند به رحلته في الحياة ويفتح نظرة الانسان على الوهج الاصيل للحياة. وفي هذه المسافة الذي تتجذر فيها علاقة الانسان بنفسه وبالكون يكشف الابداع الحقيقي عن هشاشة الانسان وإرادته ويفتح أفقا ينصت به الى هدير التجربة الانسانية وإيقاعها في الزمن والمكان. يختار الشعر عند محمد دب هذا الطريق الذي يتجاوب فيه الشعري مع عوالم التجربة الانسانية وهو يمد هذه الشراكة التي تقفز على الحدود وتجتاز الفوارق والفواصل بمعين جمالي عامر بالمحبة والصفاء.

جامعة سيدي بلعباس