بقلم / مجدي جعفر
عبر ثنتا عشر فصلا، قدم لنا الكاتب منير عتيبة روايته (نساء المحمودية – التاريخ السري لخورشيد في 200 عام)، وكل فصل يضم أربع مقاطع / مشاهد، وقد ألزم الكاتب نفسه بترتيب مشاهده بأسلوب المتتالية، فيبدأ كل فصل بصوت (رضوى) ثم صوت (سنية) ثم صوت (عائدة) ثم صوت (صباح)، وهذه الأصوات هي الأبرز في النص، والتزم الكاتب بهذا الترتيب الصارم في كل الفصول ما عدا الفصل الأخير الذي بدأه بصوت (سنية) ثم صوت (عائدة) ثم صوت (صباح) ثم صوت (رضوى)، وبالنظر إلى ترتيب المشاهد في الفصل الأول وترتيبها في الفصل الأخير، نكتشف أن المتواليات تحولت إلى دوائر متداخلة، فالمشهد الأول في الفصل الأول ابتدأ برضوى، والمشهد الرابع والأخير في الفصل الثاني عشر انتهى برضوى أيضا، وشكلت (رضوى) الدائرة الكبرى، وبداخلها دائرة أخرى أصغر من الدائرة الكبرى شكلتها (سنية)، فهي بطلة المشهد الثاني في كل الفصول، ثم دائرة ثالثة أصغر من الدائرة الثانية شكلتها (عائدة)، ودائرة رابعة أصغر فأصغر شكلتها (صباح). أربع دوائر متداخلة.
وقد استفاد الكاتب في ترتيب معظم مشاهده من فن “المونتاج” السينمائي، فهو لا يعبأ كثيرا بالتسلسل الطبيعي للحدث، ولكن جُل اهتمامه انصب على الأثر الذي يمكن أن يحدثه الحدث في القارئ / المتفرج، فثمة أحداث قدمها على أساس من الترابط، وأحداث أخرى قدمها على التوازي، وأحداث ثالثة على التقاطع، والتقاطع عموما كان في المكان (خورشيد) وفي الزمان والذي يُقدر بمائتي عام.
ورضوى هي مركز الدائرة، ونقطة الارتكاز، وابتدأ الكاتب بها روايته، وأسمعنا صوتها من أول سطر، بل من أول كلمة، (قالت رضوى:) وانتهى بها، وحولها تمحورت الحكايات، والحوادث، والشخوص.
وعبر المائتي عام يقدم لنا سيرة ومسيرة المكان (خورشيد)، ونشأته، وتحولاته، وأيضا سيرة البشر، وتحولاتهم، وسيرة ومسيرة الوطن ذاته.
والاشارات الزمنية للأحداث لا تبدأ منذ أن فكر محمد علي في تنظيم عملية الري، وشروعه في حفر ترعة المحمودية، بل تبدأ قبل ذلك، وتحديدا منذ أن حط حسين الكبيرفي تلك المنطقة، الواقعة على الحدود بين محافظني البحيرة والإسكندرية، وأسس عزبة أبو حسين، وصولا بالزمن إلى ثورتي 25 يناير 2011م و30 يونيو 2014م، ومابعدهما، وتحديدا زمن جائحة كورونا، والتي ماتت في زمنها وليس بسببها صباح زوجة حسين الذي أُسر في حرب أكتوبر 1973م، وقتله سجانه الصهيوني، والكاتب يبدأ روايته من الآني بافتتاح محور المحمودية الجديد.
وتطلب رضوى من ماهر حبيبها وزوجها أن يصطحبها لمشاهدة حفل الافتتاح، فالرئيس هو من سيقص الشريط، وتتكأ على ذراع الذكريات، فتأتي لها في مخيلتها سنية، ثم سرعان ما تختفي سنية لتأتي عائدة، وتمضي عائدة لتأتي صباح، وكأن الكاتب لجأ إلى حيلة المرايا المتوازية، لتنظر إليها رضوى، أو تُظهر لها المرايا هذه الشخصيات التي عاشت في هذا المكان، وليس من الضروري أن يكن جميعا من مجايلي رضوى، فالرواية رواية أجيال، ووالد رضوى نفسه من الجيل السادس، فقد تتماهى شخصية مثل شخصية سنية مع شخصية سنية الجدة الكبيرة زوجة حسين المؤسس لعزبة أبو حسين، أو تحل روح الجدة فيها، وقد تكون أخذت من ملامحها، وتصرفاتها. وما يجري على الشخصيات النسائية يجري على الشخصيات الذكورية، فكل حسين يولد يأخذ من جينات حسين المؤسس.
وإذا كان الكاتب قد استفاد من فن “المونتاج ” في السينما، فإنه استفاد أيضا من تقنية “الفلاش باك” التي هي تقنية سينمائية بالأساس.
وأبرز الكاتب التاريخ غير الرسمي لخورشيد، التاريخ الشفاهي المبني على الحكايات المتوارثة مع عدم إغفاله لوقائع التاريخ المكتوب، فتعالق الواقعي باللاواقعي والفنتازي بالأسطوري بالعبثي، وكان دقيقا وأمينا في رصد التغيرات التي حدثت للشخصية المصرية.
ولأن الفن اختيار من الواقع، فقد اختار الكاتب من تلك الفترة الطويلة والممتدة بعض الوقائع والحوادث من سيرة الشخصيات والوطن، ولجأ إلى الوثبات والقفزات الزمنية، سواء في مسيرة الوطن أو الشخصيات، وقد اعتمد على وقائع وأحداث مهمة، كان لها أبلغ الأثر على الشخصية المصرية، وعلى المجتمع وتحولاته، نذكر منها :
1 – محمد علي (عزيز مصر) الذي يحاول أن يبني نهضتها، بتنظيم عمليتي الري والصرف، بحفر الترع والمصارف، ومنها ترعة المحمودية، التي أحيت الآف الأفدنة، ويسرت حركة المراكب التي تنقل البضائع، فوفرت الوقت والجهد والمال، وانتعشت حركة التجارة، وكان لهذا الفعل أثره على حياة الناس التي انتعشت اقتصاديا، وآثره على المكان أيضا.
2 – الاشارة إلى الإقطاع، واقتطاع الباشا الكبير للأراضي، وتوزيعها هبات على المقربين.
3 – الإشارة إلى الدولة العثمانية وعلاقتها بمصر من حيث التقارب والتباعد، فسُميت ترعة المحمودية بهذا الاسم تيمنا باسم السلطان العثماني محمود الثاني.
4 – الاحتلال الإنجليزي لمصر.
5 – الحرب العالمية الثانية، ووصول هتلر إلى العلمين، واقترابه من الإسكندرية.
6 – الصراع بين الإنجليز والألمان على أرض مصر، والدور القذر الذي لعبته المخابرات الانجليزية والوكالة اليهودية.
7 – وقوف الفريق عزيز المصري وأحمد الجزيري وأمين الحسيني مفتي فلسطين وغيرهم مع الألمان ضد المحتل الانجليزي، فمفتي فلسطين وعده بالوقوف معه مقابل مساعدته في التخلص من العصابات الصهيونية التي يقف وراءها الإنجليز.
8 – الدور القذر الذي لعبته الوكالة اليهودية في مصر، والعمل لصالح المخابرات الإنجليزية، والتلصص والجاسوسية، وتجنيد عائدة اليهودية وتخريب الاقتصاد المصري وحث اليهود وشحنهم إلى أرض الميعاد.
9 – حرب اليمن، وتورط الجيش المصري في هذه الحرب بانحيازه إلى الجمهوريين.
10 – حرب 1956م وهزيمة يونيو 1967م.
11 – حروب الاستنزاف التي كبدت العدو خسائر فادحة.
12 – حرب أكتوبر 1973م.
13 – قراري الصلح مع العدو الصهيوني والانفتاح الاقتصادي.
14 – ثورتي 25 يناير و30 يونيو.
15 – جائحة كورونا.
وسارت الرواية في مسارات عدة :
منها المسار السياسي، والمسار الاقتصادي، والمسار الاجتماعي، ورصد أيضا مسار وحركة المكان، وتغيراته، من الحركة البطيئة والتغير ات البطيئة في الزمن الأول، زمن نشأة المكان إلى الحركة العنيفة وسرعتها الرهيبة في السنوات الأخيرة حيث الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، والعولمة، والفيس بوك وتويتر والانستجرام، مرورا بكل أنواع السرعات المتدرجة، من الحمار في الزمن الأول إلى العربة الكارو إلى السيارة إلى الطائرة، ومن الآلات الزراعية البسيطة إلى الآلات العملاقة، ونجح الكاتب نجاحا مبهرا في تقديم صورة المكان (خورشيد) وهي ناشئة منذ مائتي عام وصورتها بعد المائتي عام، وتحديدا عند افتتاح محور ترعة المحمودية، وما بين الصورتين مرت (خورشيد) بصور عديدة رصدها الكاتب بدقة، حتى اللغة نفسها تغيرت وهو يرصد العقد الأخير لتتوائم مع هذا التغير والتحول، جاءت لغة تلغرافية، الجمل فيها خاطفة وسريعة، لغة تتماشى مع وسائل الاتصال الحديثة، ورصد تغير منظومة القيم نفسها، والتحولات النفسية والأخلاقية ليس في خورشيد وحسب، بل في مصر كلها.
………………………..
اهتم الكاتب بشخصياته اهتماما بالغا، والرواية تعج بعشرات الشخصيات، وكل شخصية حتى لو كانت صغيرة، ودورها محدودا، قدمها تقديما رائعا، يصفها من الخارج وصفا دقيقا، ويسبر غورها، ويستكن جوهرها، ويغوص في داخلها، مبرزا ما يمور ويصطرع في نفسها، وما يجيش بصدرها، ومُظهرا طرائق تفكيرها، ومُبينا مسار حركتها في محيطها الاجتماعي، ويمكن للقارئ أن يعود إلى تقديمه لشخصياته مثل: رضوى وسنية وعائدة وصباح، وعليات، وحياة، وسعدية، واعتماد، وفاطمة، ورضوى الصغيرة وغيرهن، ومن الشخصيات الذكورية، حسين المؤسس، وكل حسين جاء من صلبه، وأخذ من جيناته، وماهر، وسعيد، وخالد سعيد، والبدري وابنه هشام، وحمادة ميكي وابراهام وغيرهم.
وامتاز الكاتب بتقديم تاريخ وماضي كل شخصية، أحيانا بإيجاز وأحيانا اخرى باسهاب.
وأهم تقنية استخدمها في رسم شخصياته هي:
= تقنية التجسيم: فهو مصور بارع، ومثّال حاذق، وكأنه ينحت في عقل وقلب المتلقي تماثيلا لشخصياته، ومن الصعب أن تغادر عقله، وتبرح قلبه، وتظل تناوشه، وتشاغله، ويستعيدها بينه وبين نفسه مرات ومرات، فهي شخصيات خبرها، ودرسها، وعاش معها، وعاشت معه، وباحت له بهمومها وأفراحها، تطلعاتها وانكساراتها.
وبرهافة شيدة قدم لنا أيضا شخصيات حيوانية مثل الحمار والبغلة والذئاب، والعلاقة الحميمة بين العم طاهر وحماره أو بغلته، والتي هي في منزلة ابنته، فأطلق عليها اسمها (باتعة)، وكيف (أنسن) الحيوان والنبات والشجر والريح والماء والرماد .. إلخ.
………………………….
رضوى:
رضوى التي تشهد الاحتفاء بمحور المحمودية الجديد، تستعيد مشاهد من حياتها، وحياة الأخريات، والمكان وتحولاته، والزمن وتقلباته .. (رأت الكوبري الذي يعلو فوق الطريق من الجانبين رابطا خورشيد البحرية حيث تسكن بخورشيد القبلية التي كانت في طفولتها بلاد الجن والعفاريت والقطار العجيب) ص9.
والكوبري عليه لوحة تحمل اسم الشهيد مجند حسين أبو حسين، ابن عم أبيها، والتي تفشل في استحضار ملامحه، فكانت صغيرة جدا حين أستشهد، ويأتي ميلاد رضوى على وجه التقريب، في بداية السبعينات من القرن الماضي، وقبل حرب أكتوبر، إذن هي في الخمسينات من عمرها، وهي في العام 2020 م كانت برفقة زوجها ماهر الموظف بشركة الأسمنت البلجيكية التي أقامتها عائدة بخورشيد، وستكرمه بصفته ألموظف المثالي.
وتستمد رضوى أهميتها الفنية، بأن الكاتب جعلها ساردة عن نفسها وعن الآخرين، من خلال تماهيها مع سنية وعائدة وصباح لتُظهر لنا التحولات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية لعزبة أبو حسين، التي ذابت وسط الآراضي الكبيرة التي اقتطعها الوالي ووهبها لخورشيد باشا، بعد حفر ترعة المحمودية، إذن هي الراوي المشارك، وتماهى الكاتب كثيرا معها، ولم يظهر إلا في مواقف معينة، وهي المواقف والأحداث التاريخية والتي قد تجهلها رضوى قياسا على مستوى تعليمها وثقافتها، فلم تمكث بالمدرسة غير فترة قصيرة، لم تجن فيها غير العذاب والآلام النفسية المبرحة، واكتفت بما حصلته من الكُتّاب بحفظها لبعض قصار السور، وتعلمها مبادئ القراءة والحساب، فرضوى إذن هي الراوي المشارك، فهي شخصية من شخصيات الحكاية/ المروي وقد تكون هي الشخصية الرئيسة الأهم في الرواية.
ويقسم الراوي بحسب قربه من الأحداث، إلى:
(الراوي الخارجي: وهو الذي يكون خارج المروي/ الحكاية، فهو يعرف بالحكاية معرفة كلية لكنه ليس جزءا منها.
(الراوي الداخلي: وهو شخصية من شخصيات المروي/ الحكاية، أي أنه مشارك بالأحداث بغض النظر عن حجم المشاركة فقد تكون أساسية أو ثانوية، ولهذا يسمى الراوي المشارك أو الراوي الشخصية.)
أنظر: “بناء الرواية.. سيزا قاسم”
وأم رضوى سيدة فُضلى، مُحبة لكل الناس، جوادة ومعطاءة، تمد يد العون والمساعدة لكل محتاج، وتؤثر الآخرين على نفسها ولو كان بها خصاصة.
وتعيش أسرتها في أكبر بيوت الشارع، بل أكبر بيوت خورشيد البحرية كلها.
= أزمة رضوى:
إن أزمة رضوى النفسية الخانقة، تتطلب منا في مقاربتنا النقدية أن نشير ولو باقتضاب إلى المنهج النفسي، أو بالأدق إلى مدرسة التحليل النفسي التي تأسست على يد سيجموند فرويد، فظواهر الإبداع في الأدب والفن عند فرويد كما يقول الدكتور صلاح فضل هي تجليات لظواهر نفسية. ففرويد أول من كشف عن منطقة اللاوعي أو اللاشعور، وألقى الضوء عليها، واعتبرها المسئول عن السلوك، كما اهتم بدراسة الأحلام التي هي تنفيس للاشعور، وتعبرعن المكبوتات في اللاوعي، وما يعنينا من مدرسة التحليل النفسي، هو الوصول إلى نتيجة مهمة، فحواها: أن مرحلة الطفولة هي أخطر المراحل التي يمر بها الإنسان، فهي التي تحدد مسار حياته في المستقبل، وتتحكم في سلوكياته، ففي السنوات الأولى تتشكل شخصيته، والتجارب القاسية والمؤلمة في الطفولة تلقي بظلالها السيئة على الشخصية، وأزمة رضوى تعود إلى طفولتها، وسنسرد بعض أزماتها، ومعاناتها:
1 – كرهت رضوى المدرسة، ورأت أن كل زميلاتها من الأشرار، فالبنات يتنمرن بها، وينادونها بالعرجاء، والبنت شيماء بنت أم عبدالنبي حزبت البنات ضدها، ومنعتهم من اللعب معها، وأشاعت بأن من تختلط بها سيصبها العرج!.
وتقترح شيماء مسابقة جري: (من تصل إلى السور تلمسه بيدها، ومن تصل إلى الساقية تقول لرضوى : يا عرجاء.) ص 59.
وتطور شيماء من اللعبة، فالبنات لن يكتفين بمناداتها بالعرجاء، بل من تلمس حذائها الحديدي عدة مرات تكون هي الفائزة!.
ومع كل صيحة يا عرجاء، ومع كل لمسة لقدمها، تحس بشروخ في روحها، أحست بأنها تغيب عمن حولها:
(لم تعد ترى غير بنت أم عبدالنبي، أقوى البنات وأسرعهن، حدقت رضوى في ساقىّ شيماء القويين، حدقت بكل ما بقلبها من حقد وغل وضعف ورغبة في الانتقام، تمنت من أعماق روحها أن تصاب ساقاها بمصيبة الآن، تخيلت ما ستشعر به من فرح إذا لم تلاحظ شيماء في غمار انهماكها في اللعب تلك القطعة من الحجارة التي بها بقايا سيخ حديد، لو اشتبك طرف بنطالها بالسيخ، فانقلبت على وجهها، وجُرحت جُرحا عميقا يجعلها تعرج بأكثر من عرج رضوى ذاته، ويجعل وجهها مليئا بالجروح، مشوها وقبيحا، وتُكسر ذراعاها أو ذراع واحد على الأقل..) ص ص : 60 – 61
هل استراحت رضوى لأنها انتقمت من شيماء بخيالها؟.
أفاقت رضوى من غيبوبتها على صراخ البنات الذي يرج المدرسة والشارع والقرية كلها، فالبنت شيماء مُلقاه على الأرض بجوار الحجارة، وجهها وساقاها ينزفان، ولا تستطيع تحريك ذراعها اليُمنى.
تبتهج رضوى، وتصرخ في البنات:
(أية واحدة تضايقني سأفعل بها مثلما فعلت بشيماء)
وصدقنها البنات، ونسجن حولها الأساطير، ولم يعدن يضايقنها، فهي على علاقة بعفريت الساقية، ويحقق لها ما تريد من رغبات مؤذية شريرة.
2 – تقول لها أعتماد زوجة شقيقها ساخرة :
(يا أختي لن تري عريسا ما دمت ترتدين هذا الحذاء الحديدي، عرج خفيف بدونه أفضل، بدلا من أن تكوني مثل الرجل الحديدي ) ص 84.
(ياربي! كيف أفتح عيني أول ما أفتحهما على رؤيتك؟ ربنا يستر ولا ألد ولد أعرج) ص 86.
وتنهرها سعدية زوجة شقيقها الآخر :
(أنت في كل مكان بالبيت. ألا تستطعين الاختفاء حتى ألد ابني بسلام) ص86.
تصعد إلى السطح، تبث الطيور همومها، وتجرش الملح، أدمنت جرشه والتلذذ بمرارته، تشعر بأنه يمتص غضبها وضعفها، أهملت الجهاز، ولم تعد ترتديه، وكان لسخريتهما أبلغ الأثر السيء على نفسها :
(انتهت من جرش الملح، نزلت على السلالم كالمنومة، ببطء أكثر من اللازم، لكن بتصميم على شيء غامض. دخلت شقة أخويها، طرقت حجرة اعتماد، ودفعت الباب بهدوء، نظرت رضوى إلى بطن اعتماد المستغرقة في النوم، وضعت قبضة يدها بعنف، صرخت اعتماد صرخات واهنة دون أن تستيقظ كأن كابوسا مريعا تطاردها أشباحه. ذهبت رضوى إلى حجرة سعدية، كانت تمشط شعرها أمام مرآة السراحة، رأت رضوى خلفها، تفلت في عبها ساخرة:
أشتاتا أشتوت: ومتى تظهر العفاريت! ضحكت، وعادت لشعرها تمشطة، نظرت إليها نظرات عميقة، بعينين خاويتين كبيرتين، حدقت سعدية في عينيّ رضوى عبر المرآة، فانتفض جسدها رعبا، تحسست بطنها المتكور تلقائيا، وحدسها يخبرها بشر قادم، أغلقت باب الحجرة، فانتفضت سعدية رعبا) ص ص : 87 – 88
جلست رضوى على السطح تراقب، الكل يجري، وأم حميدة الداية تأتي مهرولة، وأهل اعتماد وأهل سعدية، وصراخ اعتماد يتقاطع مع صراخ سعدية، وسقط الحملان معا!. وابتعدتا عن رضوى، فهما على يقين بأنها السبب في إجهاضهن، وبأنها تمتلك قوة مؤذية شريرة.
3 – ومن المشاهد المؤلمة والمؤثرة في حياتها، هذا المشهد الذي رأته وهي دون العاشرة بالمستشفى الإسرائيلي، وظل يطاردها في نومها، فيقلق مضجعها، ويصيبها بالفزع والرعب :
(رجل طويل، عيناه خضروان واسعتان، مُمدد على سرير بجوارها، العنبر يغط بشخير المرضى، كلهم رجال، تدخل فتاة متوسطة الطول، ترتدي ملابس ممرضات شديدة النظافة، في يدها حقنة، تنظر إلى المريض بحقد، تشمر كمه عن ذراعه الأيسر، يحاول إبعاد ذراعه، تشده بقوة، يستسلم وهنا، تغرز الإبرة بعنف، تفرغ ما بها، تضعها في جيبها، تخرج من العنبر بعد أن تنظر حولها لتتأكد أنه لم يرها أحد، ينتفض جسد الرجل مرة أو مرتين ثم يهمد تماما، وقد جحظت عيناه بشكل مخيف، بعد لحظات يفتح عينيه اللتين أصبحتا ككهفين خاويين من الحياة، مليئتين بالرعب، يمد يديه الاثنين إلى رضوى، يصرخ بصوت يتردد صداه في ذهنها قبيحا مزعجا، وبلغة لا تفهمها، تنتفض فزعا، تضمها أمها بحنان وفزع..)
4 – ومن المواقف المؤلمة، محاولة محمود زوج فاطمة التي علمتها الخياطة، وتزيين النساء، التحرش بها، والاعتداء عليها،
فصعدت إلى السطح، جرشت الملح، أغمضت عينيها، رأت الممرضة والرجل الطويل الذي قتلته والبنات الأشرار في المدرسة، و… هل يمكن أن تؤذي محمود؟.
خافت أن تؤذيه لأنها تحب فاطمة، التي لا تني تشكو لأمها تأخر الحمل، وقد شارفت على سن اليأس، وتخشى أن يتزوج محمود الذي تحبه عليها، حبها لفاطمة جعلها تغفر له، وكما أبانت رضوى عن قوى الشر المؤذية، تبين في هذه الحالة عن طاقة الحب اللامحدودة لفاطمة، فتقول لها :
(- أتريدين ولدا أم بنتا؟
………………….
-لا يهم. المهم أن أنجب. ولو كانت بنتا سأسميها رضوى.
-وتكون عروسا لخالد ابن أخي سعيد؟
……
-كما تشائين) ص 138
وبالفعل تحبل فاطمة وتلد بنتا جميلة، وتسميها رضوى، وتُخطب لخالد ابن شقيقها سعيد.
5 – حرمانها من حبيبها ماهر وتزويجها من البدري:
أحبت رضوى ماهر، وصار كل دنياها، وبادلها الحب بحب، وعندما تقدم لها خاطبا ووافق والدها، هاج شقيقها سعيد، وثار ثورة عارمة، واستل السكين واراد قتله، وتم طرده شر طردة .. وزوّجها شقيقها للبدري تخلصا منها.
6 – حرمانها من الميراث:
بعد موت الأب والأم اصطحب شقيقها سعيد زوجته مع محامي مشبوه، وباعت له زوجته التي انتحلت شخصية رضوى ميراثها!! حتى المعاش الذي آل إليها بعد موت والديها، استولى عليه، وما تدره ماكينة الخياطة من دخل يستولي عليه هو وزوجته أولا بأول.
6 – تحرش ابن زوجها بها.
ولعل القارئ يكون قد توقف على بعض أسباب أزمة رضوى، ولكن يبقى السؤال : هل المنهج النفسي كان كافيا للتعامل مع الرواية؟.
يقول دكتور صلاح فضل :
(قصارى ما يبلغه المنهج النفسي لتحليل الأعمال الأدبية إنما هو إضاءة بعض المناطق الخاصة في العمل الأدبي تاركا بعض المناطق – وهي الغالبية – في الظل، لأن فهمها وتفسيرها لا ينتمي إلى هذا المجال، ولا تفلح معها أدواته)
وثراء الرواية الفني والموضوعي يجعلنا لا نتقيد بمنهج نقدي، ولا نقيسها بأحكام نقدية مسبقة، فالرواية فيها أيضا من رواية (تيار الوعي) والتي هي أمتداد للرواية النفسية، ولا تهتم بمنطقة الوعي أو الشعور قدر اهتمامها بمنطقة اللاوعي أو اللاشعور، ويرى الدكتور عبدالبديع عبدالله أن الهدف من كتابة رواية (تيار الوعي) هو :
(الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات، وهي لا تستقل بفنية خاصة، بل تعتمد على عدة أساليب تتباين تباينا كبيرا عن الأساليب التقليدية، وإن لم تختف تماما)
فالرواية إذن تحتاج إلى الأساليب النقدية الحديثة، مع عدم إغفال الأساليب التقليدية، وقد توسل الكاتب في بناء روايته بالفنتازيا، وأثراها برؤى من الواقعية السحرية كما استفاد أيضا من تجارب العبث، فالواقعية السحرية تنهض كما يقول د . يسري عبدالله على :
(مزج دال بين الواقعي والأسطوري، ويتواشج داخلها الحقيقي والفنتازي، ويصبح مردها ليس الواقع العجائبي وإنما الواقع المراوغ، فيتسع مفهوم الواقع نفسه داخلها، ليستوعب الخيال ذاته، ويندمجان معا في بنية سردية متجانسة)
ويرى الدكتور حامد أبو أحمد أن (الواقعية السحرية بمفهومها الحديث تقوم على ثلاثة ارتباطات أساسية: العجائبي والأسطوري والسيريالي)
والجمع بين هذه الاتباطات الثلاث ليس بالأمر السهل كما يقول ماركيز :
(ليس معنى ذلك أن الجمع بين الواقع والسحر أو الفنتازيا يُنتج بشكل آلي واقعية سحرية. لأن هناك شروطا أخرى كثيرة لا بد أن تتحقق كي تؤدي إلى إبداع قصصي حقيقي، من ذلك التناول الشعري للواقع، واستخدام لغة تتوائم مع هذا الواقع السحري، وتتناغم معه .. والموهبة والوهج الفني. ومعرفة استخدام التقنيات الجديدة في فن القص. واستيعاب الأعمال الإبداعية البارزة. وانسجام الرؤية بما يتفق مع جوهر الفن. وغير ذلك من شروط وظواهر لا تتحقق إلا عند كاتب مميز)
وسنشير إلى بعض المشاهد التي تعالق فيها السحري والعجائبي بالفنتازي بالعبثي، ولننظر كيف يستخدم الكاتب أيضا تقنية تكبير المشهد وتضخيمه، وهي تقنية استخدمها في روايته كثيرا:
(أمطرت السماء رؤوس دواجن، فوجئ من يقفون أمام الورشة بها تتساقط فوقهم، شعروا بالفزع، وأخذوا يجرون على غير هدى، فيصطدمون ببعضهم البعض، رؤوس دجاج لا تزال تصدر نقنقات عالية، رؤوس بط تلمع عيونها بالفزع، رؤوس إوز تبدو وكأنها ستعض من تسقط عليه، سقط بعضها على رأس صاحب عربة كارو فقفز إلى أعلى، وأبعدها بيده، وأخذ يجري كالمجنون حتى ألقى بنفسه في ترعة المحمودية، سقطت بعض الرؤوس في نار الكير فتصاعدت رائحة احتراقها تزكم الجو، سقطت بعض قطرات دم على رأس عادل فاخذ يفرك رأسه بعنف وخوف، خرج رجل كان في مبولة الورشة، ذيل جلبابه في فيه، ولم ينتبه لرفع بنطاله، وأخذ يجري وقطرات البول تتساقط من عضوه، من حاول أن يرفع رأسه لأعلى ليفهم ما يحدث سقطت في عينيه قطرات دم، وعلى وجهه رؤوس دواجن، فصرخ وقد ظن أنه أُصيب بالعمى، لم يتوقف مطر الرؤوس حتى تبعه مطر من الريش، ملأ الجو كأنه يتراقص رقصات وحشية، ثم يسقط فوق الجميع من التعب، لم يفكر احد في رفع رأسه مرة أخرى، إذ تلت الريش موجة من أجساد الدواجن، من تسقط فوقه يسقط على الأرض من هول المفاجأة أو قوة الضربة، أو الفزع، ثم ماء ثقيل من قيء وقذارة له طعم الملح شديد المرارة والعفونة، إذا ما لامست شفة أو لسان قطرة منه) ص ص : 163 – 164.
هذا المشهد الذي بطلته رضوى، فجرت فيه طاقات الغضب والكراهية المكبوتة في الذين حرموها من حبيبها، الغضب العنيف والشديد من أسرتها ومن العالم كله، وهذا التكبير والتضخيم يكافئ تماما كثافة وحجم الغضب والكراهية والمكبوتات التي كبرت وتضخمت في داخلها.
وقد أقام الكاتب في هذا المشهد، وغيره من المشاهد التي سيأتي ذكرها، توازنا جميلا بين كل ما هو واقعي وسحري، وهذا التوازن الجميل جاء من قدرته على الجمع بين النقيضين الواقعي والسحري أو العجائبي، بل تعدى حدود الجمع بينهما إلى مزجهما مزجا خاصا، ويذكرنا بماركيز الذي وازن ببراعة في روايته الفريدة (مائة عام من العزلة) التي روى فيها أحداثا بدت للقارئ غريبة وخارقة للطبيعة حتى في الظروف العادية من خلال جمعه بين النقيضين الواقعي والسحري، ومزجهما مزجا رائعا.
وبورخيس أيضا الذي مزج الفلسفة بالأساطير بالخيال، وقدم لنا في مجموعته القصصية الأولى (حديقة الطرق المتشعبة) سردا سرياليا ماتعا وبديعا، وأدخل أحداثا تاريخية حقيقية حدثت في فترة الحرب العالمية الأولى، وقدمها بشيء من التفصيل والدقة والمهارة، كان الواقع فيها أغرب من الخيال.
فالواقعية السحرية يجتمع بداخلها الواقعي مع غير الواقعي، وقادرة على أن تجمع بين المتناقضات، والكاتب منير عتيبة قدم في روايته واقعيته السحرية الخاصة جدا، والخارجة من رحم التربة المصرية من خلال الموروثات الشعبية، والتي فيها الكثير من الغرابة، ويحاول أن يلامسها ويمسها مسا خفيفا بالعقل، فيقدم لنا كل ما هو سحري ولا واقعي على أنه واقعي ويتماس ولو قليلا مع العقل، ويحاول أن يقدمه لنا وكأنه حقيقة من الحقائق الكونية، ويفتح عين القارئ وذهنه على الجانب الميتا فيزيقي / الماورائي للأشياء.
وواقعية عتيبة السحرية تحتاج إلى قراءة متأنية وعميقة، وإلى مبحث خاص، ونحن نكتفي هنا فقط بالإشارة السريعة إلى مواطن التألق الفني عند الكاتب.
…………………………………………
= ويقدم لنا الكاتب منير عتيبة شخصية حسين أبو حسين كبطل شعبي، ويصنع له أسطورته الخاصة.
ولا يستمد حسين قوته وهيبته من كونه أول من حط في هذه البقعة، وأنشأ عزبته وحسب، ولكن زادت قوته وهيبته بين الناس من شجاعته وجرأته ودفاعه عن أهل العزبة، دفاعه عن الجماعه، ومقاومته ومحاربته للصوص الذين بدأوا يغيرون على القرية طمعا في خيراتها، ومحاربته للذئاب أيضا، وقد أخذ صفة البطولة من دفاعه عن الجماعة، وحمايته لها.
وكل حسين يأتي يأخذ نفس جينات وصفات حسين الكبير المؤسس، وهي صفات البطل، البطل الشعبي، الذي صارع الذئاب التي كانت تتربص بأهل العزبة الناشئة، وتريد لهم أن يرحلوا، ويتركوا لها المكان، وبدأت تعتدي على أغنامهم ومواشيهم وأطفالهم، فذهب إليها في الأحراش، وتصارع مع قائدهم، ويوما وليلة وهو يصارعه، وأهل العزبة آياديهم على قلوبهم، يخافون على حسين، وينتظرون بين كل فينة وأخرى أن يخرج لهم مُعافى وسالما، ولم يصدقوا أنفسهم وهو يخرج لهم حاملا بين ذراعيه ذئب صغير، فلما طال العراك بينه وبين قائد الذئاب، ولا غالب ولا مغلوب، عقد معه صلحا، والحد الفاصل بينهم هو شريط الرماد، واختفت الذئاب في الأحراش، ولم تعد تخرج منها لتعتدي على أهل العزبة، ولما اطمأن حسين إلى التزامهم بالاتفاقية أعاد إليهم الذئب الأحمر الصغير الذي كان رهينة لديه، وهذا هو البطل الشعبي الذي حمله أهل القرية على الأعناق.
وكان الكاتب بارعا في تلك النهاية الأسطورية للبطل حسين أبو حسين، ففي الوقت الذي سمع فيه صراخ عليات وهي تلد له الوريث سمع أيضا صراخ سنية في الأحراش، قبل طفله القبلة الأولى والأخيرة، وجرى إلى سنية وخلفه كل أهل العزبة، ليتفاجأ باختفاء شريط الرماد، وسنية واقفة في مواجهة الذئب الأحمر، طلب من أخويه وسنية وأهل العزبة بالعودة، ولكنهم أصروا على البقاء لحمايته، (وفي قلوبهم أمل واهن أن ما حدث من قبل سيتكرر، سيذهب حسين إلى قائد الذئاب يعقد معه اتفاقا، يعود برهينة ذئبية، يضع للذئاب خطا لا يتعدونه) ص 286.
وفي نفس اللحظة التي كان يمد حسين قدمه بأول خطوة نحو أرض الذئاب، كانت سنية تفتح غرفة عليات وتأخذ الطفل، فكانت تعلم أن الذئب الشاب الذي كان قد أخذه رهينة أصبح قائدا للقطيع، ورغبته في الانتقام من حسين لم تمت.
ونُسجت الأساطير حول حسين، ومافعله مع الذئاب، وكيف أقنعهم بمغادرة الأحراش نهائيا على أن يكون هو قائدهم وأنه (استأذب) أو هم (تأنسنوا)، وأقسم احدهم أنه رأى طيفه يسير في الأحراش خلفه قطيع الذئاب، وبنوا له قبرا في آخر مكان رأوه فيه وهو في مواجهة الذئاب، قبر اكبر من كل القبور، قبر سيدي حسين، واطمأن الجميع بأن صاحب القبر سيحميهم من الذئاب ومن سكان الأحراش.
وبذلك يكون الكاتب قد أحيا الجانب الأسطوري في الثقافة الشعبية، وأبرز جانبا مهما للثقافة الشعبية.
…………………………………………………
= وقدم لنا شخصية سنية زوجة حسين أبو حسين، والتي كانت تحبه منذ أن كانت طفلة، وهي التي طلبت منه الزواج قبل أن تتبعه كظله وهو يفر مع أخويه من كفر الدوار إلى تلك المنطقة، ليبدأ حياة جديدة ويؤسس فيها عزبته، وبعد أن أصبح صاحب مال وتجارة وأطيان ومزارع ومن الكبراء خافت أن تغلبه رغبته إلى الوريث، ويأتي لها بضرة، فأرادت أن تختار له إمرأة، لا يحبها ولا تحبه، تأتي له بالولد فقط وترحل بعد أن تلد، وهي التي ستربيه، وترضعه من ثدييها، ولكنه فاجأها بأنه عقد النية، وعزم على الزواج من عليات، فاستشاطت غضبا، وعقد على عليات، فكرهت الدار والدنيا كلها، وكرهت ترعة المحمودية، فلولا فرمان الباشا الكبير بحفرها، لما جاءت عليات خلف زوجها عثمان أبو جحش الذي يعمل في حفر الترعة، ويموت، ويأتي لها حسين بأرملته بحجة أن تساعدها في أعمال الدار، كرهت الدار، ولا تطيق البقاء بها، تخرج قبل شروق الشمس ولا تعود إلا بعد انتصاف الليل، تجلس عند المقابر، والأحراش، تحاور النباتات والرماد والريح والذئاب.
سنية التي أحبت حسين الحب كله تحولت مائة وثمانون درجة، وجاءت تصرفاتها وأفعالها وسلوكياتها معاكسة ومغايرة تماما لما كانت عليه قبل زواج حسين بعليات، وعلى قدر الحب كان التغير والتحول، وسنذكر في عجالة بعض المواقف :
1 – قالت لحسين :
(عليات لا تحبك، إنها تحب مالك، ولو فقدت هذا المال ستتركك، وتعود إلى السعرانية) ص 234.
وتمددت على السرير لتنام، فالريح كانت قد أنبأتها على لسان النباتات، أن ما تحلم به سوف يتحقق، وأكدته لها الذئاب، وأقسمت عليه حفنة الرماد التي مسحت بها ما بين فخديها قبل ان تنام.
واستيقظت العزبة على اشتعال النيران في مخازن الغلال والأرض والزريبة في وقت واحد، وباءت كل محاولات أهل العزبة في إخمادها بالفشل، فكما اشتعلت النار فجأة خمدت فجأة بعد أن التهمت كل شيء.
2 – دخل حسين شكا بأن سنية هي من وراء تلك الحرائق الغامضة التي أحالت سنوات شقاء عمره إلى رماد، وتتبعها، رآها تقف على شريط الرماد، وأمامها ذئب أحمر كبير، زفيرها يلامس وجهه، والذئب يعوي بصوت خفيض وكانه يتحدث لها، وهي تتمتم له، ورآها أيضا تستند بظهرها على مقبرة، وحشرات ليلية مضيئة تحلق فوق رأسها، وقبل أن يفكر في العودة مهرولا، نادته: تعالى يا حسين؟ ورفعت يدها للحشرات فاختفت، وقالت له: عليات لا تحبك، وجهك الجميل فقط هو ما يعجبها، ولو تشوه وجهك لتركتك إلى رجل آخر أكثر جمالا!
انتفض وقام مفزوعا وأسرع بالهرب.
على طبلية الطعام، صرخت عليات فزعا وهي تشير له إلى ثعبان رأسه على جبهته، وذيله عند منبت الذقن بينما جسد الثعبان راقد على خد حسين الأيمن، وكان حفرا له شكل الحرق.
تأكد حسين أن سنية تُأخي الجن، وأنها وراء كل ما يحدث له.
3 – حاول أن يتماسك واستجمع شجاعته، وذهب إليها، رأى في عينيها نفس النظرات التي أرعبته من قبل، وقالت له :
( – عليات لا تحبك – إنها تحب هذا
وأمسكت عضوه بقوة :
-ولو لم يكن لديك لذهبت إلى رجل آخر أو رجال آخرين.) ص 261.
انتفض مُبعدا يدها، وتذكر أنه نام مع عليات قبل مجيئه، وكانت تصرخ تحته من فرط اللذة والمتعة.
هرع إلى عليات، وطلبها للفراش، حاول وحاول، ولكنه فشل، فجلس يبكي.
هل المنهج النفسي الذي أضاء لنا بعض المناطق المعتمة في نفس رضوى من قبل قادر أيضا على الكشف عن خبايا نفس سنية؟.
النفس البشرية تنطوي على أسرار لم تزل مخبوءة، والكاتب الموهوب هو الذي يغوص داخل هذه النفس، محاولا الكشف عن مجهل من مجاهلها، ويعبد فيها طريقا، تحالفت سنية مع كل القوى الشريرة لتسلب من أحبته وملك قلبها وعقلها ماله وجماله ورجولته.

…………………………………………….
= وتأتي عائدة اليهودية والتي هربت إلى خورشيد بزعم أنها يونانية، ونسجت كذبا وزورا وبهتانا من حياة صديقتها اليونانية حياتها التي تعيش بها في خورشيد، وزعمت أنها جاءت إلى خورشيد هربا من هتلر الذي على أعتاب الإسكندرية، وهي التي قتلت المريض الألماني بالمستشفى الإسرائيلي، ظنا منها أن هذا سيرضي ويريح أبراهام الطبيب الذي تحبه، فأبراهام يكره هتلر والألمان، فالنازيون قتلوا اليهود وأحرقوهم، ومنها عائلة أبراهام، وجاء هربا إلى مصر، ويعمل لصالح المخابرات الإنجليزية والوكالة اليهودية، وتنبهر عائدة بقصر الجزيري الذي ربما يفوق قصر الملك الذي لم تره، وسيارته الرولزريوس السوداء التي تشبه سيارة الملك فاروق التي أهداها له هتلر، ويسرد لنا الكاتب حياة عائدة كاملة، وحياة اليهود الذين يعيشون في مصر، وخاصة الذين يعيشون في الإسكندرية، ويمارسون حياتهم بحرية تامة في التجارة وفي الصناعة والاقتصاد.
وأقامت عائدة في الخيام بخورشيد، وأُعجبت بحسين، بجسده الضخم، وهيبته، ووقعت في قلبه، لجمالها الذي يختلف عن كل النساء في خورشيد، وألقت بشباكها عليه، فوجدت فيه ضالتها للدخول إلى قصر الجزيري والوصول إلى الباشا الكبير، وكان جسدها الوسيلة الأسرع لتحقق ما تريد في أسرع وقت.
وتوسط لها عند الباشا لتعمل في قصره كطباخة، وعاشت في الملحق بالقصر، واختارت الغرقة التي تسمح لها بمراقبة الباشا وكل ما يجري في القصر، فهي جاسوسة وتعمل لصالح الوكالة اليهودية والمخابرات الإنجليزية.
وبين الفينة والأخرى تذهب إلى الطابية، بحجة زيارة أهلها، وتلتقي بأبراهام، وتنقل له ما شاهدته في قصر الجزيري وتمده بالمعلومات التي حصلت عليها.
كان أحمد باشا الجزيري قلقا وهو يحزم أمتعته، ويوصي حسين بابنته التي تتعلم بمدرسة داخلية بألمانيا بعد موت أمها، ويوصيه أيضا بالعزبة، ويغادر الإسكندرية، فأبلر الجاسوس الألماني الذي استطاع أن يوقع الراقصة حكمت فهمي في حبه، وعاش في عوامة بجوار عوامتها على النيل تم القبض عليه، فالراقصة إيفيت اليهودية التي تعمل مع الوكالة اليهودية في مصر كشفت سره ووشت به، وأبلغت المخابرات البريطانية التي قبضت على الجاسوسين الألمانيين وحكمت فهمي ومعهما الضابط المصري محمد أنور السادات، وتذكرت عائدة أنها رأت هذا الضابط المصري في خورشيد، يرتدي ملابس الفلاحين، ويحمل جوالا فوق كتفه، ودخل القصر دون أن يوقفه أحد، رأت من شباك المطبخ البك يستقبله بنفسه، ويحمل عنه الجوال، واختفيا داخل المكتب.
واكتشف أحمد الجزيري باشا وحسين خيانة عائدة، فاستدعياها، وأقاما لها محاكمة، وقالت له إن أبراهام أخبرها في آخر زيارة لها :
(أنك تساعد كل من له علاقة بالألمان، كنت تساعد عثمان الحداد الذي حمل أولى رسائل أمين الحسيني إلى أدولف هتلر، وأنك من أوصلت عزيز المصري بسيارتك إلى الحدود الليبية بعد اختفائه في قصرك لبعض الوقت، وأنك من سهلت مهمة أبلر ومونكاستر مع حكمت فهمي في مصر) ص 238.
وحكما عليها بعد محاكمة طويلة، بالحبس في غرفة مظلمة وبلا منافذ، وهرب الجزيري، وتفاجأ أهالي خورشيد بعشرات الجنود من المصريين والأجانب من انجليز وهنود ويهود ومعهم أبراهام يحيطون بالقصر، شاهرين بنادقهم، ورفض حسين أن يفتح الأبواب لهم، وحاول الضابط المصري إقناعه بفتح الأبواب حرصا على حياته، ولم يرشد أبدا عن أحمد الجزيري، وأخرج له عقدا ممهورا بتوقيع أحمد الجزيري، ببيعه القصر والعزبة له، ويئس الضابط الإنجليزي وأبراهام منه، وأنكر وجود عائدة بالقصر، فهي غادرته منذ أن باع البك القصر والعزبة له، وفشلت كل محاولاتهم في البحث عنها داخل كل شبر بالقصر، وتمكن أبراهام من الوصول إليها في غرفتها المظلمة، فاتخذ حسين قراره بالهرب في المقابر، فأطلقوا عليه النار.
وبعد انتصار الإنجليز، ذهبت عائدة مع اليهود إلى أرض الميعاد، ورفض أبراهام أن يذهب معها، فهو سيكون آخر الراحلين بعد ترحيل كل اليهود، وقامت ثورة يوليو 1952م، لتقبض عليه بتهمة ترحيل اليهود والذهب، فتناول السم ومات.
وتعود عائدة التي قاربت على المائة عام إلى مصر مرة أخرى، وإلى خورشيد تحديدا، بعد قرار السلام مع العدو، عادت في ثوب جديد، وبأقنعة أخرى، عادت باسم الاستثمار، فتقدمت إلى الوكالة اليهودية بإقامة شركة ومصنعا كبيرا في خورشيد، وأثنت الوكالة على مشروعها، ووصلت إلى ابنة أحمد الجزيري، واشترت القصر والملحق والحدائق والمزارع المحيطة به، اشترتها باسم شركة بلجيكية متعددة الجنسيات، وتم تجريف الأرض والقصر والمزارع المحيطة به لإقامة المشروع الاقتصادي الكبير، وكانت الشركة البلجيكية متعددة الجنسيات ستارا لليهود، وعائدة هي العضو المنتدب للشركة، جاءت لتحقق مشروعها وحلمها القديم، في العودة إلى خورشيد وامتلاك أرضها وناسها، وكان الترويج للسلام :
(الخير قادم مع السلام، الكل سيجد عملا أسهل من فلاحة الأرض، وبأجور خيالية، من لا يساير المستقبل سينتهي، هذا زمن السلام ولا مكان لمن لا يريد السلام، ستكون للجميع بيوت فخمة، فيها كل الأجهزة الكهربائية، ووظائف مريحة، سيغرقكم الخير، فادعو للسيدة عائدة وللشركة البلجيكية) ص 294.
وكانت الكراكات والجرافات والمهندسين والبنائين والعمال يعملون في حراسة الشرطة، خوفا ألا يحدث ما يعكر الصفو :
(وقفت عائدة مبتسمة بثقة ونشوة لا تريد مغادرة المكان وفيه حجر على حجر أو شجرة لم تُقتلع) ص 294.
ودرجت عائدة على أن تأتي كل عام لتعتمد العلاوات والترقيات الجديدة، وتُكرم الموظفين المثاليين، ويُقام حفل كبير في هذه المناسبة.
وكان أحد الموظفين قد حصل على درجة الماجستير، وعنوان رسالته عن دور اليهود الاقتصادي في مصر في القرن التاسع عشر، وأوضح فيها مكاسبهم في تلك الفترة، وما نهبوه منها، ويتصدى لوضع اسم إسرائيل على شحنة أسمنت، والتف العمال حوله، وأمرت عائدة بتغيير اسم الشحنة إلى فلسطين بدلا من إسرائيل، واستدعته، وأفهمته بطريقة أو باخرى بأن الشحتة ستصل إلى من كانت ستصل إليه! ومنحته علاوتين استثنائيتين، وأمرت بأن يشيعوا بين العمال بأنه باع القضية، فانفض العمال من حوله، وساومته الشئون القانونية بالشركة على الاستقالة مقابل حصوله على مستحقاته كاملة! إنها سياسة اليهود!، وأصر ماهر على أن يصطحب معه رضوى إلى الحفل، فمؤسسة الشركة السيدة عائدة ستكرمه بصفته الموظف المثالي، وما أن رأتها رضوى حتى استعادت ذاكرتها صورة الممرضة الشابة، الجميلة البيضاء وهي تحقن الرجل الأبيض الطويل، فتنفجر صارخة مرددة ما كان يقوله المريض الألماني، فتهرع عائدة إلى غرفتها، وتغلق على نفسها باب غرفتها وهي مصابة بالفزع والرعب، ويكسرون الباب ليجدونها مُمددة على الآريكة وفي عينيها فزع ورعب غير مفهومين، وكانت قد أعلنت بأن هذه آخر زيارة لها، وأنها اتخذت كل الاجراءات القانونية ليكون ابنها هو العضو المنتدب للشركة، وأول قرار أُتخذه ابنها بعد موتها هو فصل ماهر من الشركة، وماهر لم يستسلم، ورفع قضية على الشركة، واحتال للحصول على الشريط الذي سُجل عليه الحفل، وتوقف عند الكلمات التي رطنت بها رضوى في الحفل، وهي ليست بالانجليزية ولا الفرنسية، وبعد بحث عن معنى كلماتها، اكتشف أنها بالألمانية ومعناها بالعربية (القاتلة انقذوني).
………………………………………………
= أحبت صباح حسين، وصار دنياها، وعوضها بحبه عن قسوة زوجة الأب، وإهمال الأب، وأم حسين تكره صباح، وتكره كل عائلة أبو حسين، فأبو حسين قُتل عند قصر الجزيري، قتله الإنجليز، ولم يثأر له أحد من عائلته، عائلة أبو حسين، وأم حسين مؤمنة بجمال عبدالناصر وبثورته العظيمة، تسمع كل خطبه من الراديو، وتسمع أحمد سعيد وعبدالحليم وأم كلثوم، ويوم أن طلبوا ابنها حسين للجيش، زغردت، ووزعت الشربات، حسين الحاصل على دبلوم الصنايع ألحقوه بسلاح الإشارة، وعندما طلبوه للذهاب إلى اليمن بكت صباح، وأطلقت أمه الزغاريد وقالت:
(كفاك بكاء يا بنت، إنه ذاهب إلى العزة والانتصار، ابني بطلا، وسيكون بطلا كبيرا قي اليمن) ص 56.
وصورة البطل تتغير من زمن إلى زمن، فبطولة حسين أبو حسين تختلف عن بطولة ولده حسين الذي ذهب ليحارب في اليمن، وعاد من اليمن حزينا مكتئبا، وصباح التي ظنت أنه سيعود بعد أسبوعين على الأكثر، خاب ظنها ولم يعد إلا بعد سنوات، وعاد ليجد أرضه احتلها الصهاينة، إنه يمثل في تلك الحقبة صورة البطل المنكسر والمهزوم.
(ذهبت لأحرر اليمن، ففقدت أرضي يا صباح) ص 76.
(الجيش كانت تنقصه الخرائط الكافية، والمعرفة بطبيعة الأرض الجبلية، التي لم يعتدها في تدريباته، ولا يعرف شيئا عن طبيعة القبائل التي تغير ولائها بين ساعة وأخرى لمن يدفع أكثر من الملكيين أو الجمهوريين) ص 76.
تحكي له صباح عن الخوف والقلق والانتظار الطويل، وحماس أمه لعبدالناصر الذي خفت، ومحاولتها مقابلته ليطلب بسرعة عودتك، فهي صديقته، وتسمع كل خطبه، وتحفظها عن ظهر قلب، فكانت تظن أنه لن يرفض لها طلبا، بل سيدعوها لتتناول معه طعام الغذاء، وسيحضر عقد القران ويكون شاهدا على العقد.
(كنا نحارب دولا عديدة عربية وأجنبية، ومرتزقة من أوربا، وملايين الملايين التي تُصرف لشراء ولاء القبائل، فنضطر لأن نفعل بالمثل رغم احتياجنا الشديد، بل إن الجمهوريين الذين ذهبنا لنصرتهم لم يكونوا على قلب رجل واحد، وكان بعضهم يحارب البعض أو يكيد له) ص 80.
ولما يئست أمك من عودتك :
(غطت الراديو الخشبي بملاءة بيضاء كأنها تكفنه، فماتت به أصوات الزعيم والست وصوت العرب) ص 80.
في حال غضبها من الزعيم تكفن الراديو، وفي حال رضاها عنه تخرجه من الكفن، وقد كفنته مرة أخرى بعد موته.
وحسين يقول في رسالته لصباح بأنهم يتدربون صباحا ومساء، وأصبحوا جاهزين لمعركة الثأر والكرامة واسترداد الأرض، ويتمنى لو ينقضوا على العدو اليوم قبل الغد، وصباح ترسل له برسالة، تخبره فيها بأنها حامل،.وتصل رسالة من حسين يوصيها بأن تُطلق على ما في بطنها اسم (انتصار) ولدا كان أو بنتا، وتلد صباح في نفس اللحظة التي تنطلق فيها حرب أكتوبر.
وصباح تنتظر عودة المنتصر، يفترسها القلق والخوف لتأخره، هل أُصيب؟ هل أُستشهد؟ إنها تخاف من لعنة عائلة أبو حسين، فيزداد قلقها وخوفها وتوترها.
وتتفاجأ هي وحماتها بفتى أبنود الأسمر، الجندي عبدالرحمن حراجي القط، صديق حسين، الصعيدي ابن البلد (الجدع)، وكان الكاتب منير عتيبة موفقا غاية التوفيق في اختيار هذه الشخصية، واندماغها في لحمة النص، فهو بطل الثقافة في فترة المد القومي، ويمثل الحالة الوطنية خير تمثيل، ووجود هذه الشخصية بشحمها ولحمها، أثرى النص، وعمقه، فالقارئ سيستعيده، ويستعيد فاطنة محمد عبدالغفار وحراجي القط وخطاباته التي عبر فيها عن الحالة الوطنية، ويحدثهما فتى أبنود عن بطولات أبناء أكتوبر، ويتمنى أن تُحكى القصص الشعبية عنهم لا عن عنترة وأبي زيد الهلالي، وقبل أن يغادرهما يلقي عليهما بالخبر الصادم، والذي ظل يؤجله خشية عليهما، فحسين أسير في سجون العدو.
ووظف الكاتب فن الرسائل توظيفا رائعا، فمن رسالة حسين إلي عبدالرحمن :
(لم أعد صالحا للحياة بعد التعذيب الوحشي الذي حطموا به جسدي، لكنهم لم يحطموا روحي، كان انتصاري عليهم يلمع في عيني، فيملأهم غيظا، حياتي ثمن بسيط أدفعه مقابل النصر الكبير الذي حققناه، أعرف أنهم يئسوا مني، عرفوا أنهم لن يحصلوا على معلومة واحدة، والضابط الذي يعذبني لن يحتفظ بي لمبادلتي بأحد أسراهم، هو يؤمن بأن العربي الطيب هو فقط العربي الميت، سيقتلني لا محالة، اليوم أو غدا، انتصار هي الأمل الذي أموت من أجله، فحافظوا عليها، ولتأخذوا بثأري يوما من قاتلين اسمه أبراهام ديفيد، وحش ملعون، ولكنني انتصرت عليه حتى وهو يقتلني) ص 296.
ولعل القارئ يكون تبين أن اسم قاتله هو ابن عائدة!
وانتصار التي أنهك السعال صدرها، تجري بها أمها إلى الوحدة الصحية، فيطلب منها طبيب الوحدة عمل أشعة على الصدر، فتزداد قلقا وخوفا وتوترا.
وكان للخطابات حضورها، خطابات حراجي القط غير المنشورة بالنص والتي يستدعيها القارئ في ذهنه، وخطابات حسين لصباح، وخطابات صباح له، وخطابات حسين لعبدالرحمن حراجي القط الشفاهية والمكتوبة، وكان للخُطبة أيضا حضورها، خُطب الزعيم جمال عبدالناصر، وخُطبتي السادات، خطبته يوم العبور، وخطاب السلام الذي ألقاه في مجلس الشعب، واجتزأ الكاتب فقرات مطولة منه، وكان للخطاب الأخير الأثر السئ على أم حسين وعبدالرحمن حراجي القط، فأم حسين كفنت الراديو، وشيعته إلى مثواه الأخير، وأعطته لبائع الروبابيكيا بدون مقابل، وعبدالرحمن حرجي القط غادر مصر كلها وبرح إلى العراق!.
وماتت (انتصار) وانتصار هي الرمز الإيحائي البسيط لأعظم انتصار وهو انتصار أكتوبر، وبموتها يموت النصر، فقرار السلام أجهض انتصار أكتوبر، واخطر الأثار التي ترتبت على السلام عودة عائدة إلى خورشيد تحت ستار شركة بلجيكية متعددة الجنسيات!!، وانزوت صباح في دارها لا تغادرها أبدا، وماتت في زمن جائحة (كورونا) ولم يشعر بها أحد، وزحف الخوف على الناس، وطالب بعضهم بحرق الدار عليها خشية أن يُصاب الناس بالفيروس اللعين، وابتعد الناس عنها إلا خالد سعيد ورضوى الشابة الصغيرة وبعض الشباب الذين اقتحموا الدار وغسلوها، وكفنوها، ودفنوها.
…………………………..
اعتمد الكاتب في تناوله لثورتي 25 يناير 2011م و30 يونيو 2014م على الجمل التلغرافية السريعة، وعكس بتكثيف واختزال شديدين حالة انقسام الشعب المصري، وتباين الأفكار والأراء التي تبلغ حد التناقض.
وجمعت البلد بين نقيضين، عصابات تهجم على البيوت تقتل وتغتصب وتسرق ما تجده أمامها، وشباب ملائكة يقسمون انفسهم إلى فرق، وكل فرقة على رأس شارع، يحملون العصي والسيوف والسكاكين يدافعون بها عن أنفسهم إذا فكرت العصابات في مهاجمتهم، والشباب الملائكة، ينظفون الشوارع، ويأتون بأنابيب الغاز إلى البيوت بسعر المخزن، والدقيق إلى المخابز، وتوزيع الخبز على البيوت.
ويسلط الكاتب الضوء على بعض الشخصيات التي استغلت الثورة، واستفادت منها مثل حمادة ميكي والبدري وولده هشام ومن على شاكلتهم، يسرقون (التكاتك) والسيارات، وانتفخت جيوبهم بالأموال، واستقطاب رجال الأحزاب والسياسة لحمادة ميكي والبلطجية في شحن الناس إلى المظاهرات، ويقود الهتافات، ولعب حمادة ميكي مع كل التيارات المتناقضة، فهو تارة مع التيار المدني ويرتدي الملابس المموهة وتارة أخرى مع التيار المتاسلم فيطلق اللحية ويرتدي الجلباب الأبيض القصير، ورجاله يقلدونه، وهم لا يعنيهم إلا تكدس جيوبهم بالأموال، والرئيس الجديد له ذقن بيضاء، فيهتفون (إسلامية إسلامية) ويطلب البدري من رضوى أن ترتدي النقاب وأن توقع على استمارة للإنضمام إلى حزب الرئيس صاحب الذقن البيضاء، وأصرت على الطلاق من البدري، حاول البدري أن يراوغ:
(وجد نفسه ينصاع لأمرها، لم تكن رضوى التي يعرفها هي التي تتكلم، بل طاقة مُخيفة من تصميم وتهديد مرعب) ص 281
وعادت إلى منزلها غير عابئة باستقبال زوجتي أخويها العدائي لها، ولا بصراخ سعيد وتهديده، وجلست إلى ماكينة الخياطة تبثها همومها وأحزانها، تبوح وتفضفض لها، وأرسلت إلى ماهر أن ياتي ليخطبها، لم يكد يصدق، فحلق فرحا وطربا، وراح يطلبها من سعيد، الذي ثار في وجهه، وهددة بالقتل، ولكن ماهر وقف في وجهه صلبا قويا ومصرا على خطبتها، وهددت رضوى سعيد بالانتحار إذا لم يوافق على خطبتها لماهر :
(جلست إلى ماكينة الخياطة، قبلت الماكينة، بدأت لتخيط لنفسها قميص النوم التي نذرته لماهر..) ص 284.
………………………………………
بقى أن نشير ولو في عجالة إلى:
= وعي الكاتب بالثقافة الشعبية المتوارثة والمنتشرة خاصة في الريف المصري وإلمامه بها إلماما تاما، انظر إليه وهو يقدم هذه الموروثات من خلال سنية التي تأخر حملها: غمست يدها بدماء ذبائح الجزار لمدة ثلاثة أيام، نظرت في عيني رجل ممن يحفرون الترعة بعد موته بقليل، مرت فوق الجثة سبع مرات، أكثرت من أكل السبانخ والخس والموز، دخلت إلى الأحراش وقت الفجر، ووقت صلاة الجمعة، دهنت جسمها برماد الشريط الفاصل بين العزبة وأرض الذئاب، شوت بصلة ووضعتها في مهبلها، سوّت عسلا أسود على النار حتى أصبح متماسك القوام، وقطعته إلى نتف صغيرة لفتها في قطعة قماش بيضاء نظيفة ووضعتها في المهبل أيضا، مزجت بعض ماء المطر مع لبن وعسل وشربته على الريق، ….
= معاناة المصريين وتسخيرهم في حفر الترع والمصارف:
أنظر ص 147.
= مخططات الانجليز البشعة مع الوكالة اليهودية في مصر:
( – أنت لا تعلمين ما كان يريد الإنجليز وأبراهام ومن خلفه في الوكالة فعله في مصر، فقط ليعيقوا الألمان عن التقدم إلى القاهرة، كانوا يريدون إغراق الدلتا كلها، ينسفون جميع القناطر والكباري، لا يهمهم أن تغرق مصر كلها، 16 مليون مصري يموتون غرقا من أجل أن ينتصر الإنجليز في الحرب، هذه خطة الاستعماري القميء ونستون تشرشل، جاء إلى القاهرة، وضع الخطة، ذهب إلى بلاده مطمئنا كشيطان أدى مهمته على أفضل ما يكون) ص 240.
وفشل هذا المشروع: (لولا جرأة ووطنية الفريق حسين الزيدي مفتش عام الجيش المسؤول عن المنطقة لتم نسف كوبري إمبابة، الذي يربط الوجهين البحري والقبلي عن طريق السكة الحديد، رفض الزيدي ورفض معه مصطفى خليل الذي أشرف فنيا على الكوبري، وقررا دفع حياتهما ثمنا مقابل عدم نسف الكوبري والقناطر الخيرية كما كان الإنجليز يريدون) ص 240.
وكل التحية للوطنيين العظيمين الفريق حسين الزيدي ومصطفى خليل، اللذين أفشلا خطة ومشروع الشياطين، وهذا يجعلنا نعيد التفكير في رمزية الذئاب التي صارعها حسين سابقا، فالذئاب لم تختف، وظهرت في عائدة وإبراهام وتشرشل، في المحتل الإنجليزي وفي العدو الصهيوني وفي كل من يضمر لهذا البلد الغل والحسد والكراهية والطمع في امتلاك خيراتها وناسها.
= الكاتب من الوصافين الكبار، ويشغل الوصف عنده حيزا كبيرا، يصف الشوارع، البيوت، المدرسة، فيسهب في وصف المدرسة، وقد يستغرق وصف المستشفى عدة صفحات، وقصر الجزيري وغيره.
= الاهتمام بالجانب المعلوماتي.
= الكاتب حكاء ماهر، فالرواية تعج بالحكايات، وقد تتداخل الحكايات، وتتوالد وتتناسل.
وبعد:
أرجو أن أكون قد نثرت بعض قطرات الضوء حول رواية بديعة ومائزة وماتعة، وأعتبرها إضافة حقيقية ومهمة لحقل السرد العربي وللمكتبة العربية.
…………………………….
المراجع :
1-مناهج النقد المعاصر – د . صلاح فضل – مكتبة الأسرة
2-الرواية الآن (دراسات في الرواية العربية المعاصرة) – د . عبدالبديع عبدالله – مكتبة الآداب 1990م.
3 – تجليات الواقعية السحرية في مجموعة “تاكسي أبيض” – د . يسري عبدالله – مجلة كلية الآداب جامعة المنصورة – العدد الخامس والخمسون – أغسطس 2014م.
4 – الواقعية السحرية في الرواية العربية – د . حامد أبو أحمد.
5 – بناء الرواية – إدوين موير – ترجمة إيراهيم الصيرفي ومراجعة د . عبدالقادر القط – الدار المصرية للتأليف والترجمة.
6 – دراسات في نقد الرواية العربية – د. طه وادي – دراسات أدبية – الهيئة العامة للكتاب.
7 – نظرية التلقي بين ياوس وإيزر – د. عبدالناصر حسن محمد – دار النهضة العربية.
8 – جمالبات القصة القصيرة (دراسات نصية) – د. حسين علي محمد – الشركة العربية للنشر والتوزيع.





