المجلة الثقافية الجزائرية

مقام العلم

زياد السالمي*

من مقامات الروح فيه سرٌّ يهدي به الله أهله إلى تبيان حدوده سبحانه يشتمل على مجالات عدة من مجالات الوجود يتميز بحقيقة ماديته الظاهرة الجلية القائمة على التجربة العلمية مشاهدة عن غيره من كل معنوي خفي يدرك بالذهن والحس والذائقة الجهد والتفصيل والبحث والبرهان المنطقي الذي يبعث إلى الإطمئنان واليقين فإن تكامل ذلك مع الإيمان بلغ به العبد أقصى مسالك التحقيق والمشاهدة، فالمعرفة شعور وعرفان بالحق لم يتجل عن طريق المشاهدة والمادة وقد يكون هبة ربانية واصطفاء يمنحه الله من يشاء؛ بينما العلم هو التحقق والمجاهدة والاجتهاد القائم على التحقق المادي يهدي إليه من شاء من عباده الذين جاهدوا فيه وهنالك يأتي تأمل آيات الله التي أوجدها في الكون وآياته في الكتاب العزيز المتمثلة بإعجاز ما جاء في الذكر من آيات وسور وحروف وبه يهتدون لأمورهم وتنظيم معيشتهم واستقامتها ودوامها وسلامتها من الانحراف والضياع والأذى من ثم تتجلى لهم العبرة من كل جعلي هداهم وتصريفي تدارسوه وتفضيلي في إعجاز من شرفه نيل منحة البيان الرباني، والتفصيل في الآيات التي يدركون من خلال ما أدركوا عبر البحث والاستقراء والتحقق بالإثبات المنطقي حقيقة القدرة الإلهية في الغيب والمنح والعطاء والاختصاص في الدارين من طيبات ومكرمات إلاهية تعطي الآخر المتحقق شهوديا من توافق ما وصل علمه مع ما تضمنه القرآن وبالتالي صحة ما فيه وكذلك دلالة إمكانية المعجزات في الظهور كونها تقرب للعالم بالمادة ما يطمئن به قلبه من انفراد الصانع الخفي في قيومية الأشياء عدلا وحكمة ودراية، ومن ثم يقينهم بقيمة العبادة والفائدة من تفصيل ذلك لهم والتي تعود بالخير والمنفعة في الدنيا في كل المجالات ومن ثم الاهتداء إلى أن خلف هذا البناء الوجودي الأنيق المثالي سر يشير بنواصي التأكيد والتعلم إلى الربوبية والإلوهية الواحدة الناطقة بلسان المشاهدة (بشهادة ألا إله إلا الله) ومن ثم إثبات كل ما أنزل وما ذكر من أمور الغيب الذي لم يشاهد وإنما أدركه من خلال منطقية الاستشهاد، (النجوم- الشمس- القمر ـ زينة الحياة- بيان الحرام والحلال وفائدتهما المادية للمخلوق- التعلم من السنن الكونية المرئية (الخلق)الدالة إلى الحق سبحانه- والسنن الخالية الباقية آثارها عن عدم اتباع النهج الرباني ومخالفته وعن سر التمكين وسر استمراريته، وعن اختلاف الألسن والألوان، والأزواج رغم أن التكوين ذاته- الموجب الشكر والحمد فالحمد لله ـ وضرب الأمثال في اختلاف السلوك والحظوظ والأساليب في النوع وكذلك القيمة الحقيقية من الأسباب المؤدية إلى نيل المرام دون اعتباط وعشوائية والدقة والأفضلية في الاتقان ومن شواهده أن السفاهة متحققة بالمستهزئين الساخرين المسفهبن غيرهم ولن يعلموا بأنهم السفهاء كما أن الله يستدرج المكذبين بآياته من حيث لا يعلمون وإن من كرم الله على المشرك المستجير أن يجار حتى يسمع كلام الله وأن يبلغ مأمنه وأن المتخلف مطبوع على قلبه بل أن من مقاماته علمهم علم الله وإحاطته سرهم وإعلانهم وأن الأماني حقيقة الظن والأمية وأن الجهل إنكار الاستحقاق عن المستحق إفرادا لنفسه به والجرأة على الله في القول والطلب وكذلك وقوفهم باتباع آبائهم والتشكيك بقدرة الله في إنزال الآيات تعالى الله القادر القدير المقتدر علوا كثيرا عن قولهم كما من علامات الجهل التطير والتبرم والتشاؤم ونسبها للغير، بل أن الكثير يجهل أن الله سبحانه عنده علم الساعة وأنه غالب على أمره وأن أولياءه هم المتقون وله ما في السماوات والأرض ووعده حق ولا حكم إلا لله أمر أن يعبدوه ويقيموا وجوههم للدين حنفاء كفطرة الله لا تبديل لخلقه ذلك الدين القيم وأنه لا يغني من الله عن الخلق شيء وأن الله باعث من يموت وعدا عليه حقا وأن لله ما شاء في النسخ والاستبدال ولا برهان أو حق لمن أعرض واتخذ إلها من دون الله بعد أن جاءهم القرآن الذي فيه ذكر من معه ومن قبله رغم ظهور الدلالات الأكيدة من الكائنات المادية الدالة إلى ألا إله مع الله جاعل الأرض قرارا وخلالها أنهارا ولها رواسيا وبين البحرين حاجزا وأن من قصص الأنبياء ما يؤكد أن وعد الله الذي لا يخلف وعده حق وأن سبب طبع الله على القلب الافتراء ببطلان آيات الله وأن رسول الله محمدا رسوله للناس كافة بشيرا ونذيرا وكذلك حقيقة بسط الله الرزق وقدره لمن يشاء وأن تخويل الله الإنسان النعمة هي فتنة وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الإنسان كما خلقهما وما بينهما بالحق ويحيينا ثم يميتنا ثم يجمعنا يوم القيامة فلا يغني كيد الظالمين عنهم شيئا ولا هم ينتصرون ومن ثم يستشف لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ضرورة الاستقامة والابتعاد عن سبيل الجاهلين،

كما أن من ثمرات العلم اليقين بحقيقة ما أنزل الله وأوجد والإيمان بها مهما ظهر فيها من الغموض وخرق المألوف وأن من بعد علمهم هنالك يكون الله قد لقن وألزم خلقه الحجة وأصبح لا عذر لهم في اتباع أهل الشبهات والرخص والأهواء وما يستدعي بالمقابل الوقوف والالتفات عنها إلى سبيل الله وهو سبيل الهداية والرشاد،

وأن من الحقائق أن الاختلاف والتفرق في الخلق من بعدما كانوا أمة واحدة لم يكن إلا بعد علمهم ومكرهم بآيات الله نتيجة التكبر والحسد، الذي يستدعي استعجال العقاب لولا سبق القول من رب العباد على الفصل والقضاء بينهم يوم الحساب، بل أن فيه نجاة العامل بأمر الله ممن أوتوا العلم ومنحهم حق القول يوم القيامة عن خزي الكافرين والذي اكتسبوه من خلال علمهم بذلك في الدنيا فتجنبوا الوقوع فيه ولم يشاققوا الرسل والأنبياء بشركهم بالله هنالك من الحق القول إن العلم على شاكلتين الأولى من أوتوا العلم وأولوا العلم وهم العلم اللدني فأما من أوتوا العلم فهم الكثيرون في هذا المقام وهم من واكب إتبانهم العلم التحذير والوعد والوعيد من الله القوي المتبن الشديد بتجنب اتباع أهل الكتاب وعدم اتباع قبلتهم، وهي هبة ربانية مثلها مثل أولي العلم (العلم اللدني) وأن العلماء هم من أوتوا قليلا من علم الروح ببنما أولوا العلم والراسخون أو أهل العلم اللدني فقد تحققوا وبلغوا المشاهدة التي أكرمهم الله بها من خلال معرفة الحق والتحقق به والتحقق من قيومية القسط وحقيقة المحكم والمتشابه من الله لنعرفتهم بالقدرة الآلهية التي لا حدود لها ولا صعوبة ولا استحالة كونهم قد علموا أن تلك المسميات ابتداء من علمه وإيجاده قولا وفكرا تقديرا ووجود وأن من شواهد الحق في البلوغ مسام المشاهدة، تحقيقا لا لبس فيه بأن الله إله واحد،،،؛ شاهد أن الدين عند الله الإسلام وأنهم يؤمنون بالقرآن كما يقيمون أوامر الله وينتهون عن نواهيه محتكمون له كحكم عربي لا جدل فيه وتخبت قلوبهم فيرتقون بيقينهم ومجاهدتهم لدرجة الملائكة والقول والتأمل في حال من ضل ولم يهتد بل أن من أوتوا العلم حين يسمعون القرآن يصدقون ويخرون إلى الأذقان سجدا وأنه هو الحق وأنه يهدي إلى الصراط المستقيم شاهد أن الله نجاهم من طبع القلب وأنهم لا يتبعون أهواءهم وأنهم بكل ما أنزل وما جاء من الله يدركون ويبحثون ويحيطون من علم الله الذي شاء إحاطته ولمن شاءه منهم سبحانه شاهد أن الله بوأهم مبوأ صدق فلا يختلفون كما يعلمون أن ثواب الله خير من كل شيء للذين آمن وعمل صالحا وأن أي فضل أو نعمة هي من عند الله ما نالها أحد عن علم آتاهم بينات من الأمر وزادهم يقينا وهداية لا يفرحون بما آتاهم الله من علم بل يرفعهم الله درجة منه استحقوها وألزم المؤمنين بها فما زادوا إلا خشية من الله وتواضعا لا يعرضون عن ذكر الله ولا يريدون الحياة الدنيا علموا بأن الله غالب على أمره يأتي من لدنه رحمة وذرية طيبة وأجرا عظيما وولاية ونصرا وتفصليا وحكمة وخبرة وسلطانا وبأسا شديدا وعلماً وحنانا وذكرا وإلقاء القرآن ورزقا وأن من علم ربهم ما ناله من شاء وخص من عباده بعلم لم يحيطوا به كسيدنا محمد صلوات ربي علبه وعلى آله،كما قال الله تعالى (علمه شديد القوى ) الآية5 من سورة النجم فنعم المقام،

قد جال بي ما جال من إحلال

سرا وفاض الأمر بالأحوال

نار المسافة حيرة علوية

كيف اغتدت مبروكة في البال

وعليك قصد سبيلنا متيقناً

وعزاؤنا في جائر ميَال

ليل إليك وآخر متهدج

بين التوخي لم أزل والقالي

ومضيت لا أخفيك دون تردد

أدني جناح الحب والإجلال

فلقيت فيك الكل كلي الصدى

والظل ظلك كلهم لا عالي

وعجبت كيف هناك رفقة من سعوا

في همزة لاما بوصل الدالِ

فأجابني معناك من أنواره

لي أنت تعلم رغم أنف الضال

* اليمن