حلال اسماعيل*
مقدمة:
إن تاريخ الفلسفة بشكل عام، هو تاريخ لتطور الفكر النقدي، منذ الفلاسفة الطبيعيين ( طاليس، انكسيمندر، انكسيمانس، هيرقليطس…)الذين أسسوا الفكر على اللوغوس عوض الميثوس، ( تفسير ظواهر الكون تفسيرا طبيعيا) من أجل التأسيس لحقائق علمية بعيدا عن التفسير الأسطوري ، و بعيدا عن تأثير الحس المشترك (الدوكسا)، و هذا ما يثم باعتماد التفكير النقدي الذي يخضع جميع القضايا و المسلمات مهما كانت طبيعتها للنقد و المراجعة و التمحيص. إذن ما المقصود بالنقد؟ و ما معنى التفكير النقدي؟ و ماهي تجليات حضور التفكير النقدي في الفلسفة الحديثة؟
تلك هي مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها في إطار حديثنا عن التفكير النقدي بشكل عام في تاريخ الفلسفة، و حضوره بشكل خاص في الفلسفة الحديثة، فالمقصود بالنقد critique/: نقول الانتقاد في اللغة من باب الافتعال، نقدت الدراهم، و انتقدتها، أي اخرجت الزيف منها… و نقد الكلام وانتقده بمعنى أظهر عيوبه و محاسنه. و الفكر الانتقادي (esprit critique) هو الفكر الذي لا يقبل أي قول من دون أن يمحصه وينظر في قيمته، فإذا نظر في مضمون القول، كان انتقاده داخليا (critique interne). و إذا نظر في أصله و منشئه كان انتقاده خارجيا critique externe)) \” .
و لهذا يمكن القول أن النقد هو ممارسة نقدية تحليلية تقويمية. من هنا فالتفكير النقدي هو فن تحليل و تقويم التفكير لغرض تحسينه، وما يميز التفكير النقدي عن أنماط التفكير الأخرى:
➢ فهو تفكير عقلاني ومنطقي يعتمد على العقل.
➢ تفكير إمبيريقي، يرتبط بالموضوعات المحسوسة.
➢ تفكير براغماتي: إنه تفكير لا يتأسس على التمني.
➢ تفكير شكاني: بمعنى يشك شكا منهجيا في مجموعة من القضايا و المسائل، حتى تلك القضايا التي يتم الإجماع عليها بين الناس، يجب اخضاعها للنقد و الشك.
➢ تفكير انعكاسي: بمعنى أن التفكير النقدي هو تفكير يفكر في نفسه، حتى يتمكن من اصلاح طرقه واليات اشتغاله.
فهذه هي أهم الخصائص التي تميز التفكير النقدي عن أنماط التفكير الأخرى، و هذه الخصائص نجد لها حضورا عميقا في الفلسفة الحديثة بدءا من فلسفة ديكارت ، مرورا بفلسفة هيوم وصولا إلى فلسفة كانط. و هذه هي النماذج الاساسية التي سنركز عليها في هذا العرض، مع استحضار بعض النصوص التي تتضمن في تناياها اليات التفكير النقدي.
1. التفكير النقدي في فلسفة ديكارت:
تعتبر فلسفة ديكارت مدخلا أساسيا لفهم الفلسفة الحديثة، لأن فلسفته شكلت ثورة عميقة في تاريخ الفكر النظري، إذ تأسست على مفاهيم جديدة، كمفهوم الذات، و العقل، والشك…
و مفهوم الشك في فلسفة ديكارت هو المفهوم الرئيسي الذي تأسست عليه مجموعة من المفاهيم و القضايا الجوهرية في فلسفته، يقول ديكارت \”أولا: يجب أن لا أتلقى شيئا على الإطلاق على أنه حق، مالم أتبين بالبداهة أنه كذلك، أي أن أعنى بتجنب التعجل و التشبث بالأحكام السابقة، و أن لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز لا يكون لدي معهما أي مجال لوضعه موضع الشك.
ثانيا: أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي أبحثها إلى عدد من الأجزاء الممكن و اللازمة لحلها على أحسن وجه.
ثالثا: أن أرتب أفكاري فأبدأ بأبسط الأمور و أيسرها معرفة، و أتدرج في الصعود شيء فشيء حتى أصل إلى معرفة أكثر الأمور تركيبا، بل أن أفرض ترتيبا بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضا بالطبع.
رابعا: أن أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات كاملة و مراجعات عامة تجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئا.\”
وهكذا يتضح أن أول ما بدأ به ديكارت هو الشك في كل الأشياء، من أجل تأسيس كل شيء من جديد، حيث يشك في كل المعارف التي يكون مصدرها الحواس، لأن الحواس تخدعه إلى حد أنه لا يقدر على التمييز بين حالة النوم و اليقظة، كما أنه سيشك بعد ذلك في المعقولات و الحقائق الرياضية انطلاقا من افتراضه لفكرة الشيطان الماكر الذي قد يصور له الاشياء على نحو غير صحيح.
و لذلك فإن الشك لدى ديكارت هو بمثابة عملية نقدية و منهج لبناء المعرفة و الحقائق العلمية، حيث أن اكتشاف الحقائق يبدأ بالشك في جميع الاشياء و الموضوعات، من أجل إخلاء الذهن من جميع الأحكام الجاهزة و المسبقة. و بالتالي، يتضح أن الشك عند ديكارت هو بمثابة منهج نقدي لمراجعة وتمحيص جميع الأفكار و المعارف التي يتلقاها الإنسان، من أجل بلوغ و بناء حقائق و معارف يقينية تقوم على الوضوح والتميز.
بعض النصوص تتضمن اليات التفكير النقدي في فلسفة ديكارت :
J’ai remarqué ,il y a déjà quelques années , combien sont nombreuses les choses fausses que dès mon plus jeune âge j’ai admises pour vraies et combien sont douteuses toutes celles que j’ai depuis édifiées sur elles, et que par conséquent il fallait une fois en ma vie tout renverser jusqu’au fond et commencer de nouveau à partir des premiers fondements , si je désirais établir un jour dans les sciences quelque chose de ferme et de durable ; mais immense semblait être la tâche , et j’attendais un âge qui fut si mur qu’aucun autre après lui ne fut plus approprié à la conquête du savoir .
Mais que suis-je donc ? une chose qui pense. Qu’est- ce que cela ? c’est bien une chose qui doute, qui connait , qui affirme , qui nie, qui veut, qui ne veut pas, qui imagine aussi et qui sent….Ne suis-je pas moi-même celui qui maintenant doute de presque tout, qui cependant connais quelque chose, qui affirme que cela est vrai…. Car que ce soit moi qui doute, qui connais, qui veux, cela est si manifeste qu’il ne se présente rien par moi l’expliquer avec plus d’évidence.
2. التفكير النقدي في فلسفة هيوم:
اذ كانت فلسفة ديكارت قد شكلت ثورة مفهومية في تاريخ الفلسفة، فإن فلسفة دافيد هيوم قد شكلت هي أيضا منعطفا مهما في تاريخ الفكر النظري، بشكل عام و في الفلسفة الحديثة بشكل خاص، لأنها فلسفة نقدية و شكانية بامتياز، حيث أن هيوم حاول تفسير الطبيعة الإنسانية على أساس قانون التداعي بمبادئه الثلاث، حيث يذهب إلى أن هناك مبدأ ترابط بين مختلف أفكار الذهن، و أن هذه الأفكار لدى ظهورها للذاكرة أو المخيلة فإنها تأتي بشكل ممنهج و منظم في نفس الوقت، و بذلك فإن ما يؤاخذه هيوم على الفلاسفة هو عدم طرحهم لهذا الارتباط المتواجد بين الأفكار المختلفة رغم البداهة التي تميز ذلك ولهذا يقول: \” فإني لا أرى من الفلاسفة من حاول إحصاء مبادئ التداعي أو تصنيفها… ويظهر أن ثمة ثلاثة مبادئ فقط للترابط بين الأفكار، و هي التشابه، التجاور في الزمان و المكان، علاقة السببية، و أن هذه المبادئ تصلح للربط بين الأفكار\” و بذلك فإن هيوم قد اعتمد على مبدأ تداعي الأفكار لفهم طبيعة الذهن الإنساني، حيث حاول أن يفسر تفكير الإنسان و شعوره و سلوكه بالضبط ، مثلما يفسر قانون الجاذبية الكونية لنيوتن حركة الأجسام الفزيائية في العالم، حيث هناك نوع من التقارب بين ما يقع في العالم الطبيعي و ما يقع في العالم العقلي، على هذا النحو فإن هيوم قد عمل كل ما في جهده لتحليل الذهن البشري تحليلا دقيقا لقواه وطاقاته لتبيان حدوده، من أجل تحديد مجال اشتغاله بعيدا عن كل الموضوعات و القضايا الغامضة و المستعصية على الفهم، و بذلك فإن هيوم حاول أن يفعل في الطبيعة الإنسانية أو في الفهم ألإنساني مثل ما فعله نيوتن أو قام به كوبيرنيك في مجال الفلك حيث قال: \”لقد ظل الفلكيون طويلا يكتفون بالاستدلال انطلاقا من ملاحظة الظواهر و حركة الأجسام السماوية، حتى جاء فيلسوف بدا أنه توصل بأوفق البراهين إلى تحديد القوانين والقوى التي تسير دورات الأفلاك وتوجهها، و لقد تم ما يشبه ذلك في أجزاء أخرى من معرفة الطبيعة، و ليس ثم ما يبرر اليأس من نجاح مماثل لتحقيقاتنا في قوى الذهن و بنيته\”. و بذلك فقد اتخذ هيوم نموذج علم الفلك الذي كان السر في نجاحه، هو تحديد حركة قوانين الأجسام السماوية و ذلك بتوحيد ظواهر حركتها الكثيرة ضمن مبدأ أو مبادئ عامة، و لذلك فحتى البحث في الذهن البشري عند هيوم كان غرضه هو الكشف عن المبادئ التي تحرك الإنسان في عملياته، و ذلك بمساءلته مساءلة نقدية عن أصل الأفكار و تتبع مسار الانطباعات و الإدراكات الحسية، في علاقتها بحدود الذهن الإنساني لوضع حدود لفضول الإنسان المعرفي الذي يدخل في موضوعات و قضايا غامضة لا يمكن للذهن الإنساني فهمها أو تحصيل أي معرفة بصددها، و لهذا يقول هيوم في هذا السياق:\”إن المنهج الوحيد الذي نستطيع من خلاله تحرير المعرفة من هذا الغموض، هو البحث في طبيعة الذهن البشري و أن نبين من خلال تحليل لقواه وطاقاته أنه ليس بإمكانه الخوض في مثل هذه الموضوعات الغامضة\” . إضافة إلى ذلك يصرح هيوم أن الاستدلال الدقيق و الصحيح هو القادر على تحطيم تلك الفلسفة الغامضة و القضايا التي لا يمكن للذهن البشري فهمها نظرا لطبيعة بنيته، و هكذا سيوجه هيوم انتقاداته للميتافيزيقا و لكل القضايا التي تتميز بالغموض و الخارجة عن نظام الفهم الإنساني، حيث اعتبر أن الفلسفة كما مورست تاريخيا لا تشكل معرفة حقيقية واضحة لأنها كانت تخوض في أشياء غامضة بعيدة عن الواقع الحسي المباشر و تتحدث عنها بكيفية موغلة في التجريد و الغموض، مما جعلها تقع في مجموعة من الأخطاء، لأن قضايا أو موضوعات مثل الله و خلود النفس و فكرة السببية لا يمكن التوصل بصددها إلى معرفة يقينية…من هنا يتضح مدى حضور التفكر النقدي في فلسفة هيوم، لأن نقد مبدأ السببية شكل نقدا إبيستيمولوجيا شاملا لمبادئ العقل الميتافيزيقي، و انطلاقا من ذلك فإن النقد الذي وجهه هيوم لمبدأ السببية، سيكون هو أساس التوجه النقدي للفكر الفلسفي اللاحق على التجريبية الإنجليزية، و منطلقا لنقد الميتافيزيقا و إعادة النظر في سيادة العقل، و هذا ما سيتضح في فلسفة كانط النقدية، الذي يقول: \”أعترف بصراحة أن تنبيه دافيد هيوم أيقظني من سباتي الدوغمائي و وجه أبحاثي في الفلسفة النظرية وجهة جديدة تماما\”
3. التفكير النقدي في فلسفة كانط:
شكلت فلسفة كانط منعطفا فلسفيا مهما في تاريخ الفلسفة، لأن دراسة فلسفته تفترض إلماما عميقا بتاريخ الفلسفة السابقة، \”لا لأن كانط يلي في الزمان جميع الفلاسفة الذين سبقوه، و لكن لأنه جاء في وقت يمكن اعتباره أزمة في تاريخ الفكر الفلسفي\”. وما يهمنا بالخصوص في فلسفة كانط هي المرحلة الثانية (المرحلة النقدية بامتياز) التي سيتم فيها التساؤل حول ثقة العقل في قدرته على معرفة تتجاوز المحسوس، و من هنا سيتحول كانط من الفلسفة الدوغمائية، بعدما التقى بالفلسفة التجريبية الإنجليزية التي بدأت مع لوك في أواخر القرن السابع عشر و بلغت أوجها مع هيوم الذي أيقظه من سباته الدوغمائي،…و هذا ما يتجلى في مؤلفاته الفلسفية، و خصوصا في كتابه \”نقد العقل الخالص\”الذي يجيب فيه عن سؤال: ما الذي يمكنني أن أعرفه؟ و يحلل في هذا الكتاب إمكانية وحدود العقل الخالص، و في كتابه \”نقد العقل العملي\” يعمل فيه على تأسيس مبادئ الممارسة الاخلاقية، و في كتاب \”نقد ملكة الحكم\” يحلل الشروط القبلية لملكة الحكم التي يعتبرها حلقة وسطى بين الفهم كمشرع للطبيعة، و العقل كمشرع للحرية.
و بذلك، فهذه المؤلفات الفلسفية الثلاث هي التي تشكل الفلسفة النقدية التي حاول فيها كانط تجاوز بعض الأفكار و القضايا في الفلسفات السابقة، حيث حاول بناء المعرفة العلمية، ليس على أساس العقل وحده كما هو الحال في الفلسفة العقلانية الدوغمائية مع ديكارت و ليبنز، و ليس على التجربة و حدها كما هو الأمر في التجريبية الإنجليزية مع جون لوك ودافيد هيوم، و إنما على العقل و التجربة معا تتأسس المعرفة العلمية اليقينية. و قد توصل كانط إلى ذلك، من خلال تمييزه بين الفينومين و النومين (الشيء في ذاته)، حيث اعتبر أن الفينومين هو مجال المعرفة، و يقر في نفس الوقت بمحدودية العقل فيما يخص معرفة الأشياء في ذاتها، لأنه لا يمكن معرفة أي موضوع من دون الحدوس التي يجب أن تتناسب مع المفاهيم أو المقولات، \”لأن إمكان الشيء لا يثبت إلى بإسناد مفهومه إلى حدس يتناسب معه\” .
نستخلص مما سبق أن فلسفة كانط. هي فلسفة نقدية بامتياز، حيث وضعت حدودا للعقل، و اعتبر أن مجال المعرفة العلمية، هو الفينومين أو كل ما يندرج داخل الزمان و المكان، و لهذا يتضح لنا أن الفلسفة الحديثة بشكل عام تتضمن في ثناياها التفكير النقدي أو ما يمكن تسميته باليات التفكير النقدي (الشك المنهجي، نقد مبدأ السببية، نقد العقل الخالص…)
و أخيرا يمكن القول، أنه يجب علينا استنبات هذه القيم و الأسس الفكرية التي قامت عليها الفلسفة الحديثة، داخل منظومتنا الثقافية، من أجل بناء ذهنية نقدية قادرة على مراجعة وتحليل ونقد و تمحيص كل ما تتلقاه من الأفكار و المعارف الجاهزة،…و هذه القيم (العقلانية، السببية، النقد، و الواجب، المسؤولية …) يجب نقلها و ترجمتها بيداغوجيا و ديداكتيكيا للمتعلمين داخل المدرسة، من أجل بناء مواطن فاعل و مسؤول داخل المجتمع، و هذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا بإعطاء أهمية كبرى و عميقة للتفكير النقدي داخل المقررات التربوية و في جميع مدارسنا و مؤسساتنا.
*باحث في الفلسفة من المغرب





