المجلة الثقافية الجزائرية

من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”:

وليد الأسطل

هذه بعض القصائد من ديوان كتبته على امتداد ثلاث سنوات. أراه اليوم، لا ينشغل بوصف العالم بقدر ما ينصت إلى ما يتكسر فيه. كتبته من مسافة بعيدة بيني وبين ما كنت أظنه يقينا، ومن حياة مكتظة بالتفاصيل والعمل، كانت تترك داخلي أثرا من الإنهاك الصامت، كأن المعنى يتراجع كلما حاولت تثبيته. في هذا الديوان المعنون “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”، لا يظهر الغياب كموضوع، وإنما كطريقة أرى بها الأشياء وهي تتبدل من دون أن تستقر. والغربة ليست مكانا، بقدر ما هي شكل من العيش داخل اللغة حين تفقد ثباتها. كل نص يختبر حدود المعنى وهو ينزلق، ويقيس هشاشة الأشياء حين تفقد أسماءها دون أن تفقد أثرها. لم أكتب هذه القصائد لأفسر شيئا أو أقدمه، وإنما لأبقى قريبا من لحظة الانكسار وهي تتحول، بهدوء، إلى شكل آخر من الفهم والبقاء.

1

طَقْسُ التَّهاوِي:

امرأةٌ هي انزياحٌ في هيئة الضوء، تفتح الشفق كأنها تفكّ عقدةً قديمة في الزمن، وتعيد عجن النار بين أصابعها حتى تصير طعامًا للّحظة. في فمها يتحوّل الغروب إلى شرابٍ دافئ، شيءٌ يشبه أثر الذكرى حين تتخلى عن حرارتها وتبقى كطعمٍ لا يُفسَّر.

تدخل الليل كأنه كان ينتظرها منذ ما قبل التكوين، وتترك في الهواء اضطرابًا خفيفًا يشبه أثر مرور كائنٍ لا يحتاج أن يُرى كي يغيّر شكل الطمأنينة. وحين تقترب، لا تبقى المسافة كما هي، تتبدّل كأنها فقدت اسمها الأول.

أغرق في ما يشبه الغرفة وقد تخلّت عن جدرانها، طورٌ قابل للذوبان، حيث الجسد لا يعود حدًّا، وإنما احتمالٌ يتراجع كلما اقترب من نفسه. شعرها غابةٌ نسيت الأرض، فاختارت أن تتدلّى كسماءٍ منخفضةٍ تُعاش ولا تُمسك.

أركض داخل الركض نفسه، كأن الاتجاه انمحى، ألاحق كائناتٍ تتقدّم على الحلم قبل أن يُولد، أقرص احتمالاتها كي أوقظ صدى وجودها. الأيائل سرعاتٌ انفلتت من أسمائها، والقمم ارتباكٌ عموديٌّ نسي معنى الأعلى.

تنفتح القفزة: لا أرض تُنتظر، لا نجاة تتأخر. جسدان يسلّمان نفسيهما لطقسٍ أقدم من الخوف، كأن السقوط ليس نهاية الحركة، وإنما صورتها الأولى حين كانت بلا اسم. لا مظلة تُفتح، لأن الفكرة نفسها تبدو تدخّلًا في نقاء الانفلات.

نهوي كأن الجاذبية فقدت يقينها، وكأن الوصول فقدٌ ناعم، وكأن البقاء في التهاوي هو اللغة الوحيدة التي لا تخون ما يحدث.

2

ما يتبقّى حين يذوب الحدّ:

عندَ الحافةِ التي يتداخلُ فيها الماءُ بالضوء،

كان العالمُ يبدو كأنّهُ يخرجُ لتوّهُ من صورته الأولى؛

الأشياءُ رخوة،

والظلالُ لا تعرفُ إن كانتْ تنتمي لأجسادها أم للفراغ.

العينُ تتعلّمُ الشكَّ ببطء،

تراقبُ الألوانَ وهي تنسحبُ من يقينها،

والصمتُ يمتدُّ خفيفًا فوقَ المشهد

كأنّهُ الطبقةُ الأخيرةُ قبلَ اختفاءِ المعنى.

هناك،

كان الطينُ يحتفظُ بحرارةِ اللمس،

تغوصُ فيه الأصابعُ قليلًا

ثمَّ تتركُ أثرَها وتمضي،

كأنَّ التشكّلَ نفسهُ لا يملكُ رغبةَ البقاء.

ومن ذلكَ الأثرِ الهشّ

كانتْ الممرّاتُ الخضراءُ تنفتحُ داخلَ الفراغ، وتتعلّقُ الفوانيسُ بالعتمةِ كأحلامٍ مؤقتة، بينما البحرُ يتّسعُ كلّما اقتربَ منهُ النظر، كفكرةٍ لا تبلغُ شكلَها أبدًا.

ثمَّ يبدأُ كلُّ شيءٍ بالتراجع؛

الخيالُ يفقدُ قدرتَهُ على بثِّ الحياة،

والأشياءُ تعودُ إلى مادّتِها الأولى،

خامدةً وثقيلة،

كأنَّ يدًا خفيّةً انسحبتْ من العالم.

حتى الأحلام،

كانتْ تسقطُ من الطرقاتِ دونَ صوت،

والزمنُ يُبطئُ خطاهُ عندَ حافةِ التحوّل،

ملتفتًا إلى وجههِ الذي أخفاهُ طويلًا.

وفي آخرِ المشهد،

يجلسُ رجلٌ أمامَ أيامهِ الفارغة،

يُقلّبُها بيدٍ مرتجفة،

كمن يحاولُ أن يتذكّر

ما الذي أفلتَ منهُ بالضبط

قبلَ أن يصبحَ خفيفًا إلى هذا الحد.

3

مسالك العتمة:

لا تنام الرغبة، حتى حين يثقل الضوء وتشتدّ حراسته. في النهار طعمٌ مُرّ يلتصق بالأشياء، وفي العتمة حلاوةٌ سائبة تنفلت من القيود. هناك، حيث يبهت الضياء، تنفتح مسالك الخيال على اتساعها، وتعلو نداءاتٌ خفيّة، كأن الليل يدرّب الجسد على لغته السرّية، ويعيد ترتيب الفوضى في هيئة لذّة.

يتبادلان أنفاسًا كثيفة، كأنها صاعدة من كأسٍ قديمة، وتتمايل الروح فيهما مثل سنابل تضربها الريح. تنزلق الأيدي إلى ما وراء التردّد، تزيح ما تبقّى من حذر، وتوقظ ما كان كامناً. الشعر يهمس بين الأصابع، والشفاه تتعلّم طعمها ببطء، كفاكهةٍ نضجت على مهل. في هذا القرب، تتسع المسافة حتى تصير براري، وتركض فيها كائنات الرغبة بلا خوف، فيما الزمن يتقلّص، كأنه يُطوى داخل لحظة.

يذوب الحدّ بين الداخل والخارج، فلا يعود الجسدان منفصلين كما كانا. حركةٌ تجرّ أخرى، وصعودٌ يتبعه انكشاف، كأن كلّ واحدٍ منهما يبحث عن نفسه في الآخر، عن دفءٍ كان بعيدًا، وعن قممٍ لم يبلغها وحده.

ومنذ أن تخلّى الكلام عن ثيابه الأولى، وصار أكثر عريًا وصدقًا، لم تعد السقوطات خطايا، بل تحوّلت إلى مواسم، ينبت فيها الإنسان من جديد.

4

انطفاء يتقدم:

أرى الأشياء تتدلّى من حافة لا أعرف اسمها، تلمع لحظة ثم تنكسر في داخلي كأنها تخصّني وحدي.

لا شيء يعتذر حين يختفي، ولا شيء يشرح ظهوره.

أقف داخل هذا التراكم الخفيف من الظلال، كأن العالم يكتب نفسه في جهة لا أستطيع لمسها، ويترك في زواياي أثرًا لا يهدأ.

كل ما يقترب من المعنى يبتعد عني خطوة، وأبقى معلّقا في الفراغ الذي يخلّفه.

اللحظات تمرّ بي كأنها لا تعرف أنها تمرّ،

ولا شيء يثبت في يدي،

حتى الثبات نفسه يبدو كأنه فقد عنوانه.

أرى ما يتفتّح ثمّ ينغلق كأنه يخاف اكتماله. 

يسكنني هذا الخوف دون أن أعلنه.

الصمت لا يغيب،

يتكاثف حولي كهواءٍ أثقل مما يحتمل الجسد، كأن ما لم يُقل ما زال يعمل في الداخل.

أخلط بين ما يُفقد وما يُستعاد،

كأنهما يحدثان في اللحظة نفسها ولا يعودان مختلفين.

وفي العمق الذي لا أراه،

أشعر أن الوجود يشتعل بهدوء،

يتعرّف إليّ وهو يفقدني،

ويترك فيّ أثرًا يشبه بداية لا تكتمل إلا وهي تنطفئ.

5

خارج الاسم:

الوجوه تمرّ بي كأنها لا تعترف بي،

تأخذ من اسمي ما يكفي لتتركني أقلّ مما أكون.

أنا منفلتة من اسمي،

كأن الاسم لم يعد يعرف طريقه إليّ،

وكأنني شيء يبتعد عن تعريفه كلما اقترب منه.

بين إدانةٍ لا تكتمل، وقداسةٍ لا تجرؤ على اللمس، أبقى معلّقة في منطقة لا اسم لها.

في داخلي شيء يتبدّل كأنه لا يعترف بذاكرتي، يجرّبني ثم ينسحب،

ويترك فيّ أثرًا لا يثبت على شكل.

الخطيئة تتسع حتى تصير مناخًا،

تتسرّب إلى الرئة كأنها طبيعة ثانية،

ولا نعود نميّز بين التنفس والاختناق.

الحجاب لا يخفي، يغيّر المسافة بين العين وما تظنه حقيقة.

والعري يتأخر عن نفسه، كأنه فقد جهة ظهوره.

الصوت يسقط قبل أن يكتمل،

كأنه يصطدم بما في الداخل ولا يخرج.

والصدى يعود كذكرى لصوت لم يولد.

لا طائر يعبر هذا الامتداد،

السماء تبدو مكتفية بصمتها،

مغلقة احتمالاتها.

بين ما كان وما لن يكون،

يمتد زمن غير مستقيم،

نمرّ فيه كأننا بقايا أنفسنا.

الوطن لا يشار إليه،

والغربة لا تأتي من جهة،

كلاهما يلتفان حول بعضهما حتى يلغيا المسافة بينهما.

الأقدام تتعلم السير كأن الأرض فكرة لم تكتمل، كأن الثبات تجربة لم تنجح بعد.

لا أرض تمسك بنا،

ولا فراغ يعلن حدوده.

إلى الجهات كلها،

ينفتح النظر بلا نهاية،

ويصبح الوجع طريقة دقيقة لرؤية العالم.