المجلة الثقافية الجزائرية

من هو «الناس» في القرآن؟

دراسة في نداء: ﴿يا أيها الناس﴾ بين الإنسانية المشتركة والهوية الإيمانية

يحيى عباسي بن أحمد

 

مقدمة: يمثل نداء:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾

أحد أكثر النداءات القرآنية اتساعًا من حيث دائرة المخاطَبين. فبينما تتوجه نداءات أخرى إلى جماعات محددة كالمؤمنين أو أهل الكتاب أو الأنبياء، يبدو هذا النداء متجهًا إلى الإنسان من حيث انتمائه إلى الجماعة البشرية.

غير أن هذا الوصف الأولي يثير عدة أسئلة منهجية:

هل المقصود بالناس مجرد غير المؤمنين؟ وهل يرتبط هذا النداء بالمرحلة المكية من الدعوة فقط؟ أم أن القرآن يستدعي من خلاله مستوى أعمق من الهوية الإنسانية يتجاوز الانتماءات الدينية والاجتماعية؟

تهدف هذه الدراسة إلى فحص هذه الأسئلة من خلال تحليل مواضع النداء وسياقاته دون افتراض نتائج مسبقة.

أولًا: بين المكي والمدني

نُقل عن عدد من السلف أن ما ورد في القرآن من:«يا أيها الناس» و«يا بني آدم»، يغلب عليه الطابع المكي، بينما يغلب على:«يا أيها الذين آمنوا»الطابع المدني.

وقد أشار إلى هذه الملاحظة عدد من المفسرين عند حديثهم عن خصائص الخطاب المكي والمدني (الزركشي، البرهان في علوم القرآن؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن).

وتنسجم هذه القاعدة إجمالًا مع طبيعة المرحلتين:

ففي مكة كان الخطاب يتوجه إلى مجتمع لم تتشكل فيه جماعة المؤمنين بعد بوصفها كيانًا اجتماعيًا مستقلًا.

وفي المدينة أصبحت هناك جماعة مؤمنة تحتاج إلى تنظيم علاقاتها وتشريعاتها.

لكن هذه الملاحظة ليست قانونًا مطلقًا.

فقد ورد نداء:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1)في سورة مدنية.

كما ورد:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (الحجرات: 13)في سورة مدنية باتفاق المفسرين.

وتدل هذه الاستثناءات على أن التمييز بين “الناس” و”الذين آمنوا” لا يمكن تفسيره بالبعد الزمني وحده.

فالمدني والمكي يتعلقان بزمن النزول، أما نوع النداء فيبدو أنه يتعلق بطبيعة المخاطَب أو بالمستوى الذي يختاره الخطاب للتوجه إليه.

ثانيًا: الناس بوصفهم دائرة خطابية

من خلال استقراء عدد من المواضع يظهر أن نداء “الناس” يرتبط غالبًا بقضايا واسعة النطاق:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (البقرة: 21).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ (النساء: 170).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

وتدور هذه الآيات حول:

. أصل الإنسان.

. العلاقة بالخالق.

. الرسالة.

. التقوى.

. وحدة الجنس البشري.

وهي موضوعات تتجاوز حدود جماعة دينية معينة.لكن هذا لا يعني أن الخطاب يخلو من التكاليف العملية.

ففي قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (البقرة: 168)، يتعلق الخطاب بالفعل اليومي المباشر.ومن ثم لا يمكن اختزال نداء “الناس” في القضايا العقدية وحدها.

ثالثًا: مراجعة فرضية «التأسيس والتنظيم»

في النسخة الأولى من هذه الدراسة طُرحت فرضية أولية مفادها:أن نداء “الناس” يرتبط بخطابات لتأسيس، بينما يرتبط نداء “الذين آمنوا” بخطابات التنظيم.

لكن مراجعة النصوص تكشف أن هذه الصياغة تحتاج إلى تعديل.

فمن جهة نجد:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (النساء: 136).

وهو خطاب يتناول قضية إيمانية أساسية.ومن جهة أخرى نجد:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ (البقرة: 168).وهو خطاب ذو طابع عملي مباشر.

وعليه فإن الفصل الحاد بين “التأسيس” و”التنظيم” لا يصمد أمام جميع الشواهد.والأقرب إلى النص أن يقال: هناك ميل عام يجعل نداء “الناس” أكثر ارتباطًا بالقضايا المشتركة بين البشر، لكن هذا الميل لا يرتقي إلى مستوى القانون المطلق.

رابعًا: آية الحجرات (13) بوصفها حالة اختبار

تمثل الآية:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾حالة ذات أهمية خاصة.فالسورة مدنية، وسياقها القريب يتحدث عن قضايا تخص المؤمنين:

. السخرية.

. اللمز.

. التنابز بالألقاب.

. سوء الظن.

وكان من الممكن ـ من حيث الظاهر ـ أن يستمر الخطاب بصيغة:يا أيها الذين آمنوا.لكن النص ينتقل إلى:

يا أيها الناس.وقد فهم عدد من المفسرين أن الآية تعيد التذكير بوحدة الأصل الإنساني وأن التفاضل لا يقوم على النسب أو الانتماء القبلي، وإنما على التقوى (الطبري، 2001؛ ابن عاشور، 1984).

ومن منظور هذه الدراسة يمكن اقتراح فرضية تفسيرية:

عندما يريد القرآن استدعاء الأصل الإنساني المشترك الذي يسبق الانتماءات الاجتماعية والدينية، فإنه قد يعود إلى نداء “يا أيها الناس” حتى داخل السياق المدني.

ولا يزال هذا الاقتراح بحاجة إلى مزيد من الاختبار في مواضع أخرى.

خامسًا: هل «الناس» مرحلة أم طبقة؟

يقودنا ما سبق إلى سؤال أكثر عمقًا:هل يمثل “الناس” مرحلة تسبق الإيمان؟أم يمثل مستوى دائمًا من مستويات الهوية الإنسانية؟

تبدو بعض القراءات وكأنها تفترض مسارًا خطيًا:

الناس ← المؤمنون.

لكن بعض النصوص، وعلى رأسها آية الحجرات، توحي بإمكانية تصور مختلف:

فالإنسان لا يتوقف عن كونه من “الناس” بعد أن يصبح من “الذين آمنوا”.

بل يظل الانتماء الإنساني قائمًا بوصفه طبقة أعمق من الهوية.

وبناءً على ذلك يمكن اقتراح نموذج أولي:

ولا يقدم هذا النموذج باعتباره نتيجة نهائية، بل باعتباره فرضية ستُختبر في المقالات القادمة.

اعتراضات على الفرضية

يمكن الاعتراض على هذا التحليل بالقول إن اختلاف النداءات قد يكون مجرد تنوع أسلوبي اقتضاه المقام.

كما يمكن القول إن دلالة “الناس” لا تتجاوز معناها اللغوي المباشر دون حاجة إلى بناء مستويات هوية متعددة.

وهذه اعتراضات مشروعة، وستظل حاضرة في المراحل اللاحقة من البحث.

النتائج الأولية

1. لا يكفي تفسير نداء “يا أيها الناس” بكونه نداءً مكيًا فقط.

2. وجود مواضع مدنية لهذا النداء يدل على استمرار فاعليته بعد تشكل الجماعة المؤمنة.

3. يبدو أن النداء يستدعي مستوى إنسانيًا مشتركًا لا يزول بدخول الإنسان في الإيمان.

4. لا يوجد حتى الآن ما يسمح بالقول إن جميع مواضع النداء تخضع لقانون واحد صارم.

5. تمثل آية الحجرات (13) شاهدًا مركزيًا في اختبار فرضية “الإنسانية المشتركة”.

خاتمة

تكشف دراسة نداء “يا أيها الناس” أن الخطاب القرآني لا يتحرك فقط بين مؤمن وكافر، أو بين جماعة وأخرى، بل يستدعي أحيانًا الإنسان من حيث اشتراكه في أصل إنساني سابق على هذه التصنيفات كلها.

ومن ثم فإن السؤال الذي سيقود المقال القادم ليس: من هم الناس؟

بل:لماذا ينتقل القرآن أحيانًا من «يا أيها الناس» إلى «يا بني آدم»؟وهل يمثل النداءان دائرة واحدة، أم أن كلًّا منهما يستدعي بعدًا مختلفًا من هوية الإنسان؟لماذا يقول القرآن: «يا بني آدم»؟

*كاتب وباحث جزائري