المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

موسوعات زراعية علمية من التراث الأندلسي

دكتورة: دعاء فتحي الشريف*

مقدمة :-
اهتم الأندلسيون بالزراعة بشكل كبير، وأصبح لديهم خبرات واسعة بممارسة العمل الفلاحى، وإجراء التجارب التطبيقية، كما بذلوا قصارى جهدهم لتطويع التربة الزراعية، فكان عليهم استخدام أساليب معينة فى العمل الزراعى وكذلك اتخاذ سلسلة من الإجراءات عن طريق تهيئة الأرض والحفاظ على خصوبتها بالإضافة إلى تطوير التقنيات الزراعية المستعملة مضيفيين لها معارف جديدة للزراعة، مما أحدث مايمكن أن نطلق عليه إن صح هذا التعبير ثورة زراعية فى الأندلس ، خاصة منذ عصر الطوائف أى فى القرن الخامس الهجرى / الحادى عشر الميلادى رغم التفتت وعدم الاستقرار السياسى ، وألفوا فى ذلك كتب علمية ساهمت فى تقدم الفلاحة الأندلسية وتطورها، ويعد القرن الرابع الهجرى / العاشر الميلادى مطلع الفترة التى بدأ فيها علماء الأندلس بتقديم إضافات علمية أصيلة، حيث تضافرت الظروف والعوامل لتشكل نواة مايسمى \” بمدرسة الفلاحة الأندلسية \” والتى وصلت إلى قمة ازدهارها خلال القرنين التاليين الخامس والسادس الهجريين .

تقويم قرطبة لعريب بن سعد

ساهم فى تأسيس تلك المدرسة بلاشك ظهور كتاب تقويم قرطبة المعروف بكتاب الأزمنة أو الأنواء، لعريب بن سعد ( ت 370ه – 980م )، الذى أهداه إلى الحكم المستنصر، وهذا التقويم الفلاحى القرطبى يقدم صورة حية عن النشاطات اليومية للمزارعين فى المجتمع القروى الأندلسى فى القرن الرابع الهجرى / العاشر الميلادى .

وعقب انهيار الخلافة الأموية وقيام دويلات الطوائف ( اوائل القرن الخامس الهجرى / الحادى عشر الميلادى ) بدأ التراث الفلاحى الأندلسى فى التبلور، كنتيجة للجهود السابقة التى بذلت منذ عصر الخلافة، وإقبال الأندلسيين على الزراعة وبراعتهم فيها، بالإضافة إلى أن الاتصال بين الحضارات ، وخاصة الاتصال بالمشرق الإسلامى ساعد أيضا على تطور الفلاحة الأندلسية ، علاوة على دور أمراء الطوائف فى تشجيع النشاط الزراعى بالحرص على إقامة البساتين والمنيات وتمويل حقول التجارب الفلاحية داخل إماراتهم بدافع التنافس فيما بينهم .

كتاب الفلاحة لابن وافد

ويعتبر ابن وافد الطليطلى من مشاهير علماء الفلاحة الأندلسية خلال القرن الخامس الهجرى / العاشر الميلادى حيث مارس الفلاحة عمليا فكان يشرف على جنة (بستان) المأمون بن ذى النون أمير طليطلة فى عصر الطوائف  وتولى غرسها و أجرى فيها تجاربه الزراعية .

كتاب الفلاحة لابن بصال

ويأتى بعد ابن وافد معاصره ابن بصال العالم الطليطلى، وهو احد علماء الفلاحة وممن مارس العملية الزراعية بنفسه ومثلت كثيرا من المعلومات التى أوردها محصلة للتجارب التى كان يقوم بها، حيث قام بالإشراف على حديقة النباتات فى بستان المأمون وألف كتابا وأهداه إليه، ويبدأ الكتاب بذكر أنواع مياه الرى، والأنواع المختلفة للتربة وأنواع السماد ثم يشير إلى أجود الأراضى الصالحة للزراعة وطريقة حرثها، ويتحدث بعد ذلك عن زراعة الخضر والحبوب، وانتقل ابن بصال عقب سقوط طليطلة فى أيدى القشتاليين ( 478ه/ 1085م) إلى إشبيلية ، والتحق بخدمة المعتمد بن عباد وهناك استطاع أن يستكمل تجاربه الزراعية .

زهرة البستان ونزهة الأذهان للطغنري

أما الطغنري الغرناطي، الذى يلقب ب (الحاج الغرناطي ) وهو من علماء الفلاحة الأندلسيين فى القرن الخامس الهجري، الذى ألف كتاب فى الفلاحة بعنوان ( زهرة البستان ونزهة الأذهان ) وتظهر مكانة المؤلف العلمية الأدبية واضحة وجلية من خلال صياغته للعبارات والمفردات التى استخدمها فى كتابه .

كتاب الفلاحة لابن العوام

ومن أبرز علماء الفلاحة فى الأندلس فى القرن السادس الهجرى / الثانى عشر الميلادى ابن العوام الإشبيلي، الذى قدم لنا من خلال كتابه (الفلاحة) موسوعة علمية رائعة شملت فلاحة الأرض وتربية الحيوان .

وهكذا يتبين لنا أن كتب الفلاحة الأندلسية كانت موسوعات زراعية علمية، شاملة كل المعارف الفلاحية، وساهمت بشكل كبير فى تقدم علم الفلاحة فى الأندلس بحيث أصبح لدى الأندلسيين خلال القرن الخامس الهجرى / الحادى عشر الميلادى مايمكن أن نطلق عليه التراث الفلاحى الأندلسى الذى كان له دور ملموس فى ازدهار الزراعة والعمل الفلاحى ، وكان نتيجة اهتمام المسلمون فى الأندلس بالزراعة وكثرة البساتين والحدائق والمتنزهات أن أضحت تبصر فى كل موضع منها ظلاً ضافياً وأصبح الشعراء يتغنون بحدائقها وبساتينها ومياهها الجارية ، ووفور خيراتها ، وإشتمالها على كثير من المحاسن والمنافع ..

المصادر والمراجع :-
– ابن بصال :- كتاب الفلاحة ، نشره وترجمه وعلق عليه خوسى ماريه ، محمد عزيمان، معهد مولاى الحسن، تطوان ، 1955م .
– عريب بن سعد: – كتاب الأنواء أو تقويم قرطبة ، نشر دوزى، ليدن ، 1873م .
– ابن العوام:- كتاب الفلاحة، نشر بانكيرى، مدريد، 1802م .
– الطغنري:- زهرة البستان ونزهة الأذهان ، تحقيق محمد مولود المشهداني، مركز نور الشام، دمشق، 2001 .
– ابن وافد:- قطعة من كتاب الفلاحة ، نشر خوسيه مياس بيكروسا، مدريد، 1943
اكسبيراثيون غارثيا: الزراعة فى إسبانيا المسلمة، ترجمة أكرم ذا النون  بحث نشر ضمن مجلة الحضارة العربية الإسلامية فى الأندلس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998 ، ج2 .

لوسى بولنز: نباتات الصباغة والنسيج، ترجمة مصطفى الرقى، بحث ضمن مجلة الحضارة العربية الإسلامية فى الأندلس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998 ، ج2 .

دكتوراه فى التاريخ الإسلامى – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية