المجلة الثقافية الجزائرية

نماذج متباينة للمرأة تدافع عنها سيمون دو بوفوار في ثلاثيتها «المرأة المحطّمة»

 من تقديم: إسلام خنيش*

تشكّل الرغبة في التملّك ميزة من ميزات الإنسان، لكن أين يجب أن تتوقف هذه الرغبة؟ كيف يمكن لها أن لا تضرّ بالآخر؟ هل يمكن السماح للآخر،مهما كانت درجة قرابته، من تملّكنا؟ في قصّة «زمن التعقّل» (من ثلاثيتها الروائية، \”زمن التعقّل، مونولوج، المرأة المحطّمة\”، التي جمعتها في كتاب تحت عنوان «المرأة المحطّمة» تطرح سيمون دي بوفوار هذه القضية، وتُظهر لنا كيف تتحول هذه الرغبة من محبّة لاحتكار حياة الآخر(ابنها فيليب)، تقول :« كنت أتصور أن علاقتي مع أندريه(زوجها) لن تتوتّر أبدا، وأنّ أعمالي لن تنفك تثرى، وأن فيليب سيقترب يوما بعد يوم من الرجل الذي رسمته له في خيالي… خذلني جسمي، لم أعد قادرة على الكتابة، لقد خيّب فيليب كل توقعاتي، وما آلمني أكثر هو أنّ علاقتي بأندريه كانت في طريقها للتحطّم»، تشرّح لنا دي بوفوار على لسان بطلتها بضمير المتكلم كيف تضِرّ رغبة التملّك المعنيَ بالأمر، ولكن أيضا كيف تقتلُ الحياةَ في من يملك هذه الصفة إذ أنّه يُعوّلُ كثيرا على شيء ليس له، ويبدأ بذلك أولى مراحل السقوط في حياته، لأنّ الخيبة ستقوم بطرحه بشكل مفاجئ، تظهر لنا الروائية أيضا أنّ درجات التحمل القصوى تصل لعتبات لا يمكن تجاوزها والتغاضي عنها مجددا، ففيليب الذي كان يحمل أفكار تقدميّة كأبويه يجد في الثلاثينيات طريقا آخر ويخرج عن ذلك المسار الذي بناه له والديه ولكن هنا بشكل أكبر أمّه التي تريد أن تصنع نسخة مثالية منه، في إحدى حواراتها مع زوجها، يقول لها هذا الأخير مجيبا إياها حول تصوّرها أنّ ابنهما كان يملك أفكارا واضحة :« هل كانت حقا أفكاره؟ طبعا الظلم والحماقات الكبيرة تجعله يثور. لكنه لم يكن منخرطا في السياسة يوما. تبنّى أفكارنا لأنّه لم يكن يستطيع غير ذلك، كان يرى العالم من خلال أعيننا : ولكن لأي مدى كان مقتنعا بها؟»، تبيّن لنا دو بوفوار هنا كيف يتطور الخلل في حياة الإنسان لمّا يريد أحدهم تسطير أفكاره، وهنا يمكن لنا طرح شقّين من هذا المأزق، إذ يمكن لمن يحبّ الآخر كالعائلة، كالصديق، كالحبيب والزوج أن يحاول بث أفكار وتطلّعات محمودة فيمن يحبّ وأن يملك عليه سلطة محبّة معنوية، لكنّ هذا لا يسمح له أن يختار حياة الآخر وتصوراته والنهج الذي يجب عليه اتّباعه.

في القصة الثانية «مونولوج»، تطرح فكرة الأمّ المتسلّطة ولكن من منظور آخر مخالف للأمّ في القصة الأولى، حيث في هذه المرة تكون الأم هلاكا فوق رأس ابنتها، لا تقوم بأعمال تظنّها سليمة لابنتها كما تفعل الأولى، لكنها تقوم بها كانتقام أو سبق إصرار في إلحاق الضرر، وتظهر كيف يستطيع ذلك تدمير حياة كاملة من خلال الضرر المعنوي الذي يتحمّله الأبناء جراء هذا الصنف من الآباء، تحكي على لسان هذه المرأة :«أمي، الأم تبقى أمّا، لم أرتكب شيئا في حقّها، بل هي من أفسدت طفولتي وشتمتني… العاهرة إنّها تصبّ الحامض على رأسي وتريدني أن أخرس، يا للكراهية ! كانت دائما تكرهني، بحجر واحد أصابت هدفين بتزويجها إيّاي من ألبير : ضمنت متعتها وشقائي»، تعيش هذه المرأة حالة من التهاوي، إذ تفقد ابنتها التي تنتحر، وستتلقى كل اللّوم وحيدة عن خيار ابنتها هذه، وما يزيدها قهرا هي هذه الحالة الإنفصامية بينها وبين أمّها.

في القصة الثالثة، التي يمكن اعتبارها رواية، والمعنّونة ب «المرأة المحطّمة»، تتعمّق دو بوفوار في النفس الأنثوية، فقد اختارت هذه المرّة امرأة خمسينية تعاني هي الأخرى ولكن في شكل آخر، تكتشف خيانة زوجها «موريس» لها مع «نولي»، ورغم ذلك لأنّها متعلّقة به، تتغاضى عن القضية وتسمح له بأن يكون تارة عندها وتارة أخرى عند نولي، حيث تعيش حالة من الضياع والتيه والتناقض، حبّها لموريس وعدم تصوّرها لحياة دونه صيّرها لكي تكون تحت ظلّه، وتقبل علاقته مع إمرأة أخرى، تقول :«في منتصف اللّيل، أشتاق إلى لقاءه كثيرا، إلى إطفاء هذا الغضب الذي يحتدّ داخلي، ويجعل عينيّ مثبّتتين على ساعة الحائط، الرقاص لا يتحرّك ؛ وأنا أشعر بالغضب».

يتمايز هذا النص بشكل قويّ مع ما يطرحه الكاتب الفرنسي إيتيان دو لابويسيه في كتابه الشهير «خطاب عن العبودية الطوعية»، تقول البطلة : «حين نرتطم بصخرة، نحس أولا بالصدمة، ثم يأتي الألم بعد ذلك» ومن هنا ستبدأ حياتها بالذبول وتقبّل أمرٍ واقعٍ يضرّ كثيرا بنفسيتها وصحّتها، سترى زوجها وأب بناتها يتجوّل ويسافر مع أخرى وتقبل ذلك في شيء من الخنوع، أيُّ مصير صارت فيه؟! سيشكّل بوح وتساؤلات البطلة علاجا لهذه الأزمة من زاوية القارئ الذي يتلقّى ذلك بشكل فريد متسائلا لما لم تتخذ هذه المرأة هذا السبيل؟ تقول :«أرى أحيانا أنّني عاقلة وأحيانا أخرى ألوم نفسي أنّني جبانة. في الحقيقة كنت معزولة لأنّني لم أتخيّل يوما أنني أملك حقوقا. أنتظر الكثير من الناس الذين أحبّهم.الكثير ربّما. أنتظر وأطلب أيضا. ولكن لا أعرف كيف أكون متطلّبة». تزيد حالة القلق التي تعيشها البطلة حينما تحدّثها ابنتها لوسيان(التي لا تؤمن بالحبّ والعلاقات الطويلة) أنّ فعلة أبيها عادية لأنّه لا توجد علاقات خالدة، تقول لأمّها :«لقد بالغت بظنّك أنّ علاقات الحبّ تدوم… بعد خمسة عشر سنة من الزواج، أمرٌ طبيعي أن يتوقّف الرجل من حبّ زوجته»، ستتلقى الأم هذا الكلام كجرعات ألم متواصلة، تذكّرها حول ما كانت تؤمن به، وكيف أنّها كرّست حياتها من أجل زواج صار الآن وبالا على رأسها، وأنّها تركت دراستها ومستقبلها، يعبّر عنوان هذه الرواية عن حالة هذه المرأة لكن يمكن لنا من خلال متابعة قصّتها، أن نقول في حالتها أنّها المرأة الخاضعة.

داخل هذه المساحات العاطفية، ستعطي دي بوفوار مساحة صغيرة لأندريه كي يدافع عن نفسه إذ عندما تتزايد المشاكل ويتراشق في الكلام مع زوجته التي ستتهاطل عليه أنّها أعطته كلّ حياتها وآمالها، سيذكّرها هو أيضا في شكل من العتاب أنّها لم تكن تفرح لنجاحاته في مهنة الطب التي يزاولها، وأنّها لم تشاركه آمالاه ونجاحاته فيها، فقد اكتفت أنّها لا تهتم بهذه الأشياء، ومن هنا سنرى ونتساءل كيف يمكن للعلاقة أن تتواصل وتدوم في غياب ذلك الشغف المتبادل بين الشريكين؟ في غياب منطق أنّ نجاح الأول هو نجاح ومفخرة للثاني، كيف أنّ العلاقات تتفسّخ بالتدريج في ظلّ غياب الشغف بين الشريكين.

*صفحة الكاتب على الفيسبوك