المجلة الثقافية الجزائرية

نيكولاي غوميلوف: من مغامرات أفريقيا إلى رصاص الإعدام

جودت هوشيار

كانوا يتحدثون عن نيكولاي غوميلوف كما لو أنه خرج من إحدى قصائده: «روح ملتهبة»، «قوة سحرية»، «رجل من حديد»، «محارب»، «رجل يكاد يكون جنونه من فرط شجاعته». ووصفه آخرون بأنه «المتجوّل، والصياد، والمقاتل، والباحث عن المغامرة». ولم تكن هذه الأوصاف كلها مبالغات أدبية؛ فقد عاش غوميلوف حياته بالفعل على هذا النحو، وكأنه يرى في الأدب والحياة مغامرة واحدة.

وُلد نيكولاي ستيبانوفيتش غوميلوف عام 1886، وعاش سنواته القصيرة في واحدة من أكثر الفترات خصوبة في تاريخ الشعر الروسي، تلك التي عُرفت لاحقاً باسم العصر الفضي. كان إلى جواره شعراء كبار مثل آنا أخماتوفا، وأوسيب ماندلشتام، وفيلاديمير خليبنيكوف، وفلاديسلاف خوداسيفيتش، وفي الجيل اللاحق بوريس باسترناك ومارينا تسفيتايفا وغيرهم. غير أن غوميلوف لم يكتف بأن يكون واحداً من شعراء ذلك العصر؛ فقد كان يريد أن يصنع للشعر قواعده الخاصة، وأن يحوله إلى صنعة تحتاج إلى المعرفة والانضباط والمهارة، لا إلى الإلهام وحده.

ومن هنا جاء دوره في تأسيس مدرسة الأكميّة، التي ظهرت في روسيا في العقد الثاني من القرن العشرين، في مواجهة النزعة الرمزية التي كانت مهيمنة على الشعر الروسي آنذاك. وكان من أبرز وجوهها غوميلوف وماندلتشتام، فيما أصبحت أخماتوفا أشهر أصواتها الشعرية. دعا الأكميون إلى وضوح الصورة الشعرية، ودقة اللغة، والعودة إلى العالم المحسوس وإلى الحرفية العالية في بناء القصيدة. كان غوميلوف يؤمن بأن الشاعر، مثل الصانع الماهر، عليه أن يعرف أدواته معرفة دقيقة.

ولم يكن هذا التصور للشعر منفصلاً عن شخصيته. فقد عاش غوميلوف حياته بحثاً عن التجربة والمغامرة. سافر إلى أفريقيا أكثر من مرة، وزار الحبشة ومصر والصومال ومناطق حول بحيرة فيكتوريا، واهتم بالحيوانات والصيد والمناظر الأفريقية الغريبة على مخيلة الروسي في ذلك الزمن. أصيب بالحمى النيلية، وخاض مغامرات وصعوبات السفر في مناطق لم تكن الرحلة إليها أمراً يسيراً. وكان يعود من أسفاره محملاً بالقصص والصور والملاحظات التي تحولت إلى مادة شعرية وأدبية.

حتى الحرب لم تكن بالنسبة إليه مجرد حدث تاريخي بعيد. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى تطوع في الجيش الروسي، وخدم في وحدات الفرسان، وأظهر شجاعة جعلت اسمه يرتبط بصورة «الشاعر المحارب». شارك في القتال، وأصيب، وحصل على صليبين من صلبان القديس جورج تقديراً لشجاعته. وهكذا بدا غوميلوف وكأنه يجسد بنفسه إحدى الصور التي أحب أن يرسمها في شعره: الرجل الذي يخرج من عالم الكلمات إلى عالم الخطر.

لكن حياته لم تكن سلسلة من الانتصارات. كان في طفولته وصباه بعيداً عن صورة البطل الذي ستصنعه عنه الذكريات. نشأ في تسارسكويه سيلو، وكان ضعيف البنية ومصاباً بمشكلات في البصر، ولم يكن تلميذاً متفوقاً في المدرسة. بل إن بداياته الشعرية نفسها لم تلق إعجاباً كبيراً من بعض المحيطين به. ومع ذلك، امتلك منذ وقت مبكر إرادة عنيدة، وأصر على أن يصبح شاعراً، فكان الشعر بالنسبة إليه شيئاً يتطلب التدريب والمثابرة، وليس موهبة تهبط على صاحبها من السماء.

ومن أكثر علاقاته الأدبية والإنسانية شهرة زواجه من آنا أخماتوفا. تزوجا عام 1910، وكانت العلاقة بينهما معقدة ومضطربة، ثم انتهى الزواج بالطلاق عام 1918. وأنجبا ابنهما ليف غوميلوف، الذي أصبح لاحقاً مؤرخاً وعالماً بارزاً في الاتحاد السوفيتي. وكان غوميلوف، رغم انتهاء زواجه، شخصية مهمة في البدايات الأدبية لأخماتوفا، كما بقي اسمه مرتبطاً بسيرتها وبالوسط الشعري الذي جمعهما.

وكان غوميلوف أكثر من شاعر. فقد كان ناقداً أدبياً ومدرساً ومترجماً ومنظماً للحياة الشعرية. وقد عُرف بقدرته على قراءة القصيدة وتحليل بنيتها التقنية. ونُقل عن ماندلشتام قوله إن غوميلوف «كان يفهم الشعر أفضل من أي شخص في العالم». وحتى خوداسيفيتش، الذي لم تكن علاقته بغوميلوف سهلة دائماً، أقر بامتلاكه فهماً استثنائياً لبناء الشعر وذوقاً أدبياً رفيعاً.

وفي سنواته الأخيرة، أخذ يهتم بالتدريس الأدبي وتكوين الشعراء الشباب. ومن خلال «ورشة الشعراء» التي أسسها مع عدد من رفاقه، ترسخت تقاليد مهمة في تعليم الكتابة الشعرية في روسيا. لم يعد الشاعر، وفق هذا التصور، مجرد شخص ينتظر لحظة الإلهام، بل أصبح عليه أن يتعلم الوزن والقافية والصورة والإيقاع وبناء القصيدة، وأن يقرأ الشعراء السابقين، وأن يصقل أدواته بالممارسة.

ثم جاءت الثورة الروسية، فدخل غوميلوف في علاقة شديدة التعقيد مع العصر الجديد. لم يكن من أولئك الذين استطاعوا أو أرادوا أن يتكيفوا بسهولة مع السلطة البلشفية. كان معارضاً لها، ولم يخفِ موقفه في بعض المناسبات. وبعد أن علم بمقتل أفراد العائلة الإمبراطورية، نُسب إليه قوله عن البلاشفة: «لن أغفر لهم هذا أبداً».

في أغسطس/آب 1921، اعتقلته السلطات السوفيتية في إطار ما عُرف بـ «مؤامرة تاغانتسيف»، وهي قضية اتُّهم فيها عدد كبير من المثقفين والجامعيين والضباط بالتخطيط لأعمال مناهضة للحكومة السوفيتية. وما زالت طبيعة مشاركة غوميلوف في هذه المؤامرة موضع نقاش تاريخي؛ فقد أُدين وأُعدم من دون محاكمة عادلة بالمعايير الحديثة، ولا توجد صورة كاملة وموثوقة تسمح بتبسيط القضية إلى مجرد «مؤامرة» بالمعنى التقليدي.

كان عمره خمسة وثلاثين عاماً فقط.

وهكذا انتهت حياة شاعر كان يبدو، حتى في حياته، كأنه شخصية من عالم الأساطير: شاعر يكتب عن المغامرة ثم يذهب إليها، يكتب عن الحرب ثم يحمل السلاح، يكتب عن أفريقيا ثم يسافر إليها، ويتحدث عن الشجاعة ثم يواجه مصيره الأخير دون أن يتراجع.

بعد إعدامه، اختفى اسمه تقريباً من الحياة الثقافية السوفيتية. لم يكن نشر شعره أمراً ممكناً، وأصبح ذكره في الأدب السوفيتي الرسمي محفوفاً بالمخاطر. لكن غياب غوميلوف عن الكتب لم يعنِ غيابه عن الذاكرة. فقد ظل شعره يتداول في النسخ الخاصة، وظلت قصته حاضرة في شهادات أصدقائه ومعاصريه، ولا سيما في أدبيات الهجرة الروسية التي حفظت جانباً كبيراً من ذكراه.

والمفارقة أن موته المبكر ساهم في تكوين أسطورته. فقد مات قبل أن تتاح له فرصة الشيخوخة الأدبية، وقبل أن نرى كيف كان سيتغير شعره لو عاش في العقود السوفيتية اللاحقة. بقي إذن في ذاكرة القراء ذلك الشاعر الشاب، المغامر، الفارس، الصياد، المحارب، وصاحب القصائد التي تمتلئ بالطرق البعيدة والصحارى والأسفار والمخاطر.

لقد عاش غوميلوف خمسة وثلاثين عاماً فقط، لكنه حاول أن يجعلها تبدو أطول من عمر كامل. ولعل هذا هو السبب في أن صورته ظلت مرتبطة دائماً بفكرة الفارس: رجل لم يكتفِ بكتابة الشعر عن البطولة والمغامرة، بل أراد أن يجعل من حياته نفسها قصيدةً عن الشجاعة والرحيل والمصير.