المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

هل غيَّر حادث القصاصين تاريخ مصر إلى الأبد؟

كارولين كورخان
إعداد: فراس ميهوب

هل أحدث “أثرَ الفراشة” الذي أطلقَ سلسلة من التغيرات غير المنتظرة التي أدت إلى حركة الضباط الأحرار وإسقاط الملكية في مصر؟
تقول كاتبة “الملك فاروق، مصير مصعوق” كارولين كورخان في كتابها الصادر عن دار ريفنوف الفرنسية للنشر عام ٢٠١٣ بعنوانه الأصلي
Le roi Farouk, un destin foudroyé
“ما دفعني لتحرير هذا الكتاب هو رأي العديد من أقربائي الذين عاشوا حول الملك فاروق، وظنوا أنه سيكون ملكا كبيرا، وسيتجاوز حتى مؤسس المملكة”.
تنطلق الكاتبة من حدث مفصلي غيَّر مسار حكم الملك فاروق حسب رأيها وهو الحادث الذي تعرضت له سيارته على طريق القصاصين قرب الإسماعيلية.
ترفض الكاتبةُ -المتخصصة بأسرة محمد علي- الصورةَ التاريخية النمطية للملك فاروق المنعوت بالفاسد والبدين!
تستعين كارولين كورخان بوصفين متناقضين مستمدين من مقال للكاتب الفرنسي- المصري اريك رولو في مقال نشرته جريدة لوموند بتاريخ ١٩ آذار مارس ١٩٦٥ بعنوان “الملك الأخير لمصر”:
في ٢٩ تموز يوليو ١٩٣٧ : صورة الملك الشاب، النحيل والرياضي، والذي كسب بسرعة قلب الشعب، والصورة المعاكسة في ٢٨ تموز ١٩٥٢ لرجل أصلع بدين، بلباس أميرال بحري مع نظارات داكنة وهو يترك رسميا قصر رأس التين.
خمسة عشر عاما تفصل بين الصورتين، والحدث الفصل هو حادث السيارة عام ١٩٤٣.
ولد الملك فاروق في الحادي عشر من شباط فبراير ١٩٢٠، والده الملك فؤاد أول حاكم من أسرة محمد علي يحمل هذا اللقب عام ١٩٢٢ بعد أن حمل لقب السلطان لخمس سنوات سابقة، ووالدته الملكة نازلي صبري وهي الزوجة الثانية للملك فؤاد.
حادث القصاصين
كان هتلر قد أهدى الملك فاروق سيارة من نوع مرسيدس بمناسبة زواجه، عرف الملك بحبه لقيادة السيارات بسرعة مبالغ بها.
اصطدمت سيارة الملك بشاحنة عسكرية انكليزية في طريق عودته من الإسماعيلية إلى القاهرة قرب القصاصين، نقل الملك إلى المشفى العسكري الإنكليزي رقم ٦ في القصاصين.
كان ذلك في الخامس عشر من تشرين الثاني نوفمبر ١٩٤٣
هل كان الحادث مدبرا؟
كان الانكليز قد اتهموا بتدبير اغتيال آخر بذات الطريقة استهدف ملك العراق غازي عام ١٩٣٨ لمنعه من محاولة ضم الكويت إلى العراق بالقوة العسكرية.
أشار إليه علي ماهر السياسي المقرب من الملك والذي تولى رئاسة الحكومة المصرية عدة مرات آخرها عشية حركة ٢٣ تموز يوليو ١٩٥٢، كتبَ بعد عدة سنوات من الحادث “في عام ١٩٥٣” إلى تسببه بصدمة قوية للملك أدَّت لتغيره المفاجئ.
تناقض حديث علي ماهر مع تقرير الانكليز عن جرح خفيف بالحوض وكدمات.
الغريب أن الملك بقي عدة أسابيع في المشفى ولم يخرج منه إلا في الرابع عشر من كانون الأول ديسمبر ١٩٤٣.
تحول الملك بعد هذا الحادث إلى شخص شره للطعام والنساء، واتهم بتحرشه بنساء أمام أزواجهن، وإهانته للآخرين، وأصبح متشائما.
اعتقد مقربون من الملك أن الإنكليز استبدلوه بشخص آخر يشبهه.
قال الملك يوما لأحد ضيوفه الأجانب: هل من المسلي أن يكون الملك سمينا، أصلعا، وأعمى؟
غابت الرقابة عن تصرفات الملك، وأصيب بهوس السرقة حتى سمي بلص القاهرة، وأشهر تلك التهم سرقة مجوهرات السيف الخاصة بجثمان شاه إيران رضا بهلوي أثناء مرور جنازته في مصر منقولا من جنوب إفريقيا مكان وفاته إلى إيران.

الهوس الجنسي للملك فاروق
مغامراته العديدة وقصيرة الأمد، واتهامه بقتل منافسيه على نساء وأشهر هذه القصص اتهامه بقتل الممثلة ليليان كوهين المعروفة باسم كاميليا بحادث تحطم الطائرة في ٣١ آب أغسطس ١٩٥٠
وقبل ذلك محاولة اغتيال السينمائي أحمد سالم لإبعاده عنها حيث أصيب بجروح غير خطرة في حادث سيارة اتهم الملك بتدبيره.
طلاقه من الملكة فريدة عام ١٩٤٨ ساهم في خفض شعبيته، ثم زواجه الثاني من ناريمان صادق عام ١٩٥١ رغم أنها كانت مرتبطة بالدبلوماسي زكي هاشم.
بدانة الملك
إفراطه في تناول الطعام انتهى به إلى وزن مائة وثلاثين كيلوغرام يوم غادر مصر رغم أنه كان شابا في الثانية والثلاثين من عمره.
فاروق المحبوب
تقلد فاروق لقب أمير الصعيد بتاريخ ٢ كانون الثاني عام ١٩٣٣.
صعد فاروق إلى العرش ولم يكن قد بلغ الثامنة عشرة في التاسع والعشرين من تموز عام ١٩٣٧ خلفا لوالده الملك فؤاد بعد أن أمضى عاما وبضعة أشهر تحت وصاية لجنة ترأسها الأمير محمد علي توفيق.
حظي الملك الشاب بمحبة الشعب بفعل شبابه ووسامته وكذلك تواضعه واحترامه للقيم الاجتماعية والدينية وتلقيه لدعم شيخ الأزهر مصطفى المراغي وشخصيات عامة أخرى كالأمير محمد علي توفيق وعزيز المصري.
قام الملك بإصلاحات عديدة لتحسين حياة الفلاحين وبنى المدارس والمشافي والطرق وأقام أول نظام للضمان الاجتماعي في الشرق.
في الطريق إلى الهاوية
تشرح الكاتبة الظروف المعقدة التي أحاطت بالملك الشاب فوالده الملك فؤاد أراد له تربية مصرية، ولكنه أبعد عنه والدته الملكة نازلي ولم يسمح لها بأكثر من ساعة يوميا بقربه.
فرض الانكليز ميس تايلور لتشارك في تربية الأمير الطفل والتجسس عليه بنفس الوقت.
سافر إلى انكلترا وهو بسن الخامسة عشرة للدراسة في الأكاديمية العسكرية في وولويش، رافقه مبعوثين للملك فؤاد وهما أحمد حسنين باشا المتهم لاحقا بكونه عشيق والدته الملكة نازلي، والجنرال عزيز المصري.
كانا الرجلان متناقضان في طريقة تعاملهما معه.
تلقى فاروق خبر وفاة والده أثناء فترة دراسته القصيرة في انكلترا بطريقة صادمة.
أحداث جسام وحروب
توقيع المعاهدة البريطانية المصرية عام ١٩٣٦ واندلاع الحرب العالمية الثانية، خلافاته مع حزب الوفد وتأرجحه بين القومية العربية وفكرة الخلافة الإسلامية.
إهانة عابدين
خشي الإنكليز من تصاعد نفوذ الملك ومن انضمامه صراحة إلى دول المحور، قام المندوب الإنكليزي في مصر مايلز لامبسون بتوجيه حملة عسكرية ضد الملك ودخل عنوة إلى القصر في الرابع من شباط فبراير ١٩٤٢ ووضع أمام الملك أحد خيارين التنازل عن العرش أو تكليف زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس برئاسة الحكومة.
انتهت هذه المرحلة في ١٩ تشرين الأول اكتوبر ١٩٤٢ عقب انتصار الحلفاء في معركة العلمين.
هرقل الشاب الذي تحول إلى أشلاء ملك
تعرض الملك لإحساس بالمرارة من خذلان الحاشية وأصيب باكتئاب عصابي مزمن.
راكم أخطاء سياسية لا تغتفر وأصابه التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرارات.
كانت حرب فلسطين ١٩٤٨ وصفقة الأسلحة الفاسدة بداية النهاية لحكمه، وقبلها اغتيال امين عثمان في عام ١٩٤٦
صعود الإخوان المسلمين والصراعات السياسية بين الأحزاب المختلفة.
حريق القاهرة وثورة يوليو
الإنذار الأخير قبل نهاية حكم الملك، ورغم أنَّ قائد الجيش حيدر باشا زود الملك مبكرا بقائمة كاملة لتنظيم الضباط الأحرار إلا أنه لم يحرك ساكنا.
أهمل شؤون الحكم حتى قيامه بالتواصل مع حكومته من خلال مكتب المطبخ الملكي.
سرَّع الضباط الأحرار في حركتهم وأجبروه على التنازل عن العرش.
النهاية
أمضى الملك فاروق سنواته الأخيرة في إيطاليا، ظل لبضع سنوات يأمل أن يعود ملكا على مصر وخصوصا أثناء حرب ١٩٥٦ لكن حلمه تبدد.
استمر في أسلوب حياته الباذخ حتى وفاته في مطعم جزيرة فرنسا في روما بعد تناوله العشاء برفقة آنا ماريا غاتي بحدود الساعة الواحدة ونصف صباحا ولم يكن قد تجاوز الخامسة والأربعين من عمره.
دفن الملك في القاهرة بحضور شقيقتيه فوزية و فائقة واثني عشر شخصا من مختلف فروع العائلة المالكة السابقة.
العنوان الأصلي للكتاب:
Le roi Farouk, un destin foudroyé
المؤلفة:
Caroline KURHAN
اللغة: الفرنسية
عدد الصفحات: ٢٢٩
الناشر: رفينوف- فرنسا
تاريخ النشر: ٢٠ حزيران عام ٢٠١٣م.

كارولين كورخان: كاتبة ومؤرخة فرنسية، عاشت في مصر لمدة خمسة عشر عاما، من مؤلفاتها: أمراء وأميرات النيل- قصور مصر المنسية- محمد علي المصري، نابوليون الشرق…

فراس ميهوب
2023/05/21