المجلة الثقافية الجزائرية

هل ينهار الغرب؟ سؤال متكرر وإجابات شتى

 بقلم: عمرو منير محمد*

عندما يطفو سؤال بسيط عن مدى قدرة الحضارة الغربية على البقاء و الصمود والتماسك أمام كافة التحديات التي تواجهها .. نجد أن هناك حالة من الاستنفار و التحفز من ألتراس الغرب في عالمنا العربي و الإسلامي و حتى في دول الشرق العالمي مثل روسيا والصين و الهند ممن يؤيدون التجربة الغربية بكل ايجابياتها و سلبياتها مهما كانت النتائج و الملابسات و هؤلاء يتبنون طرح فرانسيس فوكوياما والذي يتبنى نظرية نهاية التاريخ …

اعتمدت تلك النظرية على مبدأ نهاية التاريخ وعصر الإيديولوجيات، وأن مرحلة جديدة بدأت ،تتميز بالبراجماتية وغياب التعصب الأيديولوجي، وسيادة العقلانية القانونية، مع سيادة النموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي الابدى ليكون الشكل النهائي و الوحيد للتطور السياسي و الاجتماعي العالمي خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتى السابق وانتهاء الاشتراكية …

اعضاء ألتراس الغرب لا يستطيعون مناقشة فرضية انحلال الحضارة الغربية و التي كغيرها من الحضارات تنمو كالبشر فلها طفولة و شباب و رجولة و نضج ثم شيخوخة فزوال و هذا الطرح تناوله الفيلسوف العربي الشهير ابن خلدون في مقدمته الشهيرة و طور تلك الفكرة بأستفاضة و بشكل تطبيقي على الحضارة الغربية الفيلسوف الألماني الشهير و المؤرخ أوسفالد شبينغلر وطبع الجزء الأول من كتابه (انحدار الغرب ) في صيف عام 1918، ثم راجعه أوسفالد في 1922 وطبع الجزء الثاني تحت عنوان( نظرات في تاريخ العالم ) في طبعة 1923..

هذا الكتاب كتبه شبينغلر في فترة الحرب العالمية الأولى والتي رأي فيها كيف تتحارب دول الحضارة الغربية فيها من أجل أسباب لا تمت بصلة للرقي الإنساني أو الحضارة الغربية و للعلم فشبينغلر كان يرى أن الحضارة هي الشكل الجامد من الثقافة عندما تصل فيه ثقافة شعب إلى حالة من التجمد وعدم قدرة على التكيف مع أي تغيرات جديدة …

كتاب انحدار الغرب يمتلئ بالأمثلة و النماذج التي تؤكد فرضية الكاتب بانهيار الحضارة الغربية بالرغم من قوتها الصناعية والعسكرية الواضحة وقتها وهنا نحن لسنا في صدد التشفي أو العداء للحضارة الغربية والتي لا ينكر أحد اسهاماتها الجليلة في تطور الحضارة البشرية جمعاء ولكن الهدف هو تطبيق مؤشرات شبينغلر على وضع الحضارة الغربية حالية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين حيث يظهر للجميع تلك الأزمة التي تعايشها الحضارة الغربية والتي طالما تغنى بها مريدوها في باقي أنحاء العالم و ذلك عن طريق طرح مجموعة من الأمثلة تتشابه مع مؤشرات شبينغلر كمعيار و سنحاول ان سنستكشف مدى مطابقة واقعنا الحالي بطرح الكتاب والذي يبدو أنه صالح كمقياس اجتماعي حتى وقتنا هذا ..

لو دققنا النظر حولنا سنجد أن هناك العديد من الأمثلة في الغرب تتماشى مع دلالات الانحدار كما وصفها شبنغلر و من تلك الأمثلة الآتي:

١) الإفراط في التحضر و المدنية عن طريق ترك السكان للريف و العيش في المدينة و نلاحظ هنا أن المدن أصبحت في العالم الغربي ضخمة بالفعل و سكانها لا يقومون بشئ انتاجي فعلي له قيمة بل على العكس يعيشون في المدن حياة الترف و الاستهلاك بلا أي توجه انتاجي يماثل حياة الريف و هذا دفع بالعديد من بلدان الغرب حاليا لتشجيع الهجرة الداخلية مرة أخرى إلى الأرياف التي تكاد تخلو من السكان عن طريق توفير الحوافز الاقتصادية..

٢) الانهيار الديموغرافي الناتج عن تناقص المواليد حيث يرفض الشباب الإنجاب حيث لا يجدون مستقبل أفضل لهم كما أنهم لا يريدون تحمل مسئولية اضافية في عالمهم الممتلئ بالضغوط مما أدى إلى حدوث تناقص سكاني لا يستطيعون تعويضه إلا بالمهاجرين..

٣) التفاوت الكبير في حجم الثروات بين المواطنين فنجد تقريبا أن 0.5% أو أقل من نصف في المائة يملكون معظم الثروات و يتحكمون في معظم الموارد فالأغنياء يقودون دفة الاقتصاد و السياسة ويسيطرون على كافة النشاطات من اعلام و مال و معلوماتية و صناعة الدواء بحجم دول تقريبا …

٤) الانخراط في الحروب يتم مؤخرا في الغرب بجنود الدول الأخرى فمثلا تم تدمير العديد من الدول المناهضة بحروب أهلية مدعومة غربيا و حرب أوكرانيا وروسيا هي حرب بالوكالة لصالح الغرب و هذه الطريقة في دفع الآخرين للقتال لتحقيق الأهداف ترجع إلى غياب الروح الوطنية في العالم الغربي الذي لم يعد يخوض الحروب لأسباب عادلة ..

٥) الرق من نوع آخر عن طريق انخراط الفتيات في الغرب للعمل بالمواقع الإباحية و التي انتشرت حتى أن بعض المواقع تجذب الفتيات بأعداد كبيرة بشكل قانوني عن طريق تسجيل حسابات خاصة لكل فتاة تريد كسب المال عن طريق المتاجرة بالجسد …

٦) الاعتماد المفرط على الآلة و هنا مفهوم الآلة عند شبينغلر كان يواكب الثورة الصناعية في بداية القرن العشرين لكن حاليا الآلة من الممكن أن تمثل لنا التكنولوجيا و كل ما تحتويه من وسائل رفاهية مفرطة..

٧) الهجرة الكبيرة من الخارج للدول الغربية و تأتي كوسيلة لسد العجز في العمالة الرخيصة في المهن التي يحتاجها المجتمع هناك خصوصا في المهن الدنيا التي يعزف عنها المواطنون الأصليون مما أدى إلى حدوث مشاكل ثقافية في تلك المجتمعات بدخول ثقافات دخيلة مما أدى إلى ضعف التماسك الاجتماعي..

٨) الابتعاد عن التجنيد الإجباري و عزوف الشباب عن الالتحاق بالجيش بالرغم من الحوافز الممنوحة لهم و ذلك بسبب عقود متوالية من تمجيد الذات و الفردية المطلقة .. ظهرت هذا المشكلة جلية في الحرب الأوكرانية الروسية عندما بدأ الغرب يدعوا مواطنيه لأحتماليه الحرب وضرورة التجنيد العام لتظهر دعوات بين الشباب ترفض أن يتم تجنيدهم من أجل حرب لا تعنيهم و تخص النخب الحاكمة فقط..

٩) الإبادة الجماعية كنموذج متكرر في الحضارة الغربية و يتكرر مهما تطور الغرب في منظومته الأخلاقية و شملت تلك الابادة للسكان الأصليين للشعوب المستعمرة مثل الأفارقة في قلب القارة الأفريقية مثل الكونغو من قبل البلجيكين و في نامبيبيا من قبل الألمان و الهنود الحمر في الأمريكتين من قبل البيض الغربيين و الهنود في الهند من قبل الانجليز و الجزائرين من قبل الفرنسيين و اليهود والغجر في ألمانيا الهتلرية و مؤخرا الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة من قبل الإسرائيلين المدعومين غربيا… كل تلك النماذج تؤكد أن الإبادة هي وسيلة ثابتة في الحضارة الغربية للشعوب المحتلة و التي كان يتم إباداتها اذا أبدت أي صورة من صور المقاومة ..

١٠) تفكك الأسرة فى الغرب كنواة للمجتمع مع تفشي ظواهر مجتمعية شاذة مثل الاغتصاب حيث مثلا تتعرض 1900 إمراة للاغتصاب بشكل يومي فى الولايات المتحدة، 20% من جرائم الاغتصاب تجري من قِبل الأباء/و26% من قِبل الأقارب.

١١) الديمقراطية التي هي من أهم مميزات الحضارة الغربية تحولت مع الوقت الي عملية شكلية تتحكم فيها نخب بعينها و تتسم بالبيروقراطية والانقسام الداخلي.

وهنا حدث ما حذر منه شبينغلر أن الحضارة الغربية ستصبح مستعمرة للآلة والمال.

١٢) انهيار منظومة القيم الدينية والأخلاقية في طليعة أسباب سقوط الحضارة الغربية، ويتناغم ذلك مع ما قاله المؤرخ الأمريكي؛ “ويليام ديورانت” الحضارات العظيمة لا تنهزم إلا عندما تدمِّر نفسها من داخلها”، وقدم مثالا بالحضارة الرومانية حين قال: والأسباب الرئيسة لانهيار روما مثلاً والحضارة الرومانية؛ تكمن في شعبها وأخلاقياته”

١٣) تآكل الثقة التدريجي بين المواطنين و النخب الحاكمة و التي تختلف تواجهات كلا منهم عن الآخر فالنخب عولمية التوجه تؤمن بالتجارة الدولية والاستعانة بالمهاجرين لخفض التكلفة في الإنتاج بينما المواطنون الأصليون يهتمون بالتوظيف و الرفاهية الاجتماعية و الحفاظ على الأشكال التقليدية في المجتمعات …كل ذلك يؤدي تدريجيا إلى انهيار العقد الأجتماعي و تزايد التباعد الطبقي و العزوف عن المشاركة السياسية.

قد يجد البعض أن تلك الأمثلة السابقة قد لا تتعلق بعضها بالغرب في حد ذاته وانها قد تكون قاسم مشترك مع بعض الحضارات الأخرى القائمة و لذا وجب التنويه أن المقصود من المقال إجابة سؤال يطرح نفسه بشكل متكرر بين حين وآخر عن إمكانية أفول الحضارة الغربية لأنها هي المتصدرة للمشهد الانساني منذ قرون بعيدة و أعتقد أنه لا توجد حضارة صاعدة حاليا أو حتى قائمة تتجمع فيها كل تلك المؤشرات والدلالات في آن واحد مما يؤكد أن الانحدار قد بدأ بالفعل وهو سُنة زمنية حيث كما ذكرنا أن الحضارات مثل البشر تنمو و تبلغ من القوة والشدة ما يجعلها تبزغ و تزدهر ثم ما تلبث أن تُصاب بنفس الفيروسات الاجتماعية و السياسة و الاقتصادية التي أصابت غيرها من الحضارات البشرية التي قد خلت و مع ذلك يبقى هناك أمل أن تحاول الحضارة الغربية بكل من تملك من مخزون معرفي و طاقات بشرية على إبطاء عملية الانحدار إلى أطول فترة ممكنة لتذبل كحضارة بالتدريج و في صمت بدلا من السقوط المدوي و الحاد و الذي لو حدث سيكون بمثابة وبالا لا يقتصر فقط على مواطنيها بل سيمتد ليشمل الحضارة البشرية جمعاء…

 

*كاتب وروائي مصري