المجلة الثقافية الجزائرية

يا بحر!

محمد حسين السماعنة- الأردن

 

أيقظ محمد ابن أبي جمال وأولاده الفجر، أزاحوا ستارة الليل بنبض دفاق، رموا أرجلهم للريح حتى وصلوا الشاطئ…

وقفوا على طرف لسان اللهفة ينتظرون الفرصة المناسبة ليلقوا ما بأيديهم من زجاجات مملوءة بالحبوب في البحر الذي ينظر إليهم باستغراب ودهشة، عله يأخذها للأطفال الجوعى الذين يلوحون لهم من بعيد.

ولما طال انتظارهم تلك الفرصة، وعلقت الشمس فوق رؤوسهم سياطها صاح ابن أبي جمال: “من يمسك عني هذا الموج الغاضب قليلا، من يحبس أنفاسه لحظتين، من يقيد يديه، من يملك الشجاعة ليقول لهذا البحر: قدك اتئد؟”.

لم يعبأ البحر بتعب محمد، ولم يكترث لشكواه، ولم يستمع لصراخه

صاح محمد بصوت مرتج:

“طال وقوفي على شاطئك أيها البحر بانتظار أن تقلّب وجهك وجهة أرضاها، لا تقف في صف الظلم وإلا …”

فضحك البحر وقهقه حتى بانت نواجذه، تثاءبت الزجاجات، انتفضت غاضبة، حاولت الإفلات من بين أصابع محمد ابن أبي جمال المنهكة، فشدها إليه بقوة أكبر.

أعدّ محمد ابن أبي جمال نفسه لاغتنام فرصة انكسار موجة ليبسط كفيه لها، فسمّر عينيه على الموج، وركز شفتيه في صفيح ساخن من الانتظار، ليهدي نبضه المتدفق عله يهدي اليوم بعضًا من الخير المتوثب في دمه…

كيلو عدس

كيلو أرز

كيلو فاصولياء

كيلو فريكة

كيلو برغل

“في كل زجاجة كيلو، والبحر لما يفتحْ لي ذراعيه لأشرع بإلقاء قصائدي الموزنة على بحر القهر والحسرة والغضب وتعذيب الضمير…

صوت في أعماقه يناديه: هيا، يا محمد ارم وكبر”

ـ الله أكبر

تسير الزجاجات في الماء، تتلاقى حينًا وتتباعد حينًا، ومحمد ابن أبي جمال يراقبها، ورجاء عميق في عينيه يحاول أن يقودها نحو ذلك الشاطئ الجائع الذي يناديه من بعيد…

تختلط على صفحة الماء أمام عيني محمد ابن ألي جمال صور الأطفال الجوعى بصور أشلاء الأطفال الذين قصفتهم الطائرات السوداء والحمراء والبيضاء بصور أعين دامعة لمجموعات المنتظرين اليائسين بالماء المالح الذي يربت على صدر الزجاجات حينا، ويلطمها بقسوة حينا، ويسكنها حينا، ويقذفها حينا، فيصيح محمد ابن أبي جمال: يا الله!

ويثور البحر مرة أخرى، يرفع موجه الزجاجاتِ عاليا في السماء، يلقيها في الماء المالح ليتلقفها قلب محمد ابن أبي جمال وعيناه، فيهدئ روعها بنبض ثائر، يسحبها الموج بعيدا عن الشاطئ فتغيب عن عينيه يفرح يتهلل وجهه.

– بابا، لم لا نرسلها لهم بالشاحنات؟!

هز محمد ابن أبي جمال رأسه وعيناه مغمضتان وشفتاه ملتصقتان بحرف مخبوء.

– “عنجد بابا، ليش ما نرسل الزجاجات بالبريد السريع؟!”

– يا بابا الاحتلال سكّر الحدود كلها ومنع إدخال المساعدات.

تنتفض أعين الأطفال، وهم يشاهدون بكاء الأطفال الجوعى، تشهق عيونهم بالدمع، تغص بحسرتها تتساقط نظراتهم على رمل الشاطئ على وقع أصوات انفجارات ضخمة على الشاطئ الآخر.

يقف محمد ابن أبي جمال بغضب، يضرب التلفاز بعصاه

” ذاك الطفل الذي وقف على بوابة عمري في التلفزيون، وقال لي إنه جائع أغلق خلفه طعم الأشياء كلها في عمري، وكشف عورة العجز التي تعشعش في دمي.

ها ألقينا للبحر خمس زجاجات ثقال ليتلقفها طفل غزاوي ويسعد لرؤيتها، سيحملها بفرح ليعطيها لأمه …لكن، قد يكون بلا أم أو أب فآلة القتل الصهيونية هناك تتصيد الآباء والأمهات. والأخبار التي تصلنا من غزة تقول: …ومن لم تقتله الطائرات، أو لم تخطفه من حضن المعاناة سيقتله الجوع … إن لم يكن له أم سيأكله هو، ولكنه طفل! كيف سيطهو العدس والفاصوليا و …؟!

يرتخي البحر ويفرد ذراعيه، تسترخي أمواجه على وجنتي البحر ومحمد وأولاده يراقبون صفحة الماء ليعرفوا إن خط عليها القدر سطرا مفرحا أم لا.

ولم يمضِ وقت طويل حتى هاج البحر مرة أخرى، هاجمت أمواجه الشاطئ بضراوة، ورمت زجاجات مملوءة بالعدس والأرز والفاصولياء…

وفي البعيد رأوا أشباحا ضخمة لها أيد كثيرة، وأنياب لامعة تراقص الموج بزهو وخيلاء وغرور تلوح لهم باستهزاء وشماتة…