عزالدين بوركة*
لا يمكن تجزيء “ما بعد الحداثة” عن ثالوثها الكبير والأهم و”المرجعي”، يتعلق الأمر بـ”السرديات الصغرى” (ليوتار)، كنقيض للسرديات الكبرى للحداثة (السعادة، التقدم، العقلانية…)، وبـ”اللعب” (دريدا)، كمقابل للتعقل والرزانة، وبـ”السيمولاكر” (بودريار)، عكس الأصل والتفرد والفرادة؛ ويمكن ربط هذا الأخير (أي السيمولاكر) بزوال هالة العمل الفني والأصل حسب والتر بنجامين وحلول عصر إعادة الإنتاج التقني.
ولا يمكن فصل كل هذه الأمور عن فلسفة نيتشه وعدميته الإيجابية، المضادة للعدمية السالبة، وأيضا ما توصلت له المدرسة التحليلية مع نيلسون غودمان وأرتور دانتو، وحتى قبلهما مع لودفيغ فتغينشتاين وما سماه بـ”الألعاب اللغوية”؛ إلا أن الفضل الأهم يعود إلى إيهاب حسن الذي صاغ “التعبير ما بعد الحداثي” لتبويب الأدب والفن (مسرحا ورقصا وسينما وتشكيلا…) الذي انعطف انعطافا حادا عن طريق الحداثة.
ويضاف إلى هذا كله الرؤية اللاعقلانية التي جاءت كرد فعل مهدم لكل ما سعت العقلانية الحداثية إلى بنائه من أجل مجتمعات منضبطة ومهيكلة تنفي عنها كل تفكير لا يتلاءم و”العقل”. إذ يعرض الأدب ما بعد الحداثي، أزمة هوية الإنسان (الثقافية والاجتماعية والجنسية والإثنية) وكفاحه لنيل الشرعية في مجتمع منافق.
لقد عولجت هذه الثيمة من قبل مؤلفين آخرين من قبل، ولكن معالجتها المنهجية، يقول كوشنير جاروسلاف، جاءت بعد حركة الحقوق المدنية في الستينات (مارت لوثر كينغ، وحقوق الأقليات الإثنية أو الاجتماعية أو الجنسية)، والمظاهرات الطلابية والمسيرات ضد الحرب في الفيتنام التي اجتاحت أميركا وأوروبا. قادت تلك التغيرات إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة العامة وعلى المزيد من الامتيازات وفرص التعليم والنشر للأقليات في البلدان الغربية.
الفوضى والكولاج
صدرت رواية “راقبونا نرقص” في الثالث من فبراير، وهي الجزء الثاني من ثلاثية “بلد الآخرين” حول تاريخ المغرب والحفر الأدبي في التاريخ العائلي، مع الانفتاح على التاريخ العام.
في الرواية الجديدة نجد حساسية الكاتبة المعهودة التي تأتي لإغناء الشفافية وسعيا للقدرة على التأثير والنفاذ إلى النفوس، وهي من الميزات التي ترسخت عند الكاتبة مع تعاقب أعمالهـا.
ونصادف في هـذا العمل من جديد تلك القراءة الحميمية والوجدانية العميقة لتاريخ الكاتبة العائلي بكل تعقيداته، وتجذره في مجتمع ذكوري هش ومغرب مستقل ما يزال يواجه الأمرين من أجل بناء هوية جديدة.
وتغوص الرواية في أجواء مغرب الستينات، في حقبة تصفها الكاتبة بأنها “بالغة الأهمية نظرا إلى التباسها الكبير”.
وتأخذنا الكاتبة في رحلة مثيرة في خفايا عائلة بلحاج، عشية مايو 68 في المغرب، في بلد ما يزال يكافح من أجل إيجاد هوية خاصة، بعد أكثر من عشر سنوات على انتهاء الاحتلال.
وفي نهاية روايتها السابقة “الحرب، الحرب، الحرب”، الجزء الأول من ثلاثية “بلاد الآخرين”، نترك كلا من شخصيتي ماتيلد وأمين، وهما زوجان من أصل مغربي وألزاسي، يناضلان في بلد مليء بالنار والدم والتمرد، لنعود في رواية“راقبونا نرقص” ونجدهما في أبريل 1968، إذ استعاد حينها المغرب هدوءه واستقلاله.
ومن خلال العمل الجاد والمثابرة، حوّل أمين الأراضي القاحلة التي ورثها عن والده إلى مزرعة حديثة ومزدهرة، ويختلط إثر ذلك الزوجان بالبورجوازية المحلية، حيث يختلط المغاربة الأغنياء مع الفرنسيين الأثرياء الذين بقوا في المغرب بعد استقلاله.
وندخل في علاقات عائلية متشابكة تسرد من خلالها الكاتبة بذكاء أزمة الأجيال وأحداثا هامة في تاريخ المغرب، خاصة وأن فترة الستينات وبالذات مايو 68 له رمزية خاصة في فرنسا، بما شهدته فرنسا من اضطرابات ومظاهرات واعتصامات في الجامعات والمصانع عمّت جميع أنحائها ابتداء من مايو في عام 1968، واستمرت نحو سبعة أسابيع أدت إلى تغيير جذري في فرنسا وفي دول أخرى أيضا.
وتلاحظ ماتيلد حياة الأثرياء، وقريبا سيكون لها بدورها مسبح خاص، أما ابنتها عائشة، “الذكية دائما والمتوحشة دائما”، فقد سافرت إلى ستراسبورغ لدراسة الطب، بينما أنهى شقيقها الصغير سليم تعليمه عند حدود المدرسة الثانوية كأفضل ما في وسعه أن يبلغه. الجميلة سلمى، شقيقة أمين، تجد صعوبة في تربية طفلها إلى جانب مراد، الزوج الذي فرضه عليها أمين. عمر، شقيق أمين، تعامل مع القوميين قبل الاستقلال، وهو الآن في خدمة السلطة لتعقب أعداء الملك، كلهم شخصيات نتابع مآلاتهم ومآلات أبنائهم في تأريخ لعائلة ولحقبة زمنية هامة لا في المغرب فقط وإنما في العالم ككل.
رحلة مع الشخصيات
تتعمق سليماني في شخصياتها وتنقحها، وتشاركنا المشاعر التي تمر بها، فنجد مثلا أمين وفخره كرجل وفلاح مرتبط بأرضه، وماتيلد الرائعة التي دخلت مرحلة النضج وصارت أمّا قلقة وزوجة متفهمة، ولا تزال تحافظ على حبها لأمين رغم خياناته. وفي هذا الجزء الثاني أيضا، نشهد أيضا ازدهار شخصية عائشة لتصبح “امرأة مزهرة” وتلتقي بالحب. ونشارك في آلام سلمى وسليم، ومشاعر الطفل الذي تدلله أمه كثيرا ويحتقره والده، ليتحول إلى حالم بالهجرة إلى الولايات المتحدة، ولكنه يفقد نفسه في سفاح القربى قبل أن يختفي في “أبخرة الجنة الاصطناعية للهيبيز”.
ومن خلال شخصياتها النسائية ترسم الروائية ببراعة طريق التحرر الصعب للمرأة في بلد يتميز بالسلطة الأبوية وبطء التغيير، بسبب العادات المتجذرة بعمق واستبداد السلطة الذكورية والسياسية حينها. وتكشف لنا هذه القصة المتداخلة بين الخاص والعام، بقلم واثق لا ينتهج زخرفة التاريخ، بجمل قصيرة محملة بصور حسيّة مذهلة.
يغمرنا نص سليماني في أجواء عصر ما وفي مشاعر أبطال هذه العائلة الرائعة، واللوحات الجدارية التاريخية والرومانسية، لنجد أنفسنا نطالب بالمزيد من حكاية هذه الشخصيات.
وفي تصريح إعلامي لها أكدت الكاتبة سليماني أن هذا المؤلف يتطرق إلى جانب من حياة عائلة مقيمة بالمغرب منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
وأوضحت “إن القصة مستوحاة من حياتي، في ظل عائلة بسيطة تجمع بين جدة من أصل فرنسي وجد مغربي”، مشيرة إلى أن هذين الأصلين يحكيان تاريخ أبناء أجدادهما.
ويشار إلى أن الكاتبة ليلى سليماني تعتبر اليوم من أهم الكاتبات في المشهد الأدبي الفرنسي، وقد ترجمت رواياتها لأكثر من 40 لغة وحازت العديد من الجوائز. وهي في الأصل صحافية وكاتبة فرنسية – مغربية، من مواليد 1981 بالرباط. وقد تخرجت من معهد الدراسات السياسـية بباريس، حينها عملت سنة 2008 بمجلـة ”جون أفريك” إذ عالجت سلسلة من المواضيع ذات صلة بشمال أفريقيا.
وانتقلت إلى فرنسا لتصـدر هناك سنة 2014 روايتها الأولى لدى دار غاليمار للنشر بعنوان “حديقة الغول”، ثم رواية “أغنية هادئة” الحائزة على جائزة الغونكور في 2016 والجائزة الكبرى للقارئات. وفي سنة 2017 تم تعيينها ممثلة شخصية للرئيـس الفرنسي إيمانويل ماكرون للفرنكوفونية.
*العرب




