د. عبدالوهاب القرش
يقول الشيخ محمد الغزالي-رحمه الله-: “المطلوب من الإنسان ألا يدع عقله مطية لهواه، وألا يجعل خصائصه الأدبية الرفيعة طيعة لغرائزه الدنيا، ولأثرته الخاصة، فإنه إن فعل ذلك أهلك نفسه ومن معه على سواء.. فالإنسان الصالح ليس صاحب العقل الكبير فقط، بل ينبغي أن يكون كذلك صاحب قلب سليم وضمير يقظان وقدرة على كبح نفسه وامتلاك رغبته. ﻭﻟﺒﺎﺏ الدِّين هذه ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﻣﺎ يضبطها ﻭﻳﻨﻤﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩﺍﺕ.. بيد ﺃﻥَّ ﻫﻨﺎﻙ ﻧﺎﺳﺎً مرضوا ﻛﻤﺎ ﺗﻤﺮﺽ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ ﻭﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ونسوا كلاُّ أو جزءاً مما ذكرنا ! وليتهم لما مرضوا نشدوا العافية كي يحيوا أصحاءَ، لقد حسبوا أمراضهم هي الأصل، أوهي طبائع الأشياء، وأرادوا فرض ذلك على الدين والدنيا “.
وقُدر لي السفر والتجوال كثيراً في أرض الله وبلاده، وشاهدتُ العواصم الباهرة، كباريس ولندن وبرلين وأمستردام، ومدريد واسطنبول وقازان، وطشقند، كما تجولتُ في القرى والكفور الحزينة؛ مثل: كفر الشوبك، وعزبة أبو صفيح، وعرب اطحيمر والصوالحة وجهينة والعليقات! وكنت في كل سفرة أو ترحال كان يطاردني الناس بسؤال من هؤلاء القوم الذين ذكرهم الشيخ محمد الغزالي؟ وما هي محنتهم العقلية؟ وما هي الأماكن التي يتواجدون بها؟ وكيف نتعوَّذ منهم؟ إلى غير ذلك من التساؤلات..!
وكنت أقول لهم في كل مرة: أنهم الوهابيون الذين احتكروا مصطلح(السلفية)، واشتُهِروا به، وهم الذين غلَّبوا ظاهر النص؛ على الرأي والقياس والتأويل، وغيرها من سبل النظر العقلي، فوقفوا عند الرواية متجاهلين الدراية، وحرموا الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة، وهؤلاء الذين يطلق عليهم (أهل الحديث) لاشتغالهم بصناعة المأثور وعلم الرواية، ورفضهم علوم النظر العقلي. فجعلوا ظاهر النصوص مرجع الدِّين الوحيد، رافضين ما عداها، ومفضِّلين ظواهر النصوص دون التفكير فيها، وما تحمله من رؤى عميقة، ودلالات عديدة، واشراقات بعيدة!
واسترسلت لهم في القول: بأن هؤلاء القوم لقد ران على عقولهم أطنان من الصدأ، وتلال من الجهل، وجبال من الأوهام، وسائر مخلَّفات عصور الانحطاط، وطبع الله على قلوب هؤلاء الأعراب .. فهم لا يفقهون!
فمن ضراوة الحجب التي رانت على العقل الوهابي؛ أنهم يتعصبون لعادات راكدة وتقاليد بالية؛ حتى لوْ خالفت نصوص الوحي المبين!
ومن ضراوة الحجب التي رانت على قلوب الوهابيين؛ أنهم عندما يقرأون قصص القرآن؛ يقرأونها للتسلية، وعندما يسمعون أنباء الحضارات السابقة والأمم الهالكة؛ وكأنَّ الكلام لغيرهم!
ومن ضراوة الحجب التي رانت على بصائر الوهابيين؛ أنهم يشعلون المعارك الكبرى من أجل مسائل تافهة يستوي العلم بها مع عدم العلم!
فليس صراع الوهابيين من أجل نشر الإسلام، وإنما من أجل خلق البلبلة، وإثارة الفتن، وجر الأمة إلى مجاهل السبل!
فلمْ نسمع أحداً منهم يتحدث أوْ يكتب عن سنن الله الكونية في بقاء الأمم وهلاكها.. والتي شغلت النصيب الأكبر من الوحي الكريم!
لكنهم شغلوا أنفسهم، وشغلوا مجتمعاتهم البائسة بمسائل خلافية ساذجة في كتب الفقه والحديث، لا يعدو أن يكون الخلاف فيها وجهات نظر، تختلف باختلاف الزمان والمكان.. والمجتهدون فيها عرضة للصواب والخطأ … كمسائل القنوت في صلاة الصبح، والحجاب والنقاب، وغير ذلك … ليكن هذا أوْ ذاك، وليختر مَن يشاء ما شاء، فما يقوم الدِّين ولا ينهدم برأي هذا المذهب أوْ ذاك… إنما يضيع الدِّين والدنيا معاً؛ باستحكام الأثرة، وإطاعة الهوى، والغفلة عن سنن الله الثابتة في استخلاف الصالحين، والتمكين للظالمين والطغاة والمفسدين!
وفي هذا يقول الشيخ رشيد رضا –رحمه الله-: “لمْ يقصِّر المصنِّفون من المتقدمين والمتأخرين في شيء من علم الكتاب والسنَّة؛ كما قصَّروا في بيان ما هدى إليه القرآن والحديث من سنن الله تعالى في الأمم، والجمع بين النصوص التي وردت في ذلك، والحث على الاعتبار بها. ولوْ عُنوا بذلك بعض عنايتهم بفروع الأحكام، وقواعد الكلام؛ لأفادوا الأمة بما يحفظ دينها ودنياها. وهو ما لا يغني فيه التوسع في مسائل النجاسة، والطهارة، والسلَم، والإيجارة، فإن العلم بسنن الله تعالى في عباده لا يعلوه إلاَّ العلم بالله تعالى، وصفاته، وافعاله، بلْ هو منه، أو من طرقه ورسائله.
وقد فطن لهذا الحكماء من العلماء، فقال أبو حامد الغزالي في بيان القدْر المحمود من العلوم المطلوبة –من كتاب العلم في الإحياء-: أمَّا القسم المحمود إلى اقصى غايات الاستقصاء، فهو العلم بالله تعالى، وبصفاته، وأفعاله، وسننه في خلقه، وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا، إنَّ هذا العلم مطلوب لذاته. ثمَّ فضَّل أبو حامد الغزالي أهل هذا العلم على جميع العلماء من متكلِّمين وفقهاء. وأيده في ذلك العز بن عبد السلام، حين استفتي فيه، فأفتى بصحته. وبيَّن الغزالي أن هذا العلم هو الذي امتاز به عظماء الصحابة –رضي الله عنهم. وأنه هو الذي عناه عبد الله بن مسعود حينما قال عند موت عمر بن الخطاب: مات تسعة أعشار العلم! ورواية أبي خيثمة: إني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم!! فقد كان عمر أبصر الناس بطبائع الشعوب، وأسباب ازدهارها، واندثارها، وكيف تبنى الدول، وتصان، وتنتصر، وتؤدي رسالتها… وسياسته في المال والحكم أمارة وعي عميق بالإسلام وغاياته.
لمْ نجد أحداً من كتائب الوهابية المدججة بالمال والسلاح، والمتخمة بأموال النفط؛ قام بإلقاء محاضرة أوْ خطبة عن الهزائم الاقتصادية التي أصابت الأمة، وشلَّتْ قواها.
ولمْ نجد أحداً من شيوخهم قام بتأليف كتاب عن الاستبداد السياسي الذي ابتُليتْ به الأمة، حتى كسر شوكتها أمام الأمم والحضارات الأخرى!
ولمْ نجد أحداً من قادتهم تطوَّع بتأليف كتاب عن قضايا التربية، أوْ التعليم، أوْ الإعلام… أوْ غير ذلك من القضايا الملحَّة في حياة الناس ومعاشهم!
ويا ليتهم قاموا بتنظيف الشوارع –مثلاً- أوْ شق المصارف، أوْ رصف الطرق، أوْ محو الأمية، وما شابه ذلك من الأمور التي تفيد الناس، وتخفِّف من آلامهم وأزماتهم.
إنما رأيناهم –من أسف- يتسابقون في رجم العلماء بوابل من السباب والشتائم، كما فعل سفهاء الأمم السابقة مع أنبيائهم!
رأيناهم يسارعون في تأليف الكتب المدفوعة الأجر مقدماً؛ لتسفيه العلماء، وتشويه الدعاة… ولمْ يسلم منهم أحد من السابقين أوْ المعاصرين!
رأيناهم وقد حوَّلوا المنابر والمساجد إلى ساحة للشتائم، والتنابز، والتناحر، وميداناً للإقتتال… بخطابٍ سلفيٍّ عقيم… يجب أن يطبَّق على أصحابه الباب المعروف في الفقه بــــــ”الملاعنة”!
وفي هذا يقول الشيخ أحمد الصاوي المالكي في تعليقه على الجلاليْن ما نصه: “وقيل هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنَّة، ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مشاهد الآن في نظائرهم، وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم “الوهابية” يحسبون أنهم على شيء، ألاَ إنهم هم الكاذبون، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألاَ إن حزب الشيطان هم الخاسرون، نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم”.
أخيـراً؛ إنَّ الوهابيين لفي ضلالٍ مبين!





