عبدالعزيز الظاهري
قام غاضبًا من فراشه، وأخذ يتمتم:
إنها خلية نحل، ذكور تُقتل، وإناث تعمل بلا كلل ولا ملل من أجل تلك البغيضة التي تهز أردافها وسط خليتها، عملها إنتاج الذكور لتشبع رغبتها ثم تقتلهم، وعاملات يطفن الأرض لإنتاج العسل لها.
إنها العدالة!
نظر إلى وجهه في المرآة، اقترب، اقترب، ورفع صدره ورمى برأسه إلى الخلف كديك يستعد للصياح، وجمع ما بداخل فيه، وزمَّ شفتيه، واندفع برأسه إلى الأمام ليرمي بمدفع لسانه حمم لعابه على صورته.
تراجع إلى الخلف، ونظر إلى أسفل قدميه، وقف ساكنًا، تسمرت نظراته، وكسا السواد وجهه، فصرخ: أين العدل؟!
أين العدل؟!
كيف لي العيش بماضٍ لم أصنعه، أصبح مزبلة للجميع، وقبحًا لم يجلب لي ولو قليلًا من عاطفة البشر، إنني صرصار، بل الصرصار أفضل مني، فهنالك من يهابه، وآخرون يرونه وجبة طيبة المذاق.
أين العدل؟!
ها، ها، يقولون: أول خسارة للملحد هو الأمل.
لماذا يُطلب منا – نحن الأشقياء – البحث عن الأمل في المستقبل.
بينما يعيشه الغير ويتمتع به في الحاضر.
هل هذا عدل؟!
أيجب أن أكون عبدًا متعبدًا أناجي، أقلب وجهي القبيح في السماء.
توقف عن الحديث مع نفسه، عندما شعر بضيق في صدره يكاد أن يفتك به، فخرج مسرعًا من داره، أقفل الباب وأسند ظهره عليه، وأخذ يقلّب عينيه بين الأرض والسماء.
فجأة، سمع خليطًا لأصوات قرع أنعل، وتهليل، فالتفت إلى مصدر الصوت، فشاهد جمعًا من الناس يظهرون من أحد أزقة الحي، يحملون نعشًا، يتبعهم رجل أعمى، يضرب الأرض يمينًا وشمالًا بعصا بدت وكأنها قرنا استشعار.
فقام من مكانه ومشى بمحاذاة الأعمى وسأله: من المتوفى؟
فقال: نجم.
فوقف وأخذ يردد: نجم!! أجمل الشباب صاحب الجاه والمال!
وبعد تردد لحق بالأعمى وسأله: ما سبب موته.
فقال له: انتحر.
فصرخ متعجبًا: انتحر!! لماذا؟
توقف الأعمى واقترب منه، ووكزه برأس عصاه، وقال: لو كان قلبك خاليًا من أدران الدنيا وشهواتها، لما سألت هذا السؤال.
وتركه وغادر مسرعًا، يتبع أصوات القوم.


