المجلة الثقافية الجزائرية

أغبياء!

عبدالعزيز الظاهري‬‎

بينما كنت في جلسة قهوة مع بعض سكان قريتنا نتسامر حول النار فوق تل رملي يطل على القرية رأينا مجنون القرية يصعد التل متوجها نحونا

عندها قال أحد الجالسين “اللهم سكنهم مساكنهم ” ، وما ان وصل قمة التل اتجه مباشرة وجلس بالقرب من ذلك الرجل صاحب هذه العبارة “اللهم سكنهم مساكنهم ” ، وزم شفتيه ، وطاف بنظره على الجميع فتملكت صديقنا الرهبة

وبعد لحظة صمت التفت اليه وضربه على فخذه وقال: اتعلم انني خرجت يوم أمس من منزلي وتوغلت في البراري كعادتي، وانا في الطريق الى المجهول رأيت امرأة في الثلاثينات من عمرها ذات بشرة بيضاء ناعمة عيونها واسعه سوداء بسواد الليل جالسة على كرسي من الخيزران وقد ربطت يديها حول صدرها بدت لي بصورتها تلك وهي تنظر الي كما لو كانت تحاول ان تخبرني بشيء ما

تركتها خلفي ولكنها بقيت في مخيلتي واخذت اسال نفسي متعجبا:

من اين جاءت هذه المرأة الجميلة؟ وكيف وصلت الى هنا؟ وما هي قصتها ؟!

وانا مشغول بمحاولة البحث عن إجابات هذه الأسئلة كان هنالك أيضا سؤال ارتفع يلوح بيده محتجا يردد: الم تراها عندما تم استقبالكم في الأرض المغفرة ؟!

الم تراها عندما أقام لك شيخ القبيلة الوليمة الفاخرة لابد أنك رايتها انها الشعرة البيضاء على ظهر الثور الأسود؟

اخذت اسال نفسي متعجبا وليمة شيخ ؟!

من هذا الشيخ ومن هذه القبيلة ؟!

فانا لم يصنع لي أحد وليمة في هذا الخلاء ولم ترى عيني شيخ قبيلة في هذه الصحراء

لكن هنالك شخص ما، كان يهمس في اذني قائلا: نعم انه سؤال منطقي لماذا لم تراها؟!

وانا على هذا الحال استمع الى ذلك الهمس المزعج الذي أجهل مصدره

 ظهر لي من العدم شاب اسمر طويل نحيل عينيه مثل عيني الحرباء لا تكف عن الدوران

استوقفني هذا الشاب والذي بدى لي من هيئة ثيابه وربطة عمامته انه مجنون مثلي كما ترددون ايه الاغبياء واخذ يتكلم معي بلهجة غريبة وهو متكا على عصا غليظة ويشير بيده الأخرى الى تلك المرأة  

حاولت ولمدة عشرة دقائق ان اتواصل معه لكنني فشلت وهو كذلك فشل في إيصال رسالته عندها رفع يده التي تحمل العصا الغليظة واخذ يلوح بها في وجهي بغضب ثم تركني وغادر

وما ان تركني ذلك المجنون ابصرت منزلا عن بعد فاتجهت مسرعا اليه وما ان وصلت بابه رفعت يدي وطرقته فسمعت شخص يردد بصوت خشن:

أرح يديك من طرق الأبواب، أرح حبالك الصوتية من النداء فصديق طفولتك، ما زال يعيشُ في ارض بعيدة لقد هجرته ايه الجبان، هيا ابتعد

وعندما سمعت ذلك الصوت تراجعت الى الخلف وما ان هممت بالرحيل وإذا الباب قد فتح وخرج لي رجل بعمري وبادرني قائلا:

الم تحضرها معاك لقد وعدتني ايه النذل ؟!

لم أرد عليه وهممت بالرحيل فصرخ علي قائلا: توقف والا صرخت على الذئاب انظر حولك انها مكشره عن انيابها تنتظر إشارة مني

توقفت مذعورا في مكاني نظرت حولي كان محقا لقد رأيت قطيع من الذئاب متحفزة تحوم حولي تنتظر الإشارة منه

عندها أشار الي بإصبعه وقال هيا ادخل فلدي رسالة وانت خادمي الذي ارسله لي القدر 

وما ان دخلت ضرب الجدار بكفه فاذا بسفرة عظيمة قد امتدت بها الكثير من اطايب الطعام عندها قال اّمرًا: سأتركك تتمتع بأكلك هيا اجلس ومد يدك فالطعام طيب حلال

جلست اجلسني الجوع واخذت اّكل بكلتا يدي حتى شعرت بالشبع وما ان انتهيت احسست بشيء يتسلل من خلفي فالتفت سريعا فرايته لقد كان ذلك الرجل اقترب مني وقال:

 انا اعرف سبب وجودك هنا وان خدمتني بفكرك لا بنشاطك ستصبح جميع امورك على خير ما يرام

كلامه هذا افرحني فقلت له بسعادة أمرني وسوف أكون لك نعم الخادم 

نظر الي لثوان ثم جلس بالقرب مني وقد سالت الدموع من عينيه وقال:

تلك الناعمةَ الغضة صعبة المراس لقد هجرتني بسبب ذلك الملعون أتعلم أنه رغم مرور السنيين على هجرها لي ما زالت مقيمة متربعة في قلبي وعطرها مختمرًا في كل ركن من اركان هذه الدار

انني اعاني فتلك العينين والتي هي سبب بلائي، كان التعامل معها صعب خاصة بعد ان سمم فكرها ذلك الملعون

عندها لا اعلم كيف تجرئت وقلت له ماذا قال لها وكيف سمم فكرها

فصرخ في وجهي وقام من مكانه وقال بغضب: هذا ليس من شانك انت خادم ارسلك لي القدر كي تحمل رسالتي الى ذلك القمر

فقلت له: وماذا عن عبارتك هذه “وان خدمتني بفكرك لا بنشاطك ستصبح جميع امورك على خير ما يرام”

فكيف لفكري ان يعمل إذا كان يجهل ؟!

عندها شعرت بالأعجاب يتراقص في عينيه فاقترب مني وقال :ان كلامك هذا يبعث الى روح رسالة فحواها ان الامل الذي طال انتظاره سيتحقق على يديك

على كل حال لن اخبرك بشيء ولكن اقترب اقترب مني وقام بإخراج قارورة من جيبه بداخلها سائل ازرق رائحته كريهة تصدع الرأس وتحرق العيون وقام بسكب هذا السائل فوق راسي واخذ يفرك شعري وما ان انتهى قام وفتح الباب وامرني بالخروج من منزله وهو يردد:

ستأخذك هذه الأرواح التي تسكن أجساد الذئاب الى سكن معذبتي اتبعها حيث تقودك لا ترعبك تكشيرة انيابها فهي لديها وظيفة واحدة كما اخبرتك تدلك الى دار الحبيب وتحميك من كل مخلوق غريب

خرجت من منزل ذلك الرجل اتبع تلك المخلوقات الشبيهة بالذئاب والتي كانت تتحرك مسرعة وانا اتبعها بخفة ونشاط حتى انني كنت اشعر ان قدماي لا تكاد تلمس الأرض استمرت هذه المخلوقات تعدو وانا خلفها

غابت الشمس واقبل الليل بظلمته وتزينت السماء بالنجوم وتلك المخلوقات تعدو وانا خلفها حتى افاقت الشمس من سباتها وظهرت خصلات شعرها من الأفق البعيد وصعدت بوجهها وانارت الأرض والسماء وانا ما زلت اجري خلف تلك المخلوقات التي تلبست بهيئة الذئاب

وعند الظهيرة وقد أصبحت الشمس في كبد السماء توقفت تلك المخلوقات امام صخرة عظيمة حمراء بلون الدم وسط كثبان رمال الصحراء ورمت بأجسادها وبدا عليها الإرهاق وشعرت انا كذلك بالتعب فجلست بالقرب منها اجر النفس

قمت مسرعا من مكاني عندما شعرت ان الأرض تهتز وتلك الصخرة الحمراء العظيمة تتحرك وما ان استقمت وتحركت قدماي وإذ بتلك المخلوقات تقوم مسرعة من مكانها وتحيط بي وهي مكشره عن انيابها عندها توقفت

ثوان وإذ بي أرى امرأة – وجهها هزيل مخيف وشعرها ابيض منكوش وعيناها واسعتان سوداء بسواد الليل عندها تذكرت تلك المرأة التي كانت تجلس على كرسي الخيزران

خرجت تلك المرأة المرعبة من تلك الصخرة التي خلت من أي باب وتوجهت نحوي وما ان اقتربت ركلت بقدمها احدى تلك الذئاب والذي وقف في طريقها رافعا راسه مكشرا عن انيابه فحلق ذلك الذئب عاليا حتى اختفى وتلاشى في كبد السماء

اخذت تطوف بعينيها المرعبتين على تلك الذئاب عندها رأيت تلك المخلوقات تخفض كامل اجسادها وترجع اذانها الى الوراء وتمتص شفاهها وهي تلهث بسرعة ثم اخذت تتدحرج على ظهرها وهي تكشف اعناقها والقسم السفلي من اجسادها لتلك المرأة وتوجه كفوفها نحوها وهي تأن وكأنها تطلب العفو 

عندها التفت تلك المرأة المرعبة الي واتجهت نحوي وان أقف كأنني صنم امامها وضربات قلبي تهز كل ركن من جسدي

مسكتني من ذراعي ونظرت في قعر عيني وقالت بصوت مرعب مخيف:

ما وراك، ماذا تريد؟

عندها شيئًا ما، شعورًا ما أطلق العنان للساني قد يكون بسبب الوعد الذي وعدني به ذلك الرجل  

” ستصبح جميع امورك على خير ما يرام “

  فقلت انا مجرد رسول حبيب أقول لك بكل ثقة: لم يكن من اللائق تركه يعاني بسبب ذلك الخبيث

صوبت المرأة عينيها المرعبتين في عيني وقالت: ومن هذا الخبيث ؟!

فقلت وانا اشعر بالخوف وتوتر: لا اعلم لقد سمعته يقول لا يمكن لمثلها أن تتغير بسبب ذلك الخبيث

نظرت إلي بحقد، وصرخت في وجهي قائلًة: هيا احمل كلابك هذه واغرب عن وجهي.

فهرولت مسرعًا وتلك الذئاب تجري مذعورة خلفي …… عدد من الأمتار ثم توقفت والتفت اليها فرايتها واقفة تنظر الي والشرر يتطاير من عينيها المرعبتين

وقفت حائرًا أتساءل: لماذا فعلت ذلك؟! أخذت أفكر، وأفكر ….. وبعد تردد مررت أصابعي المرتعشة على خصلات شعر راسي الذي تم دهنه بذلك السائل الكريه واقتربت منها بخطوات واثقة ومددت يدي المرتعشة نحوها وهي واقفة بثبات حتى لامست صدرها وقلت: أتعلمين ان ذلك العاشق دهن راسي بهذا الزيت السحري ومرغ يديه فيه رغم رائحته الكريهة لكي يحميني يحمي رسوله كي يصل الى محبوبته

اعتقد انه فعل ذلك ليخبرك بلساني ان صورتك في قلبه متربعة بدون خدوش انه مازال يرى بريق عينيك يسطع نوره ويسمع صوتك يهطل على مسامعه كحبات المطر.

الان علمت ان سبب هذا البلاء هو قلبك لا بد ان تشرعي أبوابه لمن يستحق، ومن يستحق يعيش هنالك وليس هنا، داخل هذه الصخرة الصماء  

عندها رفعت يدها ووضعت أطرف أصابع يدها على شفتي واشارت بإبهام يدها الأخرى على انفها ” اصمت “

وغادرتني والدموع تنساب بكل هدوء من عينيَّها ودخلت صخرتها الحمراء.

فجأة انتصب ذلك المجنون واقفًا بدون مقدمات وطاف بنظره علينا وشظايا الغضب تتطاير من عينيه، وبحركة خاطفة رفس بقدمه دِلال القهوة ليتطاير محتواها ويتناثر الجمر من الموقد على الجالسين، لتعمَّ الفوضى، وتسمع فرقعات رنات فناجيل القهوة، يشاركها صدى صرخات، ضحكات من هنا وهناك، بينما تملكت ذلك الرجل الرهبة خاصة عندما التفت اليه المجنون وسمر عينيه فيه وصرخ قائلًا: ابداً ايه الخبيث لن اتركك تعيش دنياك في هناء!

أتعلمون رغم ان جميع دلالات القصة تخبرنا عن امر حدث بين صاحب هذه العبارة “اللهم سكنهم مساكنهم ” وبين المجنون الا اننا جميعا كان نتسأل عن سبب هذه الجملة التي نطق بها مجنون قريتنا حينما قال: (استوقفني هذا الشاب والذي بدى لي من هيئة ثيابه وربطة عمامته انه مجنون مثلي كما ترددون ايه الاغبياء)

لماذا وصفنا بالأغبياء!

النهاية