المجلة الثقافية الجزائرية

أمي

عبد المنعم عامر*

ركبتُ مع سائق أجرة باتجاه الجامعة. وضعتُ محفظتي وكتبي في الخلف، وجلستُ بجانبه بعد أن سلّمتُ عليه، فلاحظتُ دموعًا جليّة في عينيه، رغم كل محاولاته للضحك والسخرية من بعض مشاكل الطريق.

لم أصبر وسألته: ما بك صديقي؟ احكِ لي ما القصة، أنا في النهاية رجلٌ غريب.
تبسّم وقال لي: “لا، ليس الأمر بذلك التعقيد. كلّ ما في الأمر أن جارتي ماتت قبل ساعات، وما زال خبرُ موتها أخضرًا.”
تنهد، وأطبقَ الصمت علينا.
“ربي يرحمها، خويا”، قالها وسكتنا لدقائق.
ثم طلب مني طلبًا قاتلًا:
“هل تستطيع أن تُخبر ابنها عبدو في الغربة أنها ماتت؟ هو صديقي، وأنا لا أستطيع إخباره… مثّل أنك الطبيب وأخبره!”

قلت: وما باله لم يسافر ليكون معها في مرضها الأخير؟
أجاب:
“إنه بلا أوراق. رحل منذ أربع سنوات لفرنسا ،ومنذ شهور فقط تزوّج، وهو ينتظر مولوده الأول لتستقيم أمور إقامته القانونية، وبعدها يسافر إلى الجزائر. لو تعرف كم يشتاق لأمه… يقضي جلّ مكالماته معي في الحديث عنها: كيف سيرفع مقامها بين أخواتها اللواتي يحتقرنها لفقرهم الشديد، كيف سيُطعمها اللحم ويشتري لها الملابس والذهب، كيف سينتقم لها من كل تلك السنوات الخراب التي جعلتها مريضة قلبٍ وسكّري… أخبرني أيضًا أنه يُجهّز لها هدية كبيرة، سيرسلها للحج ويذهب معها، لأنها كانت أمنيتها على الدوام.”

في المقابل، كنتُ أنا وأمي من يأخذها إلى المشفى. وكانت تُكرّر فقط: عبدو جاء؟ عبدو وصل؟ عبدو فطر؟ عبدو تغطّى؟
ممكن عبدو يجي ولا يجدني في البيت؟
“حطّيت، مراد، المفتاح تحت النافذة، لقد أخبرني أنه سيأتي الأسبوع القادم… ولدي ما يِكذبش.”

اتصلتْ بي أمي وأخبرتني أنها ماتت صباح اليوم، في صالة بيتها، وهي تنادي:
“عبدو… عبدو، نشوفك مرة، وُلَيدي، وروح… توحشتك، أميمّة.”

بكيتُ، وبكى هو، ثم ركنّا السيارة جانبًا. أخذتُ الهاتف واتصلتُ. رفع السماعة صوتٌ رقيق وناعم، وسلّم بحرارة:
“مراد الغالي! هذي غيبة…”
قاطعته بقسوة:
“أنا لست مراد، سي عبدو. أنا ممرّض من مستشفى مصطفى باشا.”
بدأ يبكي مباشرة، وتغيّر صوته:
“أمي… أمي! حدث لها شيء؟”

قلت له :البقاء لله، خويا عبدو. الحاجة سارة في ذمّة الله. عظّم الله أجرك وصبرك.

فصرخ صرخة تسكن في العظام، وتُحيي الأموات، ويَشيب لها الأحياء:
“يِمّا… علاش؟! لم يبقَ الكثير، وآتي… اصبري شويّا!”

حضرتُ جنازتها بالأمس، من مسجد بلكور. حملتُ نعشها وأنا أبكي. لا أعرفها إطلاقًا، غير أنّ الجميع يناديني: عبدو.
فقلت: ربّما كتفي يُشعرها بالأمان، وهي تمضي إلى قبرها.

وهمستُ لها يمّا أنا عبدو وراني جيت!

 

*كاتب جزائري