المجلة الثقافية الجزائرية

أناشيد لن يرتلها أحد

منذر أبو حلتم

 

في المساءِ الذي انتحرَ فيه الظلُّ

وتقيّأتِ الكواكبُ

أجنّةَ الضوءِ من فمها المُتقيّح،

سمعتُ الريحَ

تلعقُ آهاتِ المدنِ المتعفّنة،

والزمنُ

كانَ كلبًا عجوزًا

يبولُ على أعمدةِ المعنى.

جلستُ على رصيفٍ من الغيبْ

أشربُ قهوةً سوداءَ

تُسكبُ من قلبِ مجرّةٍ مكسورة،

وبينَ أصابعي

تتثاءبُ الأرواحُ

كفراشاتٍ أُحرقتْ قبل أن تفهمَ الطيران.

كانوا بشرًا…

أو أشياءَ نُسجتْ من لعابِ المرآة،

يتجوّلون بأقنعةٍ مصنوعةٍ

من جلدِ النوايا،

يضحكونَ بأسنانِ الجُثثِ

ويُغنّون: “الحبُّ… نورٌ”

لكنّ النورَ

كانَ يُشبهُ صراخَ الدمى

حين يُقطَّعُ وترُها.

الحياةُ…

نوتةٌ نُسيتْ في جيبِ مجنونٍ،

تُعزَفُ بالمقلوب

على وترِ قفصٍ صدريٍّ

لرَجُلٍ نَسِيَ كيفَ يبكي.

قالوا لي:

ارسمْ وجهكَ بالحبرِ الأبيض،

واختبئْ تحتَ ظلِّ النفاقْ،

دعِ الدمعةَ تضحكُ،

وابتسمْ للسكّينِ

إن جاءتْك بوجهِ أمٍّ.

همُ الآنَ

يذوبونَ في أكوابِ المواعظِ

كأقراصِ سمٍّ مغلّفْ،

ويرقصونَ على نصلِ الوقتِ

وهم يُلقّنون الضحايا صلاةَ البلاهةْ.

كلُّ ما كنتُ أؤمنُ به

تحوّلَ إلى نافذةٍ

تُطلُّ على جدار،

وكلُّ سؤالٍ

صارَ سلّمًا

يصعدُ نحوَ سقفٍ

من بخارِ الأكاذيب.

أنا الآنَ

أفهمُ كيفَ تنكسرُ النجمةُ

في المرآةِ

حينَ ترى وجهي،

وكيفَ يختنقُ الضوءُ

من رائحةِ قلوبٍ

تُنبتُ وردًا

في مزبلةِ القصدْ.

إنه العالمُ…

حلمٌ أعمى،

يرسمُ غدَه

بممحاةٍ مبلّلةٍ بلُعابِ السياسيين،

ونحنُ…

ظلالٌ لحائطٍ لم يُبْنَ بعدْ.