المجلة الثقافية الجزائرية

“أنا أتذكّر.. إذن أنا موجود”

مصطفاوي خالد 

ان الذات لا توجد إلا بقدر ما تنتج فكرها الخاص وتتحمل قلق هذا الإنتاج، يتكثّف هذا المعنى في الكوجيتو الأصيل (أنا أفكر الذي يؤسس للوجود من خلال فاعلية الشك والمساءلة؛ أما الكوجيتو المقلوب: أنا أتذكر.. إذن أنا موجود فهو إعلان عن “تأجيل الكينونة” أو إلغائها.

بعد إسدال الستار على امتحانات البكالوريا من كل عام، تتصاعد في الفضاء الرقمي موجة لافتة من النقاشات النقدية، يتحول معها إلى منتدى فكري نابض حول أسئلة مادة الفلسفة، يحمل همومها زملاء أساتذة يقدمون من خلالها قراءات نقدية لتفكيك طبيعة الأسئلة ومراجعة صياغاتها مع اجتراح حلول منهجية ممكنة.

وعلى الرغم من نبل هذا المسعى وأهميته الإجرائية، إلا أنه يظل في الغالب حبيس دائرة ضيقة هي دائرة “التقنية البيداغوجية” وهندسة الاختبار، في حين أن الرهان الحقيقي يبدو أعمق وأبعد من مجرد هندسة بيداغوجية عابرة؛ إنه تحدٍّ حضاري تتوقف عليه هوية المجتمع في المستقبل.

فالامتحان، في جوهره، ليس مجرد أداة لقياس كمية المعلومات في حافظة التلميذ، بل هو المختبر والمقياس الحضاري الذي يكشف عن نوع الإنسان الذي نريده من خلال تدريس هذه المادة ، والتي يتجاوز رهانها حدود مادة دراسية(مضامين) أو منهجية أو تصحيح (كوسائط)، باعتبارها تنصب على السؤال المصيري:

هل نخرّج للمجتمع مواطنين يتمتّعون بالقدرة على التفكير الناقد والحر وتحمل مسؤولية القرار؟

أم رعايا بعقول متكلسة تعيد إنتاج الماضي وتنتظر المرجع الجاهز؟

إن النقاش التقني المعزول عن هذا الرهان يبحث دوماً في “كيف نُنجح التلميذ في الامتحان؟”، أما النقاش الحضاري فيبحث في “أيّ مجتمع نريد أن نبنيه غداً من خلال هذا التلميذ؟”، وهي معركة شرسة حول هوية العقل القادم؛ هل سيكون عقلاً سيداً وحراً، أم عقلاً مقلداً ومستسلماً؟

الملاحظ اليوم أن أسئلة البكالوريا في المادة لم تعد تُدهش أحداً؛ إذ باتت محكومة بنمطية قاتلة تعيش عوداً أبدياً مكرراً، وتعيش حياة سابقة على صفحات الفيسبوك وقنوات اليوتيوب حيث تتداولها المجموعات بسرعة النار في الهشيم. هذا الأمر حوّل الأسئلة الفلسفية من أفق لخلخلة اليقين إلى “بضاعة كاسدة فلسفياً، رائجة تجارياً” يستثمر فيها بعض المتربصين (Prédateurs) لاستنزاف جيوب العائلات الغنية والفقيرة على حد سواء.

وفي كل عام، يتكرر المشهد بانتظام مقلق: آلاف التلاميذ يجلسون أمام ورقة الامتحان، لا ليمارسوا فعل التفكير أو يعيشوا دهشة الإشكال وقلق السؤال، بل ليمارسوا طقس الاسترجاع الآلي. يدخلون محمّلين بـ “قوالب معرفية معلبة” تم تجريعها لهم على عجل (ليلة الرعد).

هؤلاء الطلاب لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن التماهي مع نموذج الإجابة الرسمي، ولا يهمهم المعنى بقدر ما تهمهم العلامة الرقمية في كشف النقاط.

وبمجرد جفاف حبر القلم، يسقط كل شيء في قاع النسيان؛ لأن النص المكتوب لم يكن يوماً مرآة لذواتهم، والكتابة بلا أصالة -كما هو معلوم- هي كتابة بلا أثر، فيتحول فعل الكتابة الفلسفية لديهم من “مشرط يفكك الواقع” إلى “آلة لتعليب الأفكار”.

هذا الواقع ليس انتقاداً عابراً لأسلوب مراجعة، بل هو محاولة تشخيص لأزمة بنيوية عميقة تكشف عن حالة انفصام حاد وفجوة عميقة بين ما يريده المنهاج من قيم حداثية تنويرية، وطريقة بناء مواضيع الامتحان الفعلي:

-ينص المنهاج صراحة على بناء قدرة التلميذ على تحويل البداهات الساذجة إلى مآزق فكرية بعناد فلسفي ينبع من دهشته الحقيقية؛ غير أن البكالوريا تصدمه بأسئلة كلاسيكية جافة ومباشرة تلغي هذه الكفاءة تماماً، حيث يأتيه الإشكال مصاغاً وجاهزاً كـ “وجبة سريعة التحضير”، وما على التلميذ إلا إفراغ حافظته. فالامتحان لا يختبر كيف يتدبر التلميذ المشكلة، بل كيف يسترجع الحل المحفوظ.

– ينص المنهاج على تمكين التلميذ من بناء أطروحة والدفاع عنها بحجج منطقية وواقعية يتصرف فيها بعقله؛ بيد أن الواقع يحول الحجاج إلى “جرد كمّي ومقبرة لأسماء الفلاسفة وأقوالهم المستنسخة”.

وبذلك، وفي الوقت الذي يضع فيه المنهاج غايات كبرى كالتحصين ضد الفكر الدوغمائي وتأسيس الحرية والمسؤولية الفكرية، يأتي الامتحان -عبر مراهنته الكاملة على الذاكرة وتهميشه للاختلاف- ليرسخ “عقيدة بيداغوجية مضمرة” مفادها أن الحقائق قطعية وجاهزة وما عليك إلا الاتباع، ليتحول حصن الفلسفة التنويري إلى أداة تدجين تُنتج “الذات المذعنة”، وتغدو ذوات طلابنا منهوبة بكوجيتو مقلوب شعاره: “أنا أتذكر.. إذن أنا موجود” بدلاً من “أنا أفكر.. إذن أنا موجود”.

لكن هذا التوصيف لا ينبغي أن يُفهم منه أنه استبعاد لأهمية النقاش التقني حول صياغة الأسئلة وهندسة الاختبار وميكانيزمات التقويم؛ فذلك النقاش ليس ترفاً هامشياً، بل هو الأداة الإجرائية والمِعول الفعلي الذي يمكن من خلاله ترجمة تلك الغايات التنويرية إلى ممارسات واقعية داخل الفصول وخلف طاولات الامتحان. والمشكلة لم تكن يوماً في التقنية بذاتها، بل في فصلها وعزلها عن الرؤية الحضارية والوجودية التي ينبغي أن توجّهها.

حين يدرك التلميذ، بعد تجارب مريرة، أن أفكاره الأصيلة وتفكيره المستقل يقودانه إلى الرسوب، وأن التكرار الببغائي والتطابق الأعمى يؤديان به إلى النجاح والامتياز، فإنه يستخلص درساً يتجاوز عتبة المدرسة ليمس صميم سلوكه داخل المجتمع مستقبلاً، ملخصه: الإذعان ينقذ، والاستقلال والتميز يُعاقَب.

وعند هذه النقطة الحرجة، يدفع المجتمع ثمناً باهظاً وفاتورة حضارية مرعبة تتجلى في ثلاثة أركان: 

– تراجع المواطنة الفاعلة لصالح ذات مستسلمة: فالمواطن الحقيقي هو من يملك مصفاة ذهنية ناقدة لرفض الخطاب المضلل والتمييز بين الحجة والدعاية، والتلميذ المتعوّد على الإذعان الفكري في ورقة الامتحان سيكون غداً مواطناً مستسلماً لأي خطاب جاهز، سهل التوجيه والمناورة به.

-ضمور المرونة الجماعية أمام الأزمات: فالأزمات التاريخية والاجتماعية المعقدة لا تأتي مع “مقالة مقترحة جاهزة”، بل تتطلب عقولاً تجرؤ على التفكير في غياب النماذج السابقة، وتتقن البناء في الفضاء الخالي.

-اهتزاز كرامة الفكر (وهي الخسارة الأثم : لأن من لا يثق في عقله، ويعتقد أن قيمته الفردية مرتبطة بمدى مطابقته للنسخة المطبوعة، يحيا حياة فكرية مهانة ومستلبة، حتى وإن حقق نجاحاً رقمياً باهراً وزائفاً في كشف النقاط.

لأجل ذلك كله، فإن إصلاح امتحان الفلسفة وتطوير هندسته التقنية ليس مجرد ترف أكاديمي أو تعديل تقني معزول، بل هو ضرورة حضارية ملحة لحماية عقل المجتمع، ويمكن البدء بخطوات عملية شجاعة، مثل:

 – تنويع صياغات الأسئلة لكسر نمطية التوقع والجاهزية.

 – إفساح مجال حقيقي للإجابة الحرة والإبداع الشخصي للتلميذ ضمن معايير تقييم واضحة وغير تعجيزية.

  – تدريب الأساتذة على بناء اختبارات تقيس مهارات التفكير العليا (التحليل، النقد، التركيب) لا مجرد الاسترجاع والذاكرة.

– مراجعة شبكات التصحيح لتثمين الاختلاف المستند إلى حجاج منطقي، وتوطين صوت التلميذ الخاص وأصالته.

إن البكالوريا هي خط الدفاع الأخلاقي والمعرفي الأخير لتعليم الناشئة كيف يجرؤون على القول: “أنا أختلف معك دون تعصب، وأنا أعتقد كذا وكذا دون دوغمائية”. فإذا تنازلنا عن هذه الروح وحولنا الفلسفة إلى طقس حفظ وتلقين ميكانيكي، فقدنا الأداة التي تحمي عقل المجتمع من التسطيح والتعصب، وسلمنا أجيالنا القادمة لآلات النسخ والترديد والاستلاب.

 

*مفتش التربية الوطنية