بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
لا أعرف إن كان من الإنصاف أن نحمل موظفا واحدا مسؤولية تعاسة بشر كثيرين، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون عادة مؤسسية قديمة ترسخت حتى غدت تتلقى بوصفها طبيعة بديهية لا تستدعي المساءلة، وكأن خلل ادراك معنى المسؤولية وضعف الإخلاص لفكرة العمل قبل المنصب قد تحول إلى جزء صامت من البنية الحياتية اليومية.
هل من الممكن أن يتسبب موظف أو موظفة في مؤسسة طبية من زيادة تعاسة مريض، أو أن يكون سببا في تعطيل إتمام علاجه، وأن يضيف كمية من الشقاء إلى مرافقيه وأهله الذين تشتاق نفوسهم إلى عافية المريض، والمتضرعين إلى الله أن يمن عليه بالشفاء العاجل وأن يمتعه بالصحة والعافية ؟!!…من المؤسف حقا أن تكون الاجابة هي نعم، وسوف استأذنكم في رواية القصة التي جرت وقائعها بيني وبين “سامية” في ذلك المشفى .
“سامية” التي أتحدث عنها هي موظفة بالمشفى، وتقوم بكتابة وطبع التقارير الطبية للمرضي الذين يتم تحويلهم إلى العلاج خارج السودان، والتي يقوم بكتابتها أولا الطبيب المختص، ومن ثم يرسلها إليها حتى تقوم بكتابتها وطباعتها بالكمبيوتر، وبذلك تكون مهمتها اليسيرة قد انتهت، وبعدها تبدأ رحلة المريض الذي استلم تقريره إلي تجهيز حاله والسفر إلى خارج السودان حتى يتم علاجه، وهذه المهمة (على بساطتها) من الممكن أن تأخذ اقل من ساعة من الزمن، لكن هل تصدق أنها استغرقت معي ثلاثة أيام كاملة!، ففي اليوم الاول كتب الطبيب الجراح الذي يتابع حالة مريضي تقريره بكل سهولة ويسر، والحق يقال أنه كان نموذجا حيا للبشاشة وسعة الصدر ودماثة الأخلاق، وامتد بنا الحديث وقتها إلى مناحي أخرى بعد أن اتضح أننا جمعتنا الدراسة في جامعة الازهر، هو في الطب وانا في الصيدلة، وراجعنا سويا زملاء الدراسة الذين فرقت بيننا وبينهم الأيام، مثل الدكتور صيدلي ” كمال عبدالله بشير” أول صيدلي سوداني تخرج من صيدلة الأزهر، والدكتور صيدلي “علي بابكر” وعن تلك الايام الجميلة التي قضيناها في الجامعة رغم أنه كان يسبقني إذ ذاك بسنوات، وتذكرنا أيام كنا نسكن في الحي السابع والثامن ورابعة العدوية التي تمت مؤخرا فيها مذبحة كبيرة للإخوان المسلمين، وقتل فيها خلق كثير من الأبرياء، وغيرها مما أرجعتنا به الذكريات.. أعتذر عن هذا الاستطراد .. بعد أن استلمت ما خطه من وصف لحالة مريضي وتوصيته بإجراء الجراحة، أعطيت الورقة وبكل أدب للموظفة “سامية” التي ستقوم بطباعتها ..وبنظرة شزراء(الله وحده يعلم أنني لم افعل شيئا يستحق مثل هذه النظرة) قالت : تعال غدا ..وأتيت في اليوم الثاني وأنا امني نفسي بالحصول علي التقرير، لكن ليس كل ما يتمني المرء يدركه، وبنفس نظرتها الشزراء قالت أن خط الطبيب ليس واضحا بما يكفي حتى تقوم بكتابته وطباعته ،والحل هو أن تأتي غدا، لتتمكن من فك الخط ومن ثم تقوم بكتابته !! …كنت علي وشك أن انفجر وأن افرغ فيها كمية الغضب الذي تجمع في دواخلي، ولم يوقف ذلك الانفجار الوشيك إلا شخص آخر كان يعاني من ذات المشكلة وذات التسويف والتأخير، وقال لي مواسيا وحانيا : يازول (يا رجل) أنا لي ثلاثة أيام في انتظار تقرير منها مثلك …في اليوم الثالث، ويبدو أنها المدة التي تفترضها تلك الموظفة التي تعاني الامرين من قراءة خطوط الاطباء، قابلت مدير المشفى بعد أن طفح كيلي وضاع صبري، وتكرم هو مشكورا بكتابة التقرير بخط واضح أبلج للموظفة التي ساقني القدر إليها..وبعد أن أمسكت الورقة بيديها وبدأت تكتب ما استطاعت أن تقرءاه، كانت بين الحين والاخر تسألني من بعض الكلمات التي لم تسمع بها قطعا، ولأنني بطبيعة مهنتي وهي قراءة وصرف الوصفات الطبية، فقد كنت خبيرا في فك الخطوط وان كانت مثل نبش الدجاج، فكنت أمليها وانأ أضغط علي أعصابي، حرفا فحرف :
اكتبي يا ستي meningioma إم إى إن ، إلى أخر الكلمة، وأنا العن مرارا في سري ذلك الذي وافق على إلحاقها بهذه الوظيفة، وهي التي لا تفقه في اللغة الانجليزية كثيرا، وأتألم في الوقت نفسه لأولئك المؤهلين لتلك الوظيفة ويجيدونها إجادة تامة، والذين أطاحت بهم أيدي ذوي النفوذ والقربى والمعرفة بعيدا، وشعرت وقتها أني مهزوم تماما.





