بختي بن عودة..
-معْطُوبةٌ.. هذي الحَداثةُ..
في النِّظامِ.. وفي الكَلامِ..
وفي الثقافةِ والسِّيَاسةِ والأدَبْ،
معْطُوبةٌ لُغَةُ المُتَرْجِـمِ والإمامِ..
معطُوبةٌ..
أيْدِي البُناةِ الواقِفِين على زَمانٍ مِنْ خَشَبْ
معطوبةٌ..
هذي المَزارعُ والمَصانِعُ والمَواقِعُ..
والمَجامِعُ.. والكُتُبْ
معطُوبةٌ.. كَفُّ المُناضِلِ والمُقاوِلِ،
والمُزاولِ يَـوْمَهُ.. فوْقَ الحَطَبْ
معطُوبةٌ لُغَتي.. وأنا أُنَظِّرُ لِلْعَطَبْ!
معْطُوبةٌ.. هذِي الحَداثةُ..
(يا محَمّدُ)..
وهْيَ تحْتَرِفُ القَدامةَ والقَـتامةَ واالكَذِبْ
معْطُوبةٌ.. هذي الحَداثةُ..
وهْيَ تَرِنُّ.. حَوْلَ فَراغِها،
وتَحِنُّ.. نحْوَ بَلاغِها،
وتَئِنُّ.. في هرَجِ الزّعَانِفِ والنُّخَبْ
معْطُوبةٌ..
معْصُوبةُ العَينَيْنِ،
أوْ منْصُوبةُ الأذُنَيْنِ..
مُرعِـبةٌ،
ومُرْعَبةُ الفُـؤادِ من السَّغَبْ!
*
سأقُـولُ للمَحْزُونِ:
هذِهِ فُرْصَتي
أجّلْ أنِينَك تارةً أُخْرَى، إذًا،
إنّ المُثقّفَ طَفْرَةٌ.. قد لا يَجِيءُ بها هُنا..
إلّا خُسُوفٌ في الكَواكِبِ، أو مُرُوقٌ في الشُّهُبْ!
أَجِّلْ أنِينَكَ تارةً، يا صاحِبي..
إنّ الثقافةَ لَمْعَةٌ.. كالخاطِرِ النَّـبَـويّ..
تنْبُعُ دُونَما سَبَبٍ هُناكَ،
وقد تَغِيبُ بلا سَبَبْ!
*
وأقُـول للمعْطُـوبِ:
قُـمْ أَنْزِلْ مَتاعَك.. مَقْعَدِي قد مالَ بي،
واهْتَـزّ بيْنَ أنامِلي قَلَمي، وسَطْرُ كِتابَتي؛
وأنا أبُثّ رِوايَتي لِقَـوافلِ الأجْيالِ..
فلْتَـنْزِلْ هُنا..
لِأواصِلَ التأويلَ قبْلَ توَقُّفِ التاريخِ بي..
في هذِهِ الأرضِ البَعِيدةِ عن وُصولِ البَرْقِ،
وَصْلِ البَثِّ والنَّثِّ المُحَرّكِ لِلْأصابِعِ والرُّكَبْ!
سأقُـول للمَنْكُوبِ:
ناءَ بحِمْلِك المأفُونِ مَرْكبُنا هُنا..
فانْزِلْ.. وأَنْزِلْ ما حمَلْتَ وما جمَعْتَ..
من الخَرائطِ والخَرائِبِ والخَرائدِ والقصائدِ والخُطَبْ
أَنْزِلْ تُراثَـك هاهُنا، يا صاحِبي،
كَيْمَا يَسِيرَ المَرْكَبُ الحَيْرانُ..
إنّ الأمْسَ وَلَّى، صارَ أبْعَدَ من رُجوعِ النهْرِ نحْوَ النبْعِ،
والغدُ أوْشَكَ أنْ يَجِفَّ أمامَنا،
و وَقُـودُ رحْلَتِـنا نَضَبْ!
معْطُوبةٌ.. هذي الحَداثةُ،
وهْي تُعِيـدُ تأريـثَ القَدامَةِ..
وهْيَ تُريـدُ تأثِيـثَ الكَرامةِ..
وهْي تَسِيرُ خلْفَ خُطَى أبِي لَهَبٍ،
وحِينًا نحْوَ قَصْرِ أبي “نَهَبْ”!
معْطُوبةٌ..
بِاسْمِ السِّيَاسةِ،
والكِيَاسةِ،
والريَاسةِ،
واللَّعِبْ!
معْطُوبةٌ..
كيَـدٍ.. على تابُـوتِها مغْلُولةٌ
كيَدٍ.. إلى ظَلْمائها ممْدُودةٌ..
كيَدٍ.. بصانِعِ ضَوْئها تَبَّـتْ.. وتَبّْ!

*بختي بن عودة (1961 – 1995)



