المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

إكليل بنت البحر في “مرايا الأنفاق” لحفيظة قارة بيبان

بسمة الشوالي

ألّف الشّاعر السوري الهيلينستي ميلياغروس (140 – 70 ق م) كتابه الثالث “الإكليل” (سنة 100ق م) وقد بلغ من العمر سنّ النضج. وفيه جمع مختارات من القصائد لثمانية وأربعين شاعرا من اليونانيين وممّن يكتبون باليونانية، بعضهم عاصروه وبعض سبقوه. وقد وسم الشاعر كلّ قصيدة باسم زهرة معيّنة تحيل على الشاعر أو الشاعرة. ليكون بذلك مؤسّس الأنثولوجيا من حيث هي مختارات أدبيّة شعريّة أو قصصيّة، تعدّدت بعدها الانثولوجيات لتشمل مجالات فكريّة وفنيّة مختلفة.

الإكليل تقليد عريق في الثقافة اليونانية وهو ضفيرة من الزهور أو ورق الشّجر يتمّ انتقاؤها انتقاء مدروسا يجمع بين ما هو ذوقيّ ذاتيّ وبين ما هو رمزيّ أسطوريّ أو دينيّ (المسيحيّة). وضع الإكليل في البداية على رؤوس الآلهة اليونانية وتوّج الملوك والأباطرة، ثم استعمل كزينة تعلّق على وجه الباب الخارجيّ للمنازل الأوروبيّة. الأنثولوجيا فعل تتويج، لكنّه أيضا تتويج يقع في فترة ما من نضج التجربة الإبداعيّة أو الحياتيّة أو كلتاهما معا بالنسّبة إلى الكاتبة أو الكاتب لحظة التفكير في إصدار مختارات أدبيّة من أعمالها/ ـه المنشورة سابقا في شكل نصوص مفردة أو مضمّنة في كتب تداولها القرّاء. وهي لحظة تسمح لها/ ـه بالنّظر إلى المنجز الإبداعيّ أو الفكريّ السابق من مسافة زمنيّة وفكريّة ووجدانيّة محترمة، ليكون بذلك مُرسِل الخطاب ومتلقّيه، كاتب النصّ وقارئه وناقده في الآن نفسه حتى وإن تمّت المفاضلة بين النصوص المختارة بناء على ردود فعل الآخرين من المتلقّين/ القرّاء/ النقّاد ممّن تقبلوا الخطاب/ النصّ من قبل.

في هذا السياق صدر للكاتبة حفيظة قارة بيبان عن دار الأمينة للنشر والتوزيع مطلع هذه السنة (2024) كتابا في المختارات القصصيّة تحت عنوان “مرايا الأنفاق”، أنجز في 220 صفحة من الحجم المتوسّط، ورد فيه الفهرس في المقدّمة، وأُدرجت في نهايته سيرة ذاتيّة للكاتبة ومجمل منجزها الإبداعيّ بين القصّة والرواية والشعر والسيرة الذّاتية و”حكايات بنت البحر” الموجّة للطفل.

بين دفّتي هذا الكتاب ستّة عشر قصّة قصيرة أخذت من المجاميع القصصية الثلاث الصادرة للكاتبة وهي على التوالي: “الطفلة انتحرت (1984)/ “في ظلمة النّور” (1993)/ “قهوة إكسبريس” (2018). وقد شكّلت الكاتبة من كلّ مجموعة قصص باقة صغرى من المختارات أو إكليلا صغيرا ينضوي تحت الإكليل الأكبر “مرايا الأنفاق”، وجعلت لكلّ منها عنوانا جامعا يتجلّى من خلاله التقارب المضموني والأسلوبي، والاشتراك كذلك في الخطّ السرّدي الذي توخّته الكاتبة ونعني به هاهنا النزعة الواقعيّة المهيمنة على أغلبية القصص، والعناوين هي على التوالي: نساء، أشواق، أسوار، خواتم، ممّا يجعلنا إزاء أنثولوجيا مركبّة من”أنثولوجيات” صغرى داخليّة وخارجيّة أيضا كما سنتبيّن في العتبات تعكس منهجيّة الكاتبة في اختيار ما يتوّج تجربتها الإبداعيّة في جنس القصّة القصيرة. 

مرايا العتبات 

تشكّلت العتبات من مجموع عناصر مختارة بعناية تتوّج في تضافرها تجربة الكاتبة الإنسانيّة والإبداعيّة منذ إصدارها الأوّل سنة 1984حتى هذا الكتاب. في لوحة الغلاف تغادر امرأة النفق المغرق بالألوان البركانية الحارّة نحو الشّمس، كما لو أنّها “سارقة النار” تعثر على “دروب الفرار” من ظلمة القبو إلى فوهة النّور آخر النفق، ستصادف “العراء” خارجا، فتعيش التجربة بعمق وروح مبدعة، ثمّ تجتازه لتشرب “قهوة أكسبريس” في مقهى ما من مقاهي الحياة. لكنّها تنتقي من قصصها المنشورة سابقا إكليلا توقّعه باسميْها الذين عرفت بهما لدى القارئ منذ بداية مشوارها الأدبي وحتى يومنا هذا. في الإهداء تتوجّه الكاتبة إلى طرفين، أوّلهما هو شقيقها الفنان التشكيليّ حليم قارة بيبان والذي شاركها كتابا في السيرة الذّاتية تحت عنوان” النجمة والكوكوت يوميات كاتبة وفنان”، ومن بعده توجّهت إلى القارئ بدءا بذلك الذي عرفها خلال بداية مشوارها الأدبيّ باسمها المستعار “بنت البحر” لتعرف بعدئذ باسميها معا: بنت البحر حفيظة قارة بيبان. 

ورد عنوان المختارات مركّبا إضافيّا. “مرايا” هو اسم نكرة في صيغة الجمع احتاج إلى “الأنفاق” ليصير معرّفا، ولكي يتحدّد معناه مكانيّا بمجال الأنفاق من حيث هي امتداد أفقيّ تحت أرضي قد يطول وقد يقصر، وهو ضيّق مهما اتسع كمثل ما كان القفص للعصفورة الصغيرة المدلّلة بين قضبانه (قصّة العصفورة) ومظلم مهما توسّل ساكنوه بالإضاءة الاصطناعية التي تحوّل ظلال الأشخاص والأشياء إلى كائنات أخرى تشارك “السّكان الأصليين” للأنفاق مساحتهم من الوجود بعيدا عن عين الشّمس، وجود عار، بارد ، قاس يوازي مساره ما سُطّر على الأرض من طرق معبّدة ومسارات وما ارتفع عليها من بناءات تخفي سجونا داخليّة ناعمة (قصة “العصفورة”) وتحمي مسؤولين فاسدين (ق “المشهد الأخير”)، وتأوي أجانب ملثّمين يغتصبون الأرض والعِرض (قصّة “أتهدر الصحراء دمي؟”). أمّا دلاليا فيتحدّد المعنى بما تحيل عليه الأنفاق من الظلمة والتعتيم والتهميش (قصتا “لك أن تحلم” و”الحريق”) والمنع من الحياة رفضا للفنّ والحريّة والاختلاف (قصة “سرقوا إلهي”).

عناوين “الأكاليل” الصغرى الدّاخلية وردت كلّها ألفاظا في صيغة جمع نكرة: نساء/ أشواق/ أسوار/ خواتم. ولئن أحال النّكرة على المطلق، وبالتالي عدم التخصيص فإنّ الحقل الدّلاليّ لأغلب هذه الجموع محدّد سلفا برمزيّة العنوان نفسه. باستثناء “أشواق” والتي تذهب بالمعنى نحو السموّ العاطفيّ والانفتاح الروحيّ على الآخر فإن “نساء” و “أسوار” و”خواتم”( ج خاتَم وخاتم أو خاتمة) تحيل على مجال محدود مهما اتّسع يتحدّد بخطّ دائريّ مغلق قد يكون مرنا ومطّاطيّا كما في وضعيّة المرأة داخل مؤسّسة الزواج في ظلّ المجتمعات الذكوريّة المحافظة، وتحت هيمنة العنف المادّي المسلط عليها، وعبّرت عنه بشكل فنّي هادف وجميل قصّتا “حفل نسائيّ” و” التحقيق” أو قد محيط الدائرة خطّا صلبا كما يتجلّى في الخاتم والسّور مادّيا وأيضا في قصّتي “العصفورة” و” حكاية الأسوار” فنّيا.

مرايا غرف السّرد الداخلية

تتمتع كلّ قصّة من هذه المختارات بثلاث بطاقات هويّة. فهي أوّلا قصّة منشورة ضمن مجموعة قصصيّة سابقة من بين المجموعات الثلاث التي أصدرتها الكاتبة في فترات متباعدة (1984/1993/2018)، وبالتالي كتبت في ظرفيّة زمنيّة موضوعيّة وخلال مرحلة عمريّة وفكرية وإبداعيّة معينة، وهي ثانيا قصّة خرجت عن مجموعتها الأمّ، وقد تكون قدمت من ثمانينات القرن الماضي ودخلت ضمن مجموعة ثانية صغرى تحت عنوان جامع جديد ( نساء/ أسوار/ أشواق/ خواتم) لتقرأ ثانية، وغالبا لأوّل مرّة خلال سنة 2024 رفقة قصّة صدرت سنة 2018. وهي ثالثا إحدى القصص المتوّجة بناء على نجاحها في جلب اهتمام القارئ بما خوّلها لتكون كما هي دون أدنى تعديل (صرّحت الكاتبة أن قصّة “ليلة من ألف ليلة عربيّة” هي الوحيدة التي تمّ تعديل نهايتها) من بين المختارات القصصّية التي ارتأت الكاتبة أن تمنحها امتياز إعادة النّشر في إكليل أنيق حمل عنوانا جامعا لمجمل التجربة القصصية لبنت البحر: “مرايا الأنفاق”.

فما الذي يعتمل في الأنفاق فتعكسه لنا المرايا؟ وإلى أي حدّ تشبه أنفاق ثمانينات القرن العشرين مثيلاتها في العشرية الثانية من هذا القرن؟ 

لا تذكر المختارات تواريخ صدور القصص ولا المجموعات التي انتمت إليها كلّ واحدة منها، كما نلاحظ أنّها كتبت جميعها بالنفَس الأسلوبي نفْسه، واللغة الشعريّة ذات الطاقة التعبيريّة المكثّفة والتوهّج العاطفيّ المعبّر عن لواعج القلب العاشق (ق “في ظلمة النور”) وفيض الحنان الأموميّ (ق “قهوة أكسبريس”) ولوعة الفقد (ق “أجمل الفتيان”). كما نلامس أيضا بشفافيّة عميقة ورهافة حسّ نزوع الكاتبة المستمرّ نحو تعرية الواقع المبهرج من زيفه، وهتك أقفال الأبواب الموصدة والنفوس المظلمة من أجل أن يتسلّل الضّوء إلى المناطق المحجوبة ويرفع الستر عن الحقائق المدفونة تحت طبقات الصمت أو الخوف أو الفساد السياسيّ أو التطرّف الدينيّ. وهي الأنفاق نفسها في أوطاننا العربيّة منذ عقود طويلة جدا ومريرة. فقد تعرّض الراوي الذي تاه في الصّحراء في “قصّة أتهدر الصحراء دمي؟ “إلى محاولة اغتصاب من قبل” الرّجل الأزرق العينين” ليكتشف أنّه أحد المهندسين الباحثين عن آبار النّفط”: “أضرب.. والدّم يتدفق.. والنّفط الأسود يتدفق. وأصحابي يتفرّقون على مشارف الصحراء.. ويلد الشرق مشارق ..والغرب مغارب..(ص 133). وفي قصّة “التحقيق” سرقت الزوجة الشابة التي تعمل معينة منزليّة حليّ سيّدة البيت التي تعطف عطف أمّ على ابنة لم تنجبها راضخة لسلطة زوج سكّير لا ينفكّ يعنّفها ويفتكّ أجرة عملها: ” رفع كم مرة السّكين في وجهي! لا أهل ولا مهرب لي بعد تيتّمي!… يقسم أن يقتلني… يجنّ إن لم يجد ما يشتري به السمّ الذي يأخذه… مرّة هدّد بقتل ابنتي!.. هو قادر على كل شيء وقت الجنون!” (ص 17). في قصّتي “لك أن تحلم” و الحريق” ينحفر النّفق عميقا في النفس البشريّة حتى يغرقها في الظلام واليأس. كانت الشخصّية الرئيسية في القصّة الأولى فنانا تشكيليّا هدّه الفقر وأنهكه الرّكض اليوميّ خلف “الخبزة” والحد الأدنى من كرامة العيش له ولأسرته، وأثقلت كتفيه أعباء الحياة اليوميّة: “انتهى المصروف !/ رفعوا ثمن الزيت والسكر!/ تمزّقت الأحذية.. ما عاد يجدي الإصلاح!( 197) فلم يبق له سوى الجدار الذي شجّ رأس الأحلام يرسم عليه خيباته الفادحة ويفرغ على وجهه عفن اليأس في قلبه: ” ألوان صارخة تصفع بياض الجدار، وعليه تبدو قبضة يد مقطوعة الأصابع، مدماة، ذات خطوط واضحة قاسية، ولكنّها لم تكتمل وقد انتهت الألوان”. (ص 187). بينما أحرق، في قصّة “الحريق” الكاتب الشابّ كتبه دون أن يشعر فيما كان يبحث عن دواء الربو يعالج به اختناق رئتيه بسبب الهواء الملوّث واختناق روحه المبدعة بسبب تلوّث الحياة الثقافية في هذا البلد: ” سيقتلك الرّبو.. وتستريح.. والهواء الملوّث في بلادك. استنجدت بالدّواء.. سبقتك النّار. مرّت أياديها تلتهم علبة الدّواء، وبقايا الهواء.. وكلّ المكتب.” (207). بينما في شارع آخر من شوارع الثقافة التونسيّة، وفي وضح النهار والرّؤية تموت الشاعرة الشابّة طعنا بسكّين متطرّف دينيّ بسبب مسرحيّة عنوانها ” سرقوا إلهي”. بل أكثر من شخصّية قصصية قتلت جرّاء تفشّي ظاهرة التطرف الديني بعد اندلاع ثورات الربيع العربيّ في تونس وسوريا (ص 30).

وردة الختام

في كلّ قصّة من “مرايا الأنفاق” نفق يلائم زمنه الموضوعيّ ويمتدّ تحت أرض الوجود الإنساني في تونس والبلدان العربيّة الإسلامية (العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، وسوريا بعد 2011) إلى يومنا هذا موضوعيّا و2018 إبداعيّا. وفي كلّ نفق مرآة أو مرايا عاكسة لما يعتمل بالدّاخل، وهذه “المرايا” هي عين الكاتبة بنت البحر حفيظة قارة بيبان. عين رصدت معاناة المرأة المسوّرة بعدّة قيود خارجية وذاتيّة، ضحيّة المجتمع بمختلف مؤسساته الخانقة وضحيّة نفسها بقبولها العيش داخل تلك الأسوار، محبوسة داخل حلقة خاتم الزواج رغم العنف الزوجيّ البالغ والحصار المضروب حول ذاتها وحرياتها، لكنّها أيضا، الكاتبة، “نظرت” في قصصها إلى مواطن الخلل والبؤس في الواقع الاجتماعي والسياسي و”الديني” للمواطن التونسي خاصّة والعربيّ عموما. غير أنّها أحدثت في كلّ نفق فوّهة يدخل منها النور إلى القلوب والأنفس والبلاد. فقد فشلت المعلّمة في الاستقالة من عملها في ظروف شبه مستحيلة في منطقة منسيّة من تونس لكنّها نجحت في تحدّي نفسها وتحدّي الصعاب من أجل أطفال تونس أولئك، (قصة “مع الأطفال”) ووجدت البنت التي أعمتها الصاعقة النور في طلب العلم والتعلم في ظلّ الرعاية الأسرية المستمرة (قصة “الطفلة والريح”) وأفرغ الفنان التشكيليّ شحنة الغصب والحقد واليأس المقيت على الجدار وخرج صباحا تاركا الحلم خلفه لوحة تشكيلية جداريّة تدفعه إلى “أفق آت”( قصّة “لك أن تحلم”).

غير أنّ المثير للانتباه هو ثبات الأسلوب الذي تكتب به الكاتبة منذ “بنت البحر” إلى “حفيظة قارة بيبان”، ما يشكّل للقارئ الذي يتابع مختاراتها هذه “هويّة سرديّة” ثابتة، أو هي متحرّكة داخليّا ببطء ودون “ثورات” ملفتة للنظر بحسب تقديرنا. فأنت تصافح نفْس النّفَس الشّعري الذي يعطّر لغة الكتابة تقريبا، نفس المنهجية في أغلب القصص إن لم يكن جلّها، في توزيع نقاط التتابع وتقنيات رسم الصور العاطفية أو النّفسيّة للشخصيّات ووحدة زاوية النظر إليها رغم تباعد الأزمنة بينها كما تدلّ عليه تواريخ صدور المجموعات القصصية الثلاث، معتمدة في ذلك على إيقاع واحد في التكرار لبعض الكلمات، والمعجم البلاغي المعتمد في “تلوين” تلك الصّور: “أحبّك! أحبّك! (56)/ “زهرة!…زهرة!..” (97)/ “وتدور بي..تدور…(126)، وغير ذلك من العناصر المشتركة من بين القصص جميعها. قد يكون ذلك اختيارا متعمّدا من الكاتبة في تقديم لمحة عامّة عن مشروعها الأدبيّ وأسلوبها اللّغوي في بناء ذلك المشروع، غير أنّ ذلك يفتح السّؤال عمّا يمكن أن تحمله القصص التي لم تنشر في هذه الأنثولوجيا من مفاجآت سرديّة أخرى، بما يدعو إلى الاطلاع عن مجمل منجزها الإبداعي لدراسة خصوصيّة هذه “الهوية السرديّة” وممكنات انفتاحها وتفاعلها ومواكبتها للتجارب الوطنيّة والعربية والعالميّة الأخرى في مجال الكتابة القصصيّة.