إبراهيم أبو عواد*
لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة ساخرة تفضح العَالَمَ أكثر مِمَّا تفضح صاحبَها.
في تاريخ الأدبِ الحديث يبرز اسمان استطاعا أن يُحوِّلا الألمَ إلى لغة ساخرة جارحة: الشاعر السوري محمد الماغوط ( 1934_ 2006 ) في الشرق، والشاعر الأمريكي من أصل ألماني تشارلز بوكوفسكي (1920_ 1994 ) في الغرب. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والثقافةِ واللغة، فإنَّهما التقيا عند نقطة إنسانية عميقة، نقطةِ الإنسان المكسور الذي لَم يجد وسيلةً للدفاع عن نَفْسِه سِوى السُّخرية.
كانَ الماغوط يكتب وكأنَّه يجرح الورقَ بسكين. لَم يكن شاعرًا يبحث عن الزخارف البلاغية، بلْ إنسانًا يطارد الحقيقةَ العارية وسط الخرابِ العربي. قصائدُه ونُصُوصُه مليئة بالخوفِ والقهر والهزائم السياسية والاجتماعية، لكنَّه لَم يواجهها بالخُطَب الحماسية، وإنَّما بالسُّخرية السوداء التي تَجعل القارئَ يضحك للحظة، ثُمَّ يكتشف أنَّ الضحكة خرجتْ من مكان مَوجوع في داخله.
أمَّا بوكوفسكي فقدْ جاءَ مِن عالَم مختلف، عالَم الحانات الرخيصة، والشوارع القاسية، والوظائف المُرهِقة، والعلاقات المُحطَّمة. كانَ يكتب عن البشر المنسيين الذين يعيشون على هامشِ المجتمع الأمريكي. لَم يكن بَطَلُ قصصه ثائرًا أوْ أُسطوريًّا، بلْ رَجلًا مهزومًا يُحاول النجاةَ مِن الأيام. ومِن خِلال هذه الهزيمة اليومية صَنَعَ أدبًا ساخرًا يكشف زَيْفَ الأحلامِ الكُبرى التي يبيعها المجتمعُ لأفراده.
السُّخريةُ عند الماغوط لَيست ترفًا أدبيًّا، بلْ وسيلة للبقاء. إنَّها صرخة خافتة ضِد الاستبداد والخوف والفقر. كانَ يَرى أن الواقع العربي بلغ من القسوة حدًّا يَجعل البكاءَ وَحْدَه عاجزًا عن التعبير، لذلك اختارَ الضحكَ المُر. عندما يَسخر من السُّلطة أو الشعاراتِ أو الهزائمِ، فإنَّه لا يبحث عن النُّكتة بِقَدْرِ ما يبحث عن الحقيقة المختبئة خلف الأقنعة.
وبالمِثْل، لَم تكن سُخرية بوكوفسكي بحثًا عن الفُكاهة. كانَ يضحك مِن العالَم لأنَّه فَقَدَ ثقته به. واعتبرَ المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية مسارح كبيرة للزَّيْفِ والخِداع. لذلك جاءتْ كتاباته مليئة بالتَّهَكُّم على النجاح والشُّهرة والسُّلطة، وحتى الحُب أحيانًا. لقد اعتمدَ على السُّخرية لأنَّه أدركَ هشاشةَ كُلِّ شيء.
لكنَّ الفارق الجَوهري بين الكاتبَيْن يَكمن في طبيعة الألم ذاته. الماغوط يَحمل وجعًا جَمَاعيًّا، وجع وطن وأُمَّة وتاريخ طويل مِن الخَيبات. عندما يَكتب عن نَفْسِه يَشعر القارئُ بأنَّه يتحدَّث باسمِ ملايين المُهمَّشين والخائفين والمقهورين. أمَّا بوكوفسكي فينطلق غالبًا من الألم الفردي، مِن جسده المُتعَب، ورُوحِه المنكسرة، وعلاقاته الفاشلة، وَوَحْدته العميقة. ومعَ ذلك، فإنَّ هذا الألم الشخصي يَتحوَّل في النهاية إلى تجربة إنسانية عامَّة يفهمها كُلُّ مَنْ عَرَفَ معنى الخسارة.
إنَّ مَا يَجْمع الماغوط وبوكوفسكي هو صِدقهما القاسي. كلاهما رفض تجميلَ الواقعِ أوْ الادِّعاء بامتلاك حُلول كُبرى. لَم يُقَدِّمَا للقارئ وُعودًا بالخلاص، بَلْ وضعاه أمام الحقيقة كما هي: عالَم مليء بالتناقضات والظلم والخيبات. ومِن هذه الحقيقة وُلدت السُّخرية، لا بوصفها هُروبًا مِن الألم، وإنَّما بوصفها شكلًا من أشكال مُواجهته.
السُّخرية هُنا لَيست نقيضَ الحُزن، بلْ وجهه الآخَر. الإنسانُ عندما يَعجز عن تغيير العالَم قدْ يلجأ إلى السُّخرية مِنْه. وعندما يشعر بأنَّ الكلمات المُباشرة فقدتْ تأثيرَها، يستخدم المُفارَقةَ والتَّهَكُّمَ لكشفِ العبث الكامن في الواقع. ولهذا تبدو نُصوص الماغوط وبوكوفسكي وكأنَّها مزيج غريب من الضحكِ والبكاء، والمَرارةِ والمُتعة، واليأسِ والرغبةِ المستمرة في قَول الحقيقة.
كَتَبَ الماغوط مِن قلبِ الخَوف العربي، وكَتَبَ بوكوفسكي مِن قلبِ الوَحْدةِ الغربية، لكنَّهما أثبتا أنَّ الألم لغة عالميَّة لا تحتاج إلى ترجمة. حِينَ يَتحوَّل الوجعُ إلى سُخرية صادقة، يُصبح أكثر قُدرةً على اختراقِ القلوب. رُبَّما لهذا السبب ما زالتْ نُصوصهما حَيَّةً حتى اليوم، لأنَّها لا تتحدَّث عن زمن مُحدَّد، أوْ مكان مُحدَّد، بلْ عن الإنسانِ حِينَ يكتشف أنَّ العالَم أقل عدالةً مِمَّا حَلُمَ، وأكثر قَسوةً مِمَّا تَوَقَّعَ.
الماغوط وبوكوفسكي لَم يَكُونا كاتبَيْن ساخرَيْن بالمعنى التقليدي، بلْ كانا شاعرَيْن للألَمِ المُتنكِّر في هَيئة ضحكة. اعتبرَ الماغوط السُّخريةَ شكلًا من أشكال المقاومة، واعتبرَها بوكوفسكي وسيلةً للنجاة. وبَين المُقاومةِ والنجاةِ تمتدُّ مساحة واسعة من الجُرح الإنساني، ذلك الجُرح الذي كُلَّمَا حاولَ أن يَبكيَ انفجرَ ضاحكًا.
المسافةُ بين دمشق الماغوط ولوس أنجلوس بوكوفسكي تلاشتْ تمامًا عند عتبة الألم. لَم يكن الألمُ الساخرُ لَدَيهما ترفًا فكريًّا، أوْ قِناعًا للمُناورة، بلْ كانَ الجسدَ الحقيقي لقضية وجودية كُبرى: كيف ينجو الإنسانُ بروحه حِينَ يغدو العَالَمُ مَسْلَخًا كبيرًا؟.
وَقَفَ الشاعران على الرصيف ذاته وإن اختلفَ الوجع، الماغوط يَعتصر خَيبات أُمَّة بأكملها، مُشْهِرًا سُخريته السوداء كخنجر في خاصرةِ القمع والزَّيْفِ السياسي، بَينما بوكوفسكي يَمضغ قذارةَ الهامشِ الأمريكي، مُحَوِّلًا الخِذلان اليومي والفقر والآلَة الرأسماليَّة إلى نُكتة جارحة.
ولَم تكن سُخريتهما دَعوةً إلى البَهجة، بلْ كانتْ بَتْرًا بلا تخدير، وانتزاعًا لآخِرِ جُذورِ الأمان، ليتركا خَلْفَهما خَرابًا ناصعًا لا يَصلح للعَودة.
*كاتب من الأردن





