قصة: صلاح معاطي
أجل أنا.. رجل استثنائي في ليلة استثنائية.. رحت أبعثر العطر على وجهي وجسدي والفراش وأرش الهواء من حولي، ولو ملكت لرششت الكون بأسره أريجا يتضوع عبقه في الوجود، أتأملني في مرآتي الجديدة بغرفة نومنا، راقت لي هيأتي وكأنني أراني للمرة الأولى، بمنامتي الحريرية الحمراء ذات الروب القصير والشورت، أراقص نفسي على أنغام موسيقى ناعمة تنساب بهدوء من سماعات خفية، في انتظار رفيقتي أو غريمتي، أراجع نصائح وتعليمات الأصدقاء الذين سبقوني إلى تلك الليلة الفريدة:
– إياك والتردد والارتباك، لا تفكر في شيء على الإطلاق، أدخل في الموضوع مباشرة..
– إذبح لها القطة من الليلة الأولى تهابك وتعمل لك ألف حساب..
يأتيني هاتف من صديق سوء خبير:
– في تلك الليلة مباح كل شيء، فلا بأس من كأس يجرؤك، وقطعة حشيش تفتح شهيتك، تعامل مع زوجتك كغانية تنل منها ما لم يكن في الحسبان..
أنتبه على باب الغرفة يفتح.. ترفل في ثوب زهري طويل يغطيها من أعلى إلى أسفل، أحكمت فوقه روب أبيض محلى من أطرافه بإطار فروي أخفى ما لابد من إظهاره في تلك الليلة بالذات المعروفة بالتخفف والتحلل، وزادت الطين بلة بوضعها غطاء رأس تركت طرحته تنسدل خلفها، فلا قطة ولا غانية.. بينما تحاول عيناي اختراق الحجب والتطلع إلى أي بروز أو انحناء قد يحرك ساكنا..
جلست على طرف الفراش وهي تضع حقيبة صغيرة على الكومود بجانبها، لاحظت اندهاشي فارتسمت ابتسامة خجلى على شفتيها وراحت تسأل بصوت ناعم رقيق:
– أترى غريبا؟
قلت بحدة:
– كل الغرابة.. هذه ليلة العمر كما يسمونها، لا تليق بها الملابس الكثيفة التي تغلق أبواب الرحمة وتسد معها كل رغبة..
خفضت ناظريها وهي تعلق:
– سأكون لك كما تريد، ولكن نتفق أولا..
صحت بانفعال:
– نتفق على ماذا؟ لقد اتفقنا على كل شيء وانتهى الأمر.. عقد القران تم في الحسين حسب رغبتك، الحفل في أكبر قاعة احتفالات، الدخلة في أفخم فندق بالمدينة، حتى رقم الغرفة الذي تتفاءلين به (25) أوصيت عليه منذ شهر.. ماذا أيضا؟
– بقي شيء واحد هو الأهم بالنسبة لنا..
بنفاد صبر:
– ما هو؟
– ابني..
ألقتها كقنبلة عنقودية راحت تنفجر بالتتابع، صرخت:
– ابنك.. هل لك ابن ولا أدري؟ تلفين وتدورين منذ شهور وأخيرا اعترفت، وأنا طوال هذه الفترة كالمغفل..
قاطعتني قائلة:
– مهلا يا حبيبي.. أقصد ابننا الذي سننجبه أنا وأنت.. هل فكرت ماذا سيكون؟ ما شكله؟ ما الصفات التي يتحلى بها، هل هادئ الطباع أم عصبي المزاج؟ لطيفا مرحا أم نكدا ثقيلا؟ هل سيكون رفيقا بنا بارا مطيعا، أم عاصيا عاقا..
قاطعتها وقد نفد صبري:
– يكون كما يكون، المهم أن نشرع في تحضيره قبل فوات الأوان..
راحت تربت علي وهي تقول في هدوء:
– نحن مازلنا على البر، كل الأمور ميسرة، وأمامنا فرصة ذهبية لكي نختار ابنا استثنائيا مختلفا، لا مثيل له، نختاره على عيوننا وحسب ما نتمناه..
نفخت في تهكم:
– ألديك كتالوج؟
صاحت وهي تسحب الحقيبة التي على الكومود وبدأت تفتحها:
– بدأت تفهمني يا حبيبي، أجل بداخل كل منا كتالوج طبيعي رباني، به مئات الموديلات التي يمكن الاختيار من بينها بحرية فتضيف ما تشاء وتحذف ما تشاء..
أخرجت لوحا كمبيوتريا صغيرا به بعض الأزرار، سحبت منه عمودا مدته من طرفيه كالهوائي فاستطال، جذبته من جانبيه لتنفرد شاشة أمامنا، ثم أضافت وهي تضغط بعض الأزرار بالجهاز:
– يوجد هنا برنامج فريد من نوعه سوف يعرض الخريطة الوراثية لكل منا لنتعرف على الصفات الشخصية والأمراض الوراثية التي تمتد لسابع جد، فنستبعد كل الصفات غير المرغوبة فينا سواء كانت صفات شكلية كلون البشرة والعينين والطول أو القصر، أو الصفات الجسمية كضعف المناعة والقابلية للأمراض..
راحت توصل بيدي بعض الأقطاب والأسلاك الدقيقة وكذلك فعلت بيدها، لتظهر على الشاشة قائمتان متجاورتان تعددت في كل منها الرموز والأكواد وبعض الأشكال الهندسية الصغيرة كالدوائر والمثلثات والمربعات وبألوان مختلفة، بينما أخذت توضح لي:
– القائمة التي على اليمين خريطتي الوراثية، أما التي على اليسار خريطتك.. بالمناسبة هل فكرت ماذا سيكون ابنك ذكرا أم أنثى؟
باغتني سؤالها فحقيقة لم أفكر في هذا الأمر، لكنني ما كدت أفتح فمي وقبل أن أتفوه فوجئت بها تصيح:
– ولماذا ذكر بالتحديد؟ أليست هذه عنصرية، لإشاعة الفكر الذكوري والثقافة الذكورية التي تربيتم عليها..
أسرعت قائلا:
– ما أدراك أنني سأختار ذكرا.. حقيقة الأمر أنني فكرت أن يكون وليدنا الأول أنثى..
هزت رأسها في اعتراض وراحت تقول في إصرار:
– بالعكس.. الابن الأول ينبغي أن يكون ذكرا، ليس كاعتقاد البعض بقوة الذكر وفتوته، وإنما حتى تكون أخته الأنثى أكثر رقة وأنوثة، علاوة على تحمله مسئوليتها..
وافقتها لعدم الدخول في سفسطة لا لزوم لها:
– رأي سديد..
علمت على بعض الرموز، ثم ضغطت حذف، وراحت تشير إلى خريطتها الوراثية وهي تقول بثقة:
– تلاحظ طبعا الاختلاف الشديد بين لون الشعر الأشقر ونعومته الواضح في خريطتي الوراثية لعدة أجيال، كما هو مبين من هذه الدوائر الصفراء، وشعرك الأسود الخشن الجعد، وكذلك هذه المربعات التي تظهر العيون الواسعة التي تتميز بها أسرتنا منذ القدم وتنوع ألوانها من الأزرق للأخضر والفيروزي مقارنة بعيونكم الضيقة ذات اللون الفئراني وأنوفكم الفطس وآذانكم الطويلة..
قالت هذا وهي تقوم بحذف بعض الصفات من خريطتي الوراثية دون الرجوع إلي، فرحت أقول لها:
– أنا لست دميما إلى هذه الدرجة وإلا لما قبلت الزواج مني..
– طبعا يا حبيبي.. نحن كل ما يهمنا ابننا بغض النظر عن أية اعتبارات شخصية..
رحت أنظر إلى خريطتها بتحد وأنا أقول:
– أليست هذه الدوائر المنبعجة لنوع من الحول الوراثي أصاب بعض أفراد عائلتك الحسناء؟
رجعت بظهرها لتواجهني في احتجاج:
– هذا ليس حولا بل حورا.. العيون الحوراء هي أجمل العيون يا عزيزي..
عادت إلى الشاشة تغوص فيها بعينيها وهي تتأمل خريطتي بالذات دون خريطتها، فجأة أطلقت صيحة فزع، فرحت أسألها:
– ماذا وجدت؟
هزت رأسها كأنها تداركت أمرا خطيرا:
– تصور. كنا سنرتكب جريمة في حق ابننا المسكين دون أن ندري..
– كيف هذا؟
– هذه المثلثات التي في خريطتك لمرض عقلي قديم.. تذكر جيدا. ألم يصب أحد في عائلتك بالجنون أو التخلف العقلي أو…
صحت مدافعا عن أصول عائلتي:
– ما الذي تقولينه.. كل أفراد عائلتي مشهود لهم بالعقل والرزانة ومنهم المهندس والعالم والطبيب..
رسمت على وجهها ابتسامة باردة كأنها تعلم ما لا أعلمه عن عائلتي:
– هدئ نفسك.. أعتقد أن لك أخا أصيب بحالة عصبية أدخل على أثرها مستشفى الأمراض العقلية..
– لم يكن هذا بسبب مرض وراثي وإنما نتيجة ضغوط في العمل وشعوره بالإحباط..
– الصفة موجودة يا أستاذ وإذا انتقلت إلى ابننا لا قدر الله ستكون كارثة.. لنحذف هذه الصفة أفضل له ولنا..
– إحذفي يا حبيبتي احذفي..
واصلت البحث عن الصفات الوراثية لعائلتي وهي تصفر وتزوم بشفتيها حتى إذا وجدت شيئا انتفضت وهي تصيح:
– آه لو كنت رأيت هذه الصفة قبل عقد القران لفكرت ألف مرة..
– ماذا وجدت أيضا؟
– صفة البخل في أسرتكم تمتد لعدة أجيال..
– ليس بخلا يا عزيزتي وإنما نوع من الحرص والتدبر فكما تعلمين أن بعض أجدادي كان يعمل بالتجارة والتاجر لديه حيطة ويحسب حسابا لكل شيء..
– فليرحمهم الله جميعا ويسامحهم على بخلهم أو تدبرهم، المهم ألا تصل هذه الصفة الذميمة إلى ابننا الاستثنائي..
قاطعتها:
– ثم إن البخل يا عزيزتي صفة مكتسبة ولا تورث.. وإلا اعتبرنا الغرور والأنانية التي أراها في أسرتك عبر أجيال عديدة عوامل وراثية تهدد ابننا الاستثنائي..
هزت رأسها وهي تصيح مؤكدة:
– ليس غرورا ولا أنانية، بل ثقة في النفس، وهذا ما أود أن أثبته داخل خلايا ابني الاستثنائي..
أسقط في يدي وشعرت أن ليلة العمر ستذهب فطيسا، فتركتها تحذف ما تشاء وتضيف ما تراه مناسبا من صفات، لاحظت هي ذلك فراحت تنظر لي بخبث وراثي لمحته في عدد من أفراد عائلتها الماكرة.. وراحت تقول:
– لا تجاريني فيما أقول لتفوز بليلة سنخسر مقابلها ابنا هو أملنا وغايتنا وما التقينا اليوم إلا من أجله..
– بالعكس أوافقك على كل ما فعلتيه الليلة ومستعد أن أوقع لك على ذلك.. ألم يحن الوقت لإنتاج ابننا الاستثنائي؟
أفرجت عن ابتسامة واسعة أضاءت وجهها، وأزاحت غطاء رأسها وفكت إزار الروب الأبيض من أعلى لينسل من على كتفيها وينهار على الأرض، بينما أسرعت أصابعي تحل أزرار ثوبها الزهري، ليكشف عن قميص أحمر قصير، يخنق من أعلى نهدين أطلا كقمرين سطعا وسط نهار جسدها الناصع، ويكشف من أسفل ساقين مرمريتين.. اندفعت كالمجنون أحتوي جسدها بشبق مارد راح ينقلنا من حال إلى حال، لينصهر جسدانا وسط آهات وتنهدات.. فتأخذنا إغفاءة طويلة نقلتنا كبساط ريح أسطوري إلى عصر اليوم التالي..
رحت أفتح عيني ببطء كمن وجد نفسه في عصر آخر، وقد تبدلت الدنيا غير الأمس، مازالت الموسيقى تنفث أنغامها كشذى عطر معتق يموج بعبقه، ومازالت غريمتي نائمة بعد ليلة متعسرة جاءت بعد عناء، رحت أسترجع ما دار فيها ونحن نختار الصفات الوراثية لابننا القادم.. وقعت عيني على شاشة الجهاز مازالت مفرودة أمامي وقد أطل منها مستطيل عريض كتب داخله:
تمت العملية بنجاح.. الزيجوت المتكون لكائن خرافي دموي يتسم بالعنف والتدمير، لا ينتمي إلى البشر.. استثنائي..


