عبد الحاكم بالحيا
أنهيت قراءة كتاب الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي الجزائري مصطفى بوخال: “إبداع السيّد حافظ؛ بين عشق الوطن وعطر النساء وهاجس التاريخ –قراءات في الرواية والمسرح”. وتُعدّ الدراسة الثانية التي تصدر له بعد دراسة نُشِرت العام المنصرم بعنوان: “الخرافة والمعنى؛ مقاربات مقارنة لحكايات الحيوان العربية والفرنسية”. وهو بحث يحاول الكشف عن مظاهر التثاقف بين المخيال العربي والأوروبي، معتمدا آلية التأويل في تعقّب الدلالات المخبوءة خلف أقنعة الحيوانات داخل النصوص المحمّلة بالتفكير البشري ضمن أطُر الزمان والمكان. أمّا كتابه الآخر الذي صدر هذه السنة فهو عمل يكشف عن جوانب الإبداع ومكامن الحسّ الفنّي في المنجز الروائي ثم المسرحي للكاتب المصري “السيّد حافظ” من خلال ما رصده الباحث من آليّات وتقنيات عكست روح التجريب ونزعة التجديد لدى هذا المؤلّف الذي تنوعت أعماله بين الرواية والمسرح والقصة والسيناريو، أعمال متنوّعة سعى فيها إلى الخروج عن الأعراف السائدة في الكتابة، والانزياح عن مألوف التلقّي لمختلف أجناس القول الفنّي. دراسة مصطفى بوخال هذه تُعرّف بالنتاج السردي لهذا المبدع، وتضيء ما لديه من خصوصية في التجربة والطرح والرؤية. ومثل هؤلاء المبدعين (غير المكرّسين في الأدبيّات الرسمية رغم تميّز منجزهم وتفاعل الأقلام المختصّة معه) تحتاج أعمالهم إلى وقفة من طرف قلم نقدي باحث ومحبّ، محبّ لهذا النتاج، ولما يقدّمه للثقافة المحلّية لكي يتعرّف عليه القارئ في هذا القطر من العالَم قبل ذاك.
شخصيّا لم أكن أعرف هذا الاسم (السيّد حافظ) وإلى الآن لم أطّلع على أيٍّ من كتاباته، لكنّ الدراسة التي قدّمها الأستاذ مصطفى بوخال تضيء -بأداة العارف المنقّب والباحث المتخصّص- عالمه الإبداعي، وتزيل عنه الحُجب، بل تقف بالقارئ على الكثير من القيم الفنّية المميّزة له، لاسيما تلك التي نلمس فيها خصوصية التجربة، وفرادة الأسلوب، واختلاف الرؤية والتشكيل. «ومن أجل اختراق هذا الكون السرديّ المعقّد [كما يقول مقدّم الكتاب] لابدّ من التسلّح بترسانة نقدية جليلة وبروح حفرية لا هوادة فيها، وبرؤية كلّية لتجربة السيّد حافظ لا يقدر عليها إلّا الضالع في الدرس النقدي، ومع أن الدكتور بوخال لا يزال في بداية الطريق إلّا أنه أثبت من خلال ما نشره من بحوث أنه يملك عقلا تفكيكيا وروحا نقدية لا يتيسّران إلّا لأصحاب الهمم العالية».
وبالرغم من كل تلك القيم الفنية والأبعاد الجمالية المنبثقة في شكل حزمة أو حزم من الخصائص والسمات المميِّزة لأدب السيّد حافظ، لا يزال يراودني السؤال عن السبب أو الدافع أو الباعث المحوري -المباشر أو غير المباشر- الذي حدا بالباحث إلى هذا الكاتب بالذّات أو إلى كتاباته بالخصوص! قد تكون تلك الخصائص الفنّية المميِّزة، والتي تنبئ عن أبعاد “الأدبية-la poétique” في هذا المنجز عاملا كافيا يقود الدارس نحو هذا المنتوج الفنّي، ولكن أمامنا على الساحة الكثير من الأدباء والكتّاب المبدعين الذين لديهم مثل هذه الخصوصية، وفي كتاباتهم تلك الجاذبية أو الفذوذية التي تغري الباحث ولاسيما المتخصص، لكنّ هناك غالبا سببا ما يدفع القلم إلى الكتابة عن هذا دون ذاك، ناهيك بأننا أمام دراسة بحجم كتاب كامل تحيط بإبداع السيّد حافظ عموما، وليست مقالا بمجلّة أو مداخلة في ندوة أو ملتقى!

هناك إذًا سبب ما؛ قد يكون علاقة مباشرة بين الباحث والكاتب، أتكلّم هنا عن الأسباب والبواعث غير الموضوعية، أي غير تلك النابعة من صميم العمل (موضوع الدراسة) وإنما العوامل الشخصية المنبثقة من البعد الذاتي، فالقارئ أو الباحث كثيرا ما يربطه بنتاجٍ إبداعي علاقة خاصّة، بسبب أن هذا المنجز رافقه في مرحلة عُمْرية معيّنة، أو أهداه له شخص عزيز، أو الْتقى صاحبَه في الواقع أو عبر الميديا فانجذب إلى شخصيّته، أو كوّن تجاهه أو تجاه مشروعه الكتابي مودّة ما. فأحيانا تضع المصادفة في طريقك كتابا لم يكن لديك أي فكرة عنه ولا عن كاتبه؛ كأن ينساه أحد الأقارب في بيت العائلة، كأن تجده يباع بثمن زهيد في الشارع فتشتريه بداعي الفضول، كأن يستثيرك عنوان في مكتبة لسبب خاصّ له علاقة بمحمول ذاكرتك، إلى غير ذلك… ولكنك حين تطّلع عليه تكتشف كنزا، أو تجد نفسك أمام عمل ذي قيمة. فتلتهم هذا الكتاب، بل تتحرّك للبحث عن أعمال أخرى لكاتبه، وإذا حدث الأمر في مرحلة عمرية أو فترة خاصة من حياتك فستتوثق بينك وبين هذا الأثر الفنّي علاقة ذات طابع من نوع مختلف، فإذا كانت هذه الفترة في مرحلة مبكرة من حياتك فسيكون أمامك متّسع من الوقت لتعثر على نظائر هذا العمل ولو في مراحل متباعدة، ولكن الأهمّ أن علاقتك به أو بكاتبه تغدو وطيدة، وستضيف إلى معرفتك به كل جديد يصلك عنه أو عن ما له علاقة به؛ تقرأ فقرة هنا، وتسمع كلمة هناك، وتجد إشارة هنالك، وكلما مررت باسمه توقفت ووضعت في جعبتك تلك الإضافة. هذه من الأسباب (غير الموضوعية كما يبدو) التي تُنشئ علاقة ما بين القارئ وكاتبه أو نمطه القرائيّ المفضّل، لذلك ربما وجب التنبيه إلى أني لا أقصد بالعلاقة الشخصية بين القارئ والكاتب تلك السلوكات المجاملاتية أو المحاباتية التي شاعت في زمننا هذا، وإنما أقصد علاقة تنشأ بين القارئ ونتاج فنّي بناءً على الميل الشخصي والقراءة الذاتية الانطباعية لهذا القارئ.
عَوْدًا إلى الباحث مصطفى بوخال وكتابه؛ لا أنسى أن أشير إلى أنه تعامل مع موضوعه بعدّة إجرائية علمية وجهاز مفاهيمي مبني على ما قدّمته الدراسات السردية الحديثة؛ حيث تواصل الباحث مع منجزات باختين ومقولات جيرار جينيت وتنهيجات الدرس النقدي الحديث بصفة عامة. دون أن يبقى أسيرا لها، إذ كثيرا ما يترك هذه الوسائط المنهجية والمفاتيح النظرية جانبا، ويدخل إلى حضرة النص أعزل إلّا من خبرة القراءة وهواية البحث وتجربة التلقي الخاصة، بما فيها من اعتماد الذوق وسماع الصوت الباطني واتّباع القلب وتصديق الحدس. ولا شكّ أن مثل هذه القراءة فيها ما فيها من المتعة والفائدة والثمار بالنسبة للباحث نفسه ولقارئه.
هنيئا –إذًا- للدكتور مصطفى بوخال هذا العمل الأكاديمي، وهنيئا للسيّد حافظ هذه الدراسة المُحِبة وهذا الشغف القرائي لأعماله. في انتظار دراسات أخرى للباحث، وهو المعروف بمثابرته ومتابعته العارفة والعاشقة للإبداع والتفكير والمعرفة. والدكتور مصطفى بوخال أستاذ مادتي الفيزياء والكيمياء سابقا بالطور الثانوي، وأستاذ الأدب المقارن والآداب العالمية بالتعليم العالي حاليا، رجل من طينة القرّاء المثقّفين المهتمّين –عن شغف- بالشأن الإبداعي والفكري، نشر مجموعة من الكتابات الإبداعية والبحثية في الصحف الوطنية خاصة في السنوات الأخيرة التي تحوّل فيها من العلم البحت/ الفيزياء إلى الفنّ/ الأدب، ومن طور التدريس والتوجيه (الثانوية) إلى طور البحث والمعرفة التشاركية (الجامعة).
عبدالحاكم بالحيا –النعامة، الجزائر
*أكاديمي وشاعر جزائري





