المجلة الثقافية الجزائرية

البناء الشعري عند الشعراء القدامى

سالم بن رزيق بن عوض.

عُرف البناء الشعري في العصور المتقدمة بعدد من السمات والصفات والمميزات التي تجعل منه متميزاً وفريدا ومعبراً عن طبيعة الثقافة التي تسود في تلك الفترة من التأريخ وما كان مقبولاً عند الطبقات المختلفة من المجتمعات.

والفن الأدبي شعراً كان أو نثراً يعد الثوب الملون الزاهي الذي يعبر عن كل عصر ومصر ، فالمستويات الثقافية المختلفة والمتباينة والمتنوعة يمكن رؤيتها وقراءتها في المضامين الأدبية وقد ترى وتسمع الأنفاس الأرواح التي قيلت فيها ولها تلك النصوص الأدبية .

قد تغلب بعض الألوان والأطياف على المنتجات الأدبية والنقدية في عصر من العصور لكن البقية المتبقية تظهر في نفس تلك العصور أو العصور التي تليها أو يسجل الرواد المرحلة تلك الأنفاس والمشاعر كنوع من التوثيق الأدبي والثقافي للمرحلة التي غلب عليها طيف أو لون واحد عدة أطياف متقاربة .

في العصور الجاهلية والتي نراها عصور حقيقية متراكبة مترابطة ويستفيد بعضها من بعض تعد الشاعرية والشعر

منجزاً مجتمعياً للعشيرة والقبيلة التي ترى في هؤلاء مصادر قوة وسطوة وجسور عبور إلى المستقبل حتى لو كان على غمط الآخرين وتهميشهم وحرق أوراقهم في محرقة النسيان .

فقد كان التنافس على أشده بين تلك التجمعات البشرية من قبائل تعيش في مساحات واسعة من الصحراء وبين القرى التي تعد نمطاً حضارياً منشوداً ومحبوباً لأهله وحتى لأطراف البوادي مما أنعكس كل ذلك الموروث الشعري في موضوعاته وتراكيبه وأخيلته وصدق عواطفه وتفرده عمّا سواه .
إن شاعر العربية الأول الشاعر الجاهلي الكبير إمرئ القيس لما أنشد قصيدته الشعرية الشهيرة :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

فَتُوْضِحَ فَالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا

لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ

تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصَاتِهَا

وَقِيْعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ

كَأَنِّيْ غَدَاة َ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا

لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ

وُقُوْفًا بِهَا صَحْبِيْ عَليََّ مَطِيَّهُمْ

يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ

فإن هذه المعلقة الفريدة تعتبر نموذجاً حقيقياً لشاعرية أمرئ القيس وصورة فارهة لكيفية البناء الشعري في مخيلته الشعرية ، وهي الدليل العملي للعقلية العربية الشاعرة .

إن ذاكرة الزمان والمكان بشخوصيهما حاضر في الصورة الشعرية الجميلة المرسومة ، فالمساحات الجغرافية ظاهرة
في الصور والأشكال التي يرسمها للسامع والقارئ المحب لشعره الجزل والفاره في السبك والصياغة فمنزلة سقط اللوى والدخول وحومل أماكن معروفة ومشهورة للساكن في تلك المضارب .

وكذلك تلك الأماكن القديمة التي ذكرها توضح والمقراة فهي معروفة لدى الناس أهل الذي يسكنون ويرحلون في تلك المضارب بحثاً عن الماء والكلأ .

وكما يلوي الشاعر العربي الكبير إمرئ القيس على تلك المضارب وما فيها من الآرام والإبل التي تستعمل مطايا للسفر والرحلات والتنقلات عليها فإن يرسم العلاقة بينهم وبين صحبه وكيف هم يحدبون عليه ويصبرونه على تلك المصائب التي ألمت به وإن كان أعظمها فراق محبوبته وغيابها عن الديار التي كان يزورها فيها ويطلب ودها .
ومما يجدر بنا رصده هنا أن الشعراء القدامى وفي صدارتهم إمرئ القيس عكف بيانهم الشعري حول :
أولاً: الوقوف والتباكي على الأطلال والآثار القديمة في إستهلال جميل وبديعة قد نخصص له مقالا في ذلك.

ثانياً: التصوير المكاني والجعرافي للمكان الذي يعيش فيه الشاعر أو المحبوب والإحاطة الجميلة بالمعالم الكبرى لذلك المكان ولتلك البقعة الجغرافية.

ثالثاً: التنوع في الموضوعات؛فهم لا يعتمدون على موضوع بعينه وإنما تتنوع تلك الموضوعات وتتعدد من ذكر المحبوبة وذكر الأماكن القديمة والآثار ووصف النوق والأبل والخيل .

رابعاً: التصوير الفاتن للخيل والنوق حتى يخيل إليك أنك أمام فلم سنمائي عصري بديع متحرك حي وجميل كما يقول إمرئ القيس:
وَقَـدْ أغْــتَـدِي والــطَّـيْـرُ فِـي وُكُـنَــاتِـهَا

بِــمُــنْــجَــرِدٍ قَــيْـــدِ الأَوَابِــدِ هَــيْــكَــلِ

مِــكَــرٍّ مِــفَــرٍّ مُــقْــبِــلٍ مُــدْبِــرٍ مَــعــاً

كَــجُلْـمُوْدِ صَـخْرٍ حَطَّهُ السَّـيْلُ مِنْ عَلِ

كَـمَـيْـتٍ يَـزِلُّ الـلَّـبْـدُ عَـنْ حَـالِ مَــتْــنِـهِ

كَــمَــا زَلَّــتِ الـصَّـفْــوَاءُ بِــالــمُـتَـنَـزَّلِ

خامساً: الوصف البديع للطبيعة وما فيها وإقبال الليل وإدبار النهار وإقبال النهار وإدبار الليل يقول إمرئ القيس في هذا المعني البديع :

ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَــهُ

عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي

فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ

وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ

ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي

بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ

فَــيَــا لَــكَ مَــنْ لَــيْــلٍ كَــأنَّ نُــجُــومَــهُ

بــكــل مُــغــار الـفــتـل شُــدّت بـيـذبل

كَـأَنَّ الـثُـرَيّــا عُـلِّـقَــت فـي مَـصـامِــهـا

بِــأَمْــرَاسِ كَــتَّـانٍ إِلَــى صُــمِّ جَــنْــدَل ِ

سادساً: الصدق في المشاعر وتصوير الحب والفرح والسرور والسعادة والأمل والحبور والبغض والكره والحقد والكبر

.أفـاطِــمَ مَــهْــلاً بَـعْــضَ هَــذَا التَّـدَلُّلِ
وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزمعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي؟!
وَإنْ تــكُ قــد ســاءتــكِ مــني خَليقَـةٌ
فـسُـلّـي ثـيـابـي مـن ثـيـابِـكِ تَـنْـسُــلِ
أغَـــرَّكِ مِــنِّـي أنَّ حُــبَّــكِ قَـــاتِــلِــي
وأنَّـكِ مَـهْـمَـا تَـأْمُـرِي الـقَـلْبَ يَفْعَـلِ؟
وَمَـا ذَرَفَـتْ عَـيْـنَـاكِ إلاَّ لِـتَـضْـرِبِــي
بِـسَـهْـمَـيْـكِ فِـي أعْـشَـارِ قَـلْـبٍ مُـقَتَّلِ
ويقول إمرئ القيس :

أجارتنا ان الخطوب تنوب

واني مقيم مااقام عسيب

أجارتنا أنا غريبان هاهنا

وكل غريب للغريب نسيب

فإن تصلينا فالقرابة بيننا

وإن تصرمينا فالغريب غريب

اجارتنا مافات ليس يؤؤب

وما هو آت في الزمان قريب

وليس غريبا من تناءت دياره

ولكن من وارى التراب غريب

الشاعر السعودي الدكتور سالم بن رزيق بن عوض.