رحموني عبد الكريم*
ظلت تبادلية الواجب والحق مشكلة فلسفية قاطبة، تؤرق بال كل مفكر وفيلسوف تناولها من وجهة نظره الخاصة، ولعبت دوراً بارزاً في الفلسفة الكلاسيكية عند اليونان مهد اللوغوس والفكر والحضارة، لتبرز جلياً في الفلسفة الحديثة مع الألمان. وحول قيمة هذه المشكلة البالغة التعقيد، الصعبة المراس كان الجدال والصراع المحتدم بين رجالات القانون وفلاسفة الحق الطبيعي فمنهم من يعتقد أسبقية الواجب عن الحق والبعض الأخر نبذّ هذا الطرح معتبراً الحق متقدماً عن الواجب. وفي رحلة البحث عن تبادلية الواجب والحق وأيهما يتقدم عن الأخر وجب طرح التساؤلات الآتية: هل الواجب يسبق الحق في العدل؟ ألا نعتقد أمام العدل أن الحق متقدم عن الواجب؟
(الواجب يسبق الحق): يؤكد أنصار الوضعية العلمية بقيادة عالم الاجتماع الفرنسي أوغست كونت ودعاة الفلسفة العقلية المثالية بزعامة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط و المنظر لبناء الحضارة وشروط نهضتها، مفكرنا الجزائري مالك بن نبي، الواجب يتقدم الحق، فهو معيار العدالة ومطلب عقلي واجتماعي وضرورة واقعية تتجاوز منطق المنفعة والذاتية إلى مستوى الالتزام بالقانون وذلك أساس التمدن والتحضر قبل المطالبة بالحقوق، لأن قيام الفرد بواجباته يؤدي إلى السير الحسن لعجلة التقدم والنهوض بالأمة وبناء المجتمعات. ومن الحجج القوية والبراهين المحكمة المستعملة حسب المدرسة الوضعية العلمية يمكن الاستعانة بقول عالم الاجتماع الفرنسي أوغست كونت: « ليس للفرد حقوق بل عليه واجبات. » وكلما أهملت الواجبات كلما اضطربت الحياة وانتشرت الفوضى وبانتشار الفوضى تتلاشى الحقوق وتتدهور قيمتها، يقول أيضاً: « لو قام الكل بواجبه لتحققت جميع الحقوق. » قريب من هذا الطرح قول فيلسوف الحضارة الجزائري مالك بن نبي:« الحق ليس هدية تعطى ولا غنيمة تغتصب بل هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب.»
لكن أسبقية الواجب وإلغاء فكرة الحق ذريعة لتبرير الظلم والاستغلال كما أن هذا مخالف للطبيعة البشرية لأن الواجب الذي يؤديه الفرد ينتظر منه دوماً مقابلاً.
(الحق يتقدم الواجب) هناك فلاسفة آخرون من أصحاب القانون الطبيعي ونظرية العقد الاجتماعي أمثال: جون جاك رسو، جون لوك، توماس هوبز، والثورات الفرنسية والأمريكية اللتان كانتا لهما بالغ الأثر على حقوق الإنسان، وهيئة الأمم المتحدة التي أصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.إن الفرد يكتسب حقوقه كمعطيات طبيعية أولاً ثم بعد ذلك يفكر في الواجبات والتزامات الحياة ومن هنا كان الحق أسبق من الواجب وهذه الأسبقية يجسدها الحق الطبيعي، لأن الحق مرتبط بالقانون الطبيعي، ملازم للكينونة الإنسانية، والحقوق ترتبط بالقوانين الطبيعية، أما الواجبات فترتبط بالقوانين الوضعية، فالحق يسبق الواجب من منطلق أن القوانين الطبيعية سابقة للقوانين الوضعية، فيعتمد دعاة هذا الطرح إلى حجج دامغة وبراهين مؤسسة، ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: « هدف كل جماعة سياسية هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية، التي لا يمكن أن تسقط عنه وهذه الحقوق هي الملكية والحرية والأمن. » فهي موروثة وفطرية فلا شك أنها سابقة عن الواجبات. قد نجد فلاسفة القانون الطبيعي وحتى المنظمات الدولية أقروا الحقوق وقدسوها في المقابل تجاهلوا الواجبات وفي ذلك إخلال بتوازن الحياة.وحينما قدسوا مبدأ الملكية بقصد أو بغير قصد، دافعوا على حقوق الأقوياء بدل الضعفاء.ومنه طغيان الحق على الواجب يؤدي إلى تناقضات واضطرابات في المجتمع.
ما يمكن قوله في الجمع بين الحق والواجب أي إعطاء كل ذي حق حقه مع أداء الواجب والالتزام به. وهذا ما ذهب إليه علماء السياسة والقانون في فكرة إقامة موازنة بين الحقوق والواجبات؛ و كلما قام الفرد بأداء واجباته كان له الحق بأن يطالب بحقوقه. وكان لزاماً علينا أن نمكنه منها وعدم القيام بالواجبات يبعد حق المطالبة بالحقوق ولا يسمح لمن يؤدي واجباته أن يحصل على حقوقه ومما سبق نفهم بأن توفر الحقوق لدى الأفراد يعني أداء هؤلاء الأفراد لواجباتهم.
*رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر.





