بقلم بصري محمد*
الفلسفة كمنظومة تربوية ومعرفية وبيداغوجية تعيش حالة سوداء وتهديدا وجوديا لم تعيشه أي مادة أو مقرر ومستوى مدرسي آخر عبر تاريخ تدريس العلوم بيداغوجيا وديداكتيكيا، بل منذ الفترة الاندلسية والرشدية التي تَحَقق فيها سقف تدريسي وفق شروط ثقافية و نهضوية عرفتها الحضارة العربية الاسلامية إذا نحن أخدنا بعين الاعتبار الدور الريادي الذي قام به ابن رشد وابن طفيل في تنزيل الفلسفة إلى المدرسة والتعليم حينها كان التعليم الديني الزامي وجبري ومسيطر غير طوعي.
في 16 يونيو 1979 رفع جاك دريدا Jacques Derrida (1930/2004) تقريرا خطيرا حول المآلات والاحراجات التي بلغتها التربية في فرنسا ذلك في اطار الجمعية العامة للفلسفة تحت ما يدعي “اللوحة السوداء”.*
لما رفع جاك ديريدا تقريره إلى السلطات الفرنسية والحكومة آنذاك في أواخر السبعينات كان يقرع أجراس الإنذار البيداغوجي والحضاري والثقافي حول تراجع التدريس وتهافته في دولة أسست جمهوريتها الأولى على أساس الوعي و اشراك الفلسفة في تنمية الوعي الجماعي الفرنسي. استشعر الرجل وهو أكاديمي وأستاذ فلسفة سابق بالثانوي خطورة أن تتحول المادة إلى مضمون ومتن ميت. أو تتحول إلى رماد ميتافيزيقي بائس.
كل ثقافة تربوية تنشد بناء الانسان المواطن وهي مهمة الفلسفة، بدل المواطن المتسول والمواطن الصعلوك والمواطن البراغماتي الانتهازي ومواطن الحقوق دون الواجبات والمواطن المتملق والمواطن الجبان والمواطن المشاغب . الإتجاه التربوي مؤهل إلى السير ببطء وفجيعة نحو اللامدرسية واللاسكولائية La déscolarisation .نحن جد متأكدين أن الحضارة تبدأ ارهاصاتها النهضوية من عملية تحرير فلسفي للعقل. فالغرب المركزي انتقل من مرحلة سكولائية تاريخية إلى الحداثة كان فيها الطرح العقلي الفلسفي رائدا ورافدا ابستيمولوجيا وتربويا أكسيولوجيا في ترتيب العلاقة بين المعارف والإنسان.
يقول هولت: “إننا لا نستطيع أن نوفر تعليما حقيقيا في المدرسة ما دمنا نفكر بأن من واجبنا وحقنا أن نفرض على الطلاب ما ينبغي تعلمه “[1] .
وهو ذات التوجه الذي فكر فيه كل من ايفان إيليتش1929/2002 Ivan Illich و جون ديوي اللذين يعتقدان أن براديغم منهجي مستقيل وغير منضبط بالحوار أساسه الحشو والتلقين هو منهاج زائل ونموذج فاشل يفتح الطريق أمام نهاية مؤلمة للمدرسة.
إن نماذج التقويم التي تعرفها المدرسة خاصة الفلسفة تتجه إلى عقل بيداغوجي مستقيل غير فاعل فاقد للتعلمية والتعليمية. فالنماذج التقويمية الجاهزة وما بات يُعرف بالإجابات النموذجية المطلقة و المقال الصِّرف الذي تُسوِّقُه مراكز الدعم والدرس الخصوصي الخارجة عن السيطرة البيداغوجية هي اضفاء لطابع الربح والمرابحة الليبرالية بما ندعوه لبررة التقويم وجعله يسلك مسلكا ربحيا ماديا وتجاريا مقيتا على حساب وعي الأجيال المقبلة من المواطنين الذين تغدق عليهم الدولة أموالا طائلة لتكييف واقعهم ومستقبلهم مع سياستها الاجتماعية والثقافية العميقة.
إيليش إيفان Ivan Illich الكاهن الكاثوليكي والمفكر البيداغوجي المواطن النمساوي والكرواتي الأصل يعتبر الاصلاح الذي يمس المدارس والمناهج بكل أشكالها ومستوياتها التاريخية وتوجهاتها الأيديولوجية والوطنية هو اهدار للوقت ومضيعة للجهد.فكل عملية اصلاحية تفتح الباب أمام منتفعين جدد فهي ثقل لا مدرسي جديد وعائق قيمي منهك يعيد انتاج ذات الأخطاء التي اجترتها المدارس السابقة.أي أن كل عملية لتحرير المدرسة وإطلاق العنان للمبادرات الجديدة ستقع في ما يسميه رأسمالية جديدة تجعل التربية موضوعا للربح والعرض والطلب. وهو ما شهدته عمليه نشر بيداغوجيا الكفاءات قسرا وسياسيا والتي جعلت المنضوين تحت تصوراتها مُسْتنزفين اقتصاديا خاصة وهي تُبشِّر بواقع تربوي جديد يُقحم العقل التربوي في العولمة وكل توابعها من عالم رقمي وتقنية الكترونية وذكاء خلوي جديد.
إصلاح الإصلاح هو برهان مقلوب يشبه المقاربة المنطقية الصورية غير المنتجة السالب لا ينتج إلا سالبا، لا يمكن انجاز وعي ثقافي وحضاري أو تحقيق أي ملمح هوياتي في ظل إمتحانات اجترارية ببغائية تستبعد التحليل والتركيب وكفاءة النقد والبناء هي نتاج مدرسة لا تفكر. التقويم بصورته الإعتباطية والمسيئة للفلسفة يصْدُق عليها قول البيداغوجي .ايليش ايفان “التعليم المدرسي الإلزامي ليس معقولا، ولن يكون أكثر معقولية إذا حاولنا بلوغه عن طريق تطوير مؤسسات بديلة ،فلا البرامج التعليمية الإلكترونية ولا زيادة مسؤولية المدرسين سوف تحرر هذا النمط من التعليم” [2].
الواقع أن مُدرس الفلسفة بات يقدم وجبات فلسفية وطعاما رديئا لا يصلح للتفكير وليس ذو قيمة ثقافية أمام الهدر التقويمي الذي تعانيه منظومة الإمتحانات في هذه المادة. ويمكن قياس هذا المفعول القيمي على بقية المواد التي تعاني عوارًا منهجيا وترفض إعادة تكييف مناهجها مع الواقع والظروف الإجتماعية والمعرفية العلمية والشروط الدولية المعولمة.
الأخطاء التقويمية التراكمية ستعاني منها المنظومة التربوية و لا يمكن بأي حال التعافي منها إلا بالتضحية بأجيال كثيرة من المتمرسين، وأركز هنا على مادة الإختصاص الفلسفة كون التقويم فيها باروميتر المواد الأخرى وما يصدق عليها اليوم سيتمدد لِيلْتَهـــِم بقية الشعب والتخصصات الأخرى عاجلا أو آجلا.
أمام هذا الهدر والتقاعس والجبن البيداغوجي والكسل الديداكتيكي والإستنزاف التقويمي سنصل إلى القول مع إيفان إيليتش الذي قرأ المسألة بصورة نقدية عميقة وبراغماتية أنه علينا أن نتوقف على إغداق المال العام بصورة سخية على مناهج فاشلة تعيد الدور الأبدي النتشوي السلبي، هو دور مركزه وبطله حركة تقويمية ناقصة شبه معزولة عن المستوى الهدفي لسياسة التربية ومترهلة بيداغوجية متناقضة مع المقاربة التي ترومها زعما “الكفاءات”، علينا أن نكف على إهدار المال العام وإعادة تقييم واقعي للنظام التربوي والسلوكي والتقييمي. في هذا الصدد تنامى طرح خطير داخل الامبريالية والرأسمالية المتوحشة نادى بإنهاء فكرة المدرسة النظامية وإلى مجتمع بدون مدارس كنموذج دعى اليه إيفريت ريمر Everett Reimer صاحب كتاب المدارس الميتة وهو ما نراه في الصفوف حيث يغادر الطلبة المدرسة الرسمية ويلتحق بالدرس الخاص متوسما النجاح والتفوق وهو حالة من التشنج اللاعقلاني والتشوش النفسي الذي حدث وفق مفارقة عجيبة في الوعي بتمييز وتمجيد التعليم المدفوع والمُكلِف للأسرة بتعليم مجاني تكْفلُه الدولة. هذا البراديغم السلبي الذي يزاحم المدرسة الرسمية يؤهل مستقبل الدولة إلى مجتمع بدون مدارس كونها الجهة النظامية الوحيدة التي تحتاج إلى مؤسسات تعليمية والتي تضمن لها استمرارها الاقتصادي والثقافي والسياسي والعسكري والصحي .فكرة ما جدوى المدرسة تصور قديم جدا، منذ العهود الاغريقية التي كان فيها التعليم فرداني يستند إلى الجهد الشخصي والطبقي والخاص بميسوري الحال والجماعات الحاكمة والمتسلطة الضاغطة حينها كان سمة بيروقراطية وملكية وأرستقراطية تميز فئات عن بقية عموم الشعب وهو ما يؤيد برهانيا فرضية Ivan Ilitch الذي يؤكد أن المدرسة مؤسسة حديثة يمكن الإستغناء عنها خاصة عندما تحمل في تركيبتها وتكوينها بذور انهيارها. فوكو ميشال 1929/1984 M.foucault الفيلسوف الداهية يربط المدرسة مع السلطة والتدجين السلبي فمن موت الإنسان ونهاية التاريخ وتلاشي المؤسسات لصالح تشابك غير متصالح مع السلط المرئية وغير المرئية إلى موت المدرسة ونهايتها كبنية structure ، كون المدرسة كالثكنة والسجن لا يمثل أي منهما الحقيقة بل وسيلة قمعية تضاف لتاريخ من نظام العنف المشرعن الموجه ضد الذوات الحرة فالمُتمدرس كائن إنساني و بنية في البراديغم الأركيولوجي الفوكوي هذه البنية آيلة للزوال مادامت المدرسة كإبستيمي تعمل على إنهاء مهامها من خلال أسسها ومكوناتها كالمدرس والأستاذ و المتمدرس والمعرفة في تغيير أدوارهما غير الثابتة نسقيا.
الفلسفة هي المادة الإنسانية الوحيدة التي تتأذى تحت مطرقة العبث بمساراتها ومنهجها وتوجهها المدرسي وحساسيتها المنطقية للعدمية البيداغوجية وهي نابعة من صرامتها المنطقية فهي تخصص يتوسط المواد العقلية والمواد ذات الطبيعة الإنسانية، هي لا تقدم محتوى ثقافي وفكري ومعرفي ناجز بل حصيلة بين حوار المتمدرس مع النصوص يتبعه تحديد مواقف فكرية وتصورات نابعة من تحليل وتركيب عبر فعل الكتابة كوسيط في التقويم ذاته أو الإمتحان. الُمقوم أو المُصحح الذي تحوّل إلى بطل مغوار في ظل الأسئلة والموضوعات المُتوقَعة وفي الحقول البيداغوجية الضّالة للمدرسة الخاصة الربيبة هذا الأخير يكتسب سلطته من خلال قراءة النصوص المنجزة من المترشحين الذين تم تدريبهم على الكتابة وفق أُفق تعلُمي وتعليمي أساسه مقررات ومضامين ومتون أساسها منهاج ترعاه الدولة للحفاظ على التمساك الديالكتيكي بين ما تريده من وعي ومواطنة وثبات هوياتي وما يبديه مواطنوها التلاميذ والطلبة .للأسف هذا الأفق يهتز عندما يتم العبث بمضامين التقويم بل يعزز إمكانيات تساقط كل من المقرر والمنهاج وكل ماهو رسمي في تعليم المادة بل يتبخر في نهاية السنة ويصبح رمادا تدروه الرياح بسبب الرداءة التي توجه هذا التقويم.
الكتابة ضرورية في مجال الانسانيات بل هي محور كل العلوم الانسانية كونها مواد تعتمد على الجدل والسجال بين اللفظ والمعنى وبين الدال والمدلول و بين الكلام أو الحديث والكتابة وهي ثنائيات ومتقابلات ركز عليها دريدا في تبليغ الخطاب الفلسفي.والذي بات في خطابنا الفلسفي لا يمثل الحالة الوطنية ولا الوعي الوطني بسبب الشرخ الحاصل بين ما نقدمه و ما نقومه وما نتوسم من كفاءات يجب أن تتحقق في الواقع. نحن نمارس التضليل البيداغوجي والخداع الديداكتيكي حين يكون هناك تناقض بين الدروس و المقررات كنصوص وبين التقويم كمعطى جاهز ومسبق ومعفى من المساءلة .حين تتحول المقالات إلى محفوظات جاهزة يدخل بها المترشح التلميذ إلى قاعة الإمتحان متجاوزا مستوى المسابقة إلى مستوى غير تربوي وغير منهاجي وهو الحسم النهائي والتمكين من التقييم الأعرج والسلبي النهائي ظاهره النقاط المرتفعة وباطنه افلاس نهائي للتراتبية ونسقية التعلمات الفلسفية التي تلقاها طيلة السنة.
محمد بصري باحث جزائري
هوامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش:
• جاك ديريدا عن الحق في الفلسفة ترجمة د عزالدين الخطابي توزيع مركز الوحدة العربية.
1- الدكتور سعيد اسماعيل علي عالم ال فلسفه تربويه معاصرة صفحه 196 سلسله معرفه الصادرة من والفنون والآداب الكويتية.
2- نحو مجتمع بلا مدارس قراءة في فلسفة إيفان إيليش أ.م.د. وجدي خيري نسيم كلية الأداب جامعة بورسعيد. مجلة كلية الاداب جامعة بور سعيد عدد الثالث وعشرون ص347.
*باحث تربوي الجزائر





