بقلم: خديجة مسروق*
يستحوذ السرد على المتلقي إذا خرج عن النسق التقليدي للكتابة السردية , بخلق عوالم افتراضية يتجاوز فيها الكاتب تصوراته للواقع و السماح ليراعه بالتحليق في فضاء المتخيل .
و بحثا عن المغايرة و الاختلاف , و لتعزيز نصيتها عمدت الروائية ‘ هيا صالح ‘ على اختراق عالم الغرائبية بتحررها من الوالقع و الانتقال إلى اللاواقع .
تحيلنا رواية ‘ جسر بضفة وحيدة ‘ للروائية ‘ هيا صالح ‘ الصادرة العام 2021, إلى مجموعة من الثنائيات المتضادة , باعتبار أن الكون مبني على الثنائيات التي بامكانها أن تمنح قيمة للأشياء كـ ( الحياة و الموت , الحقيقة و الخيال , الواقع و الوهم ).
تدور أحداث الرواية بين العراق و الأردن . بطلتها ‘ سامية ‘ ولدت بالعراق من أب عراقي . أصول جدها لأبيها فلسطينية . هاجر إلى العراق كلاجيء أثناء النكبة الفلسطينية . عاشت مع أسرتها حياة يسيرة ‘ لم أفكر أثناء طفولتي أني أنحدر من أسرة فلسطينية لاجئة , كنت اعتقد أن جميع البشر عراقيون , ويعيوشون حياة تشبه حياتي , شقة صغيرة و أنيقة … و مدرسة مريحة , و مساءات تفيض بالبهجة .. ماذا يريد المرء أكثر من ذلك ؟’ الرواية ص 31.
‘ سامية ‘ كانت وحيدة والديها ماجعلها تصاب بعقدة نقص تحسد كل من لديهم إخوة .
وباعتبارها الابنة الوحيدة عليها أن تكون على قدر ثقة والديها ,وقد أودعا فيها حلمهما لذلك كانت تسعى للوصول إلى الكمال .مصورة فوتوغرفية تعشق التقاط الصور النادرة و المهمة .انتقلت ‘ سامية ‘ مع عائلتها إلى الأردن أثناء وقوع حرب الخليج الثانية.
في سن المراهقة تعرفت على ‘ عمار ‘ و هو فنان يهتم بالنحت كما كان مولعا بمطالعة الكتب الأدبية و الفلسفية , حفزته مكتبة والده على القراءة و التعمق في خبايا الفكر. تأثرت ‘ سامية ‘ به وتوسعت مداركها المعرفية بحبها للاطلاع و اكتشاف أسرار العلوم و المعارف.
أحبها ‘ عمار ‘ حبا شديدا و بادلته نفس المشاعر . لكن القدر أحيانا لا يمنح الانسان فرصة توديع من يحب . كل شيء كان سريعا كالحرب وقاسيا كالموت . باندلاع حرب الخليج تغادر ‘ سامية ‘ وعائلتها العراق على عجل دون أن تودع ‘ عمار ‘ .
و تبدأ معاناة الفقد تمزق أضلاع ‘ سامية ‘ وتبقى أسيرة الذكريات و يتحول حب ‘ عمار ‘ بداخلها من عاطفة جميلة إلى حنين موجع .حضور ‘ عمار ‘ يمنحها القوة في حالة الضعف و ينتشلها من الضياع و يمدها بالأمل . كان حضوره يشعرها بالكمال .
الحرب و الحصار قطعا السبل بينهما و أصبح عمار بين ليلة و ضحاها بعيدا ..
عرفت ‘ سامية ‘ حالة من الاغتراب الداخلي نتيجة للفقد الذي عاشته بوصولها الأردن . بعد أن فقدت حبيبها ‘ عمار ‘ وبلدها, يُغيّب الموت والدها إثر مرض عارض و تلحق به والدتها و بقيت وحيدة. فجيعتها القاسية لم تسلبها ارادتها . بل دفعتها إلى مواصلة دراستها الجامعية , كما كانت في الوقت نفسه تمارس هواية التصوير الفوتوغرافي و التقاط الصور من هنا وهناك .
لم تستطع ‘ سامية ‘ التخلص من الماضي و ظلت أسيرة لذكريات والديها و ذكرى’ عمار ‘ الذي استمرت في البحث عنه معتقدة أنه التحق بركب اللاجئين العراقيين الذين جاؤوا إلى الأردن ‘ كنت أغفو كل ليلة و أنا أدعو الله أن أصحو فأجد سنواتي السبع الأخيرة قد حذفت من حياتي , و لازمني الشعور بالخيبة كل صباح , كأنني سيزيف الذي كلما بلغ أعلى الجبل تدحرجت صخرته باتجاه القاع ‘ الرواية ص 72.
الحياة تقبل الاستمرار و إذا الانسان لم يتجاوز الماضي ظل سجينا به يمزقه الحنين و يجد الحل باللجوء إلى الذكريات و هو شعور قاتل و ‘ سامية ‘ كانت كذلك سلمت مخيلتها للوهم الذي يمكنها من لقاء أحبتها الذين فقدتهم ‘ أشعر كما لو أنني محبوسة في قفص الماضي , و لا أستطيع الخروج منه …أتطلع إلى الماضي, صحيح لم يكن مبهرا و رائعا .لكن كنت قادرة على الاستمتاع بهدوء بما يحيط بي ‘ الرواية ص 93 .
بعد تخرجها ‘ سامية ‘ تزوجت و أنجبت طفلين . زواجها من ‘ صلاح’ الذي يعمل في شركة هندسية عرف بالطيبة و حسن السلوك , كانت لها أسبابها المنطقية التي جعلتها تقبل به زوجا لم يكن الحب ضمن هذه الأسباب , فالحب من منظور الروائية لا يخضع لدائرة المنطق .
كانت تحتاج لرجل يعيد لها توازنها , يحتويها و يعوضها عمّن فقدتهم . ‘ صلاح ‘ كان ضحيتها . لم يكن مسؤولا عن الظروف التي دفعتها للزواج به فرغم حبه الشديد لها و محاولته اسعادها فهي لم تستطع أن تحبه يوما ..
في أحد الأيام كانت ‘ سامية ‘ في مكتبها باستوديو التصوير سلمتها الموظفة التي تعمل معها رسالة أعطاها أياها شخص مجهول .بداخل الرسالة كتبت عبارة مأخوذة من الرواية التي أهداها ‘ عمار ‘ لـ ‘ سامية ‘ من مكتبة والده حين كانت بالعراق و التي عنوانها ‘ جسر بضفة وحيدة ‘
و هو نفس العنوان الذي اختارته الروائية ‘ هيا صالح ‘ لروايتها وهنا تبدأ المزاوجة بين الوهم و الحقيقة و تشويش فكر القاريء بحضور رواية داخل رواية وهذه تعد فنية من فنيات السرد الحداثي .
تنطلق ‘ سامية ‘ في البحث عن صاحب الرسالة .و في طريقها إلى البيت تدخل لأول مرة مقهى كانت تمر به يوميا . يحدث أن اقترب منها شاب يعمل نادلا بتلك المقهى يجلس معها إلى طاولتها و يحكي لها عن فلسفته في الحياة ونظرته للموت . سرعان ما اختفى ذلك الشاب دون أن تسأله عن اسمه . تعود إلى المقهى في اليوم التالي بحثا عنه. و من الصدف أن التقت بـ ‘عمار ‘ المصادفة التي أثلجت صدرها و أطفأت نيران شوقها له التي كانت تقتلها في كل لحظة .
‘ عمار ‘ كان يدعوها في كل لقاء يجمعهما إلى الذهاب إلى الجسر الذي بامكان زائريه أن يلتقوا فيه بموتاهم و كل من فقدوهم .و يمتزج الواقع بالخيال و الحقيقة بالوهم . فهل الحقيقة لا تكون حقيقة إلا إذا ارتبكت بالأوهام كما تزعم الروائية ؟.
ثنائية الحياة و الموت حاضرة بقوة في الرواية باعتبارها مركز التفكير الانساني . فهل الموت هي حياة ثانية ؟ هل يمكن للأحياء الالتقاء بالموتى ؟هل الأموات بامكانهم العودة إلى الحياة الدنيا ؟ هل تلتقي الأرواح في غياب الأجساد ؟ أم يلتقي الأحياء بالأموات روحا وجسدا ؟.
‘ سامية ‘ يزداد قلقها و تساؤلها حول حقيقة الموت يجيبها ‘ عمار’ وهما يطلان على الجسر ‘ تأملي حولك أليست الحياة كلها ظلال للموت ؟’ الرواية ص 176..
النادل الذي التقته ‘ سامية ‘ في المقهى شدها إليه حواره الفلسفي معها . مات أهله في حادث سير و أقدم على الانتحار عدة مرات.أراد أن يقابل الموت وجها لوجه لينتقم من وحشية الموت الذي لم يرحمه حين أخذ أهله . لكنه في النهاية تصالح مع الموت و أقنع نفسه بفكرته الوجودية ‘ أنا لست حيا تماما و هم ليسوا أمواتا تماما , و لهذا يمكننا الالتقاء فأنا أراهم و أحدثهم و أستطيع لمسهم و التواصل معهم ‘ الرواية ص 86.
تتعقد فكرة الموت أمام ‘ سامية ‘ من نقاشها مع النادل’ هل تقصد أنك تتخيل ذلك أي أنك تراهم في الحلم ؟ ــ أقصد أنهم مايزالون داخل هذه الحياة … بذور تقبع في قاع الأرض و تموج الحياة من تحتها .. هل البذور ميتة ؟’ الرواية ص 86. هكذا هم الأموات في تصور الروائية بأنهم أحياء كالبذور حين نواريها تحت التراب تنمو تلك البذور و تصير نباتا .
‘ سامية ‘ تتمنى لو بامكانها القبض على الموت للانتقام منه فهو الذي أخذ والديها .وتركها تعاني ألم الفقد و عذاب الحنين . و لم يكن أمامها سوى التحايل عن الألم بالهروب من الواقع و اخضاع تفكيرها للخيال و تركه يتلاعب به و يرتبه وفق هواه و يجعلها تتعامل معه على أنه حقيقة . فالتخلص من الحقائق يمنح للفكر الحرية في صنع عالم كله سعادة حتى و لو كانت سعادة وهمية .
جروح الفقد التي تعاني منها ‘ سامية ‘ جعلتها انسانة أخرى . تحولت إلى امرأة فاقدة للمشاعر. تخلت عن ‘ سالم’ الذي تعرفت عليه في الأردن و الذي كان صادقا في حبه لها, و فسخت خطوبتها من أحد أبناء أقاربها بموت والدها مباشرة .وتسببت في أذى شقيق صديقتها العراقية التي تدرس معها بالجامعة , و ذلك بسبب مشاركته في الحراك الذي قام به المواطنون في الأردن لغلاء الأسعار, وكانت ‘ سامية ‘ وسط تلك الحشود تلتقط الصور وبعد مصادرة آلة تصويرها وجد المحققون في الشرطة من بين الصور التي التقطتها صورة تدين شقيق صديقتها الذي زُج به في السجن لأجل غير مسمى .و تتوقف صديقتها عن الدراسة وتغادر الأردن بطلب من أهلها و تعود إلى العراق . تشمئزّ ‘ سامية ‘ من نفسها وتشعر بعذابات الضمير ‘ احتقرتُ تلك الفتاة التي عكستها مرآتي : لماذا التصرف بأنانية مطلقة تسمح لنفسها بالتلاعب بمشاعر الآخرين’ الرواية ص 63..
العجائبية كفن سردي تنهل من علم النفس و الاستبطان و الاستبصار والسحر و علم الطاقة و الماورائيات . غرفت الروائية ‘ هيا صالح ‘ من معين هذا التنوع لكسر القوالب النمطية الموجودة في السرد العربي .
بطلة الرواية ‘ سامية ‘ حين تزور والد زوجها في مكتبه والذي استفزها كلامه خلال حوارها معه .اعترتها رغبة في الانتقام منه. حيث اجتاحت مخيلتها فكرة وهمية تتمثل في احضار مسدس ووضعه في يد والد زوجها وتركه ينتقم من نفسه بالانتحار بطلقة رصاص من ذلك المسدس .
غادرت ‘ سامية ‘ مكتب والد زوجها ,و سرعان ماوصلت إلى البيت حتى هاتفها زوجها يخبرها بأن والده انتحر بطلقة مسدس . وتدخل في دوامة من القلق و الاضطراب جراء ماحصل و تأخذها الريبة حول سر التقاطع بين تلك الحادثة و الفكرة التي راودت خيالها و هي بمكتبه . فكيف لوالد زوجها أن يموت بنفس الطريقة التي تخيلتها ؟هل هي المصادفة؟ أم لها فعلا يد في ذلك ؟ أم للحادثة تفسير آخر؟
تعرض عليها ‘ غدير ‘ صديقة لها مختصة في اليوغا و علم الطاقة و مهتمة بالبحث في الماورائيات ,بممارسة اليوغا من خلال ‘ التأمل و تدريب النفس على النجاة من مصائد الحياة ‘ الرواية ص 95 . وأن عليها بالإيمان بالرؤية لترى ..تسأل ‘ سامية ‘ صديقتها ‘غدير ‘ هل يمكن لخيالها أن يكون مدانا بهذه الجريمة ؟ تجيبها ‘ ربما تكون هذه جريمة في علم الطاقة . فمثلا ‘ الحسد ليس سوى موجات كهرو مغناطيسية تخترق هالة الجسم المقابل فتسبب مرضه و أحيانا موته ‘الرواية ص 134.علم الطاقة حسب الروائية مليء بالأسرار حيث تعطي تفسيرا لماحدث مع بطلتها في قولها ‘ قد تكون هالة ــ والد زوج سامية ــ تماست مع هالتة سامية فتأثرت بما تفكر , و في لحظة غير واعية منه أقدم على الانتحار يعني أنت ـ سامية ــ أوحيت إليه بالأمر, و هو نفذه ‘ الرواية ص 135…
تكتشف ‘ سامية ‘ أن ما كانت توحيه لها مخيلتها من حوادث مجرد وهم لا علاقة له بالواقع الرسالة التي تسلمتها من مجهول كانت رسالة وهمية , لقاؤها بـ’ عمار ‘ كان محض خيال و المقهى الذي كان تتردد عليه لا وجود له على الاطلاق .
الجسور التي وجدت في الرواية ماهي إلا رمزية لحبال التواصل و رابطة المحبة التي ظلت تفيض بها روح ‘ سامية ‘ وهي التي ظلت تسبح في الخيال حتى لا تفارقها ذكريات الماضي..
‘ عمار ‘ الذي ظل يسكن في أعمق جزء من قلبها , لم يكن سوى رمزا دلاليا لوطنها الذي رحلت عنه مجبرة فظل يسكنها . حين يرحل الأبناء ترحل معهم أوطانهم , تسكنهم, يتنفسون عبقها , تمدهم بالأمل و بالحياة .
الرواية تحمل بعدا فلسفيا وجوديا . تتجاوز فيها الروائية مفهوم الحقيقة المطلقة و اليقينيات, بالانطلاق من عنصر الشك و طرح السؤال .. تشغلها فكرة الموت إلى حد كبير, كما ترى أن الناس لا تموت بشكل كامل فهناك أشياء تخلد لأنها أقوى من الموت .
تبدو الروائية متأثرة بواقعية ماركيز السحرية . يغلب على روايتها طابع الغرائبية تتمرد فيها على الواقع بولوجها عالم الميتافيزيقا و الماورائيات لارتباط ذلك بالنشاط الفكري و الفلسفي و الأدبي , حيث أدى وظيفته الفنية داخل الرواية و التي تتوارى خلفها ايديولوجية فكرية تحاول الروائية تمريرها لتفتح باب التأويل مشرعا أمام القاريء , و تحفيزه للغوص في ثنايا النص ومحاولة انتاجيته من جديد و الوقوف على ماهيته نقديا و أدبيا ..
*كاتبة وناقدة من الجزائر





