د.محمد الصفاح
تتجلى قوة الله سبحانه وتعالى وإعجازه في معجزة الخلق.ومن اعظم الخصائص المميزة للخلق الإلهي, خصيصة التضاد, اي ان بنية الخلق تقوم على الإختلاف الضدي. يقول عز وجل: (الذي خلق الموت والحياة).فالله سبحانه وتعالى خلق الحياة القائمة على الحركة , كمقوم اساس لها . اما الموت, فتنعدم فيه الحركة.ويقول سبحانه: (الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور). فالظلمات نقيض النور. ومن عظمته سبحانه وتعالى , خلق الظاهر والباطن. فالظاهر هو المظهر الخارجي للحياة المتمثلة في الكون برمته الواقع تحت سلطة الحواس على مستوى الإدراك.اما الباطن , فهو ذاك الجانب الغائب عن قوة إدراك الإنسان, اي انه الشق الخفي العصي على الإدراك من قبل سلطة العقل, والفكر وكذا سلطة الحواس. يقول سبحانه وتعالى عن نفسه: (هو الاول والاخر والظاهر والباطن). وللعلم, فإن طبيعة الخلق القائمة على التضاد تعد من اسمى مظاهر الجمال. وبمعتى اصح , فالمخلوقات الطبيعية ذات الاشكال المختلفة في خلقها واشكالها قوة جمالية , او الحلة الجمالية للكون او الوجود,إذ بفضلها وكما يقول العلماء المختصون, يحافظ المظهر الخارجي للكوكب الارضي على توازنه الطبيعي, وذلك خدمة للإنسان, إذ لولا هذا التنوع والإختلاف في بنية الخلق لما استطاع الإنسان ان يعيش او ينعم بالإستقرار النفسي والإجتماعي , على راي علماء الجمال. فليفترض القارئ الفاضل ان المظهر الوجودي للحياة يقتصر على اللون الاحمر دون غيره من الالوان, فكيف سيكون حال الإنسان؟ وهل سيكون وضعه مستقرا؟الجواب , قطعا , لن يكون الإنسان في وضعية مستقرة, والدليل على ذلك انه رغم اختلاف الالوان, والاحجام , والاشكال, فإن الإنسان يشعر بالملل والضجر .ولكن اقتضت حكمة الله البالغة ان ينطوي التنوع الخلقي على بعد وجودي جليل عظيم الفائدة , الاوهو البعد الجمالي.يقول الله عز وجل: ( الم تران الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلف الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور)1 .يظهر ان هذه البنية النصية الكريمة , تقوم على المظاهر الاتية:
1-القوة الإلهية المتجلية في إنزال الماء من السماء , وهو فعل او امر يختص به الله سبحانه وتعالى دون غيره , وبالماء وبإرادة الله يتم إخراج المنافع من باطن الارض.
2-الخلق المختلف ويشمل:
-الجماد: الثمرات , الجبال
-الحي: الإنسان, الدواب, الانعام.
3-الجمال القائم على التنوع والإختلاف.
إن هذه المظاهر تتضمن محورين اثنين:
– محور الخلق الإلهي المعجز القائم على الإختلاف والتعدد.
– محور النسق الجمالي: اي ان هذا الخلق استمد قوته من فعل التناسق الجمالي الذي يشمل الخلق , وجمالية الخلق. واعلم ايها القارئ الفاضل ان هذا الجمال الذي انعم به الله سبحانه وتعالى على الإنسان ويحيط به جوا وبحرا وبرا, إنما جعل لغرضين اثنين:
– اولهما: الإمتاع.يقول الله عز وجل: (والانعام خلقها لكم فيها دفئ ومنافع ومنها تاكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وتسرحون وتحمل اثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس إن ربكم لرؤوف رحيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالاتعلمون)2 .
– ثانيهما العبرة والتفكر والتذكر: يقول الله عز وجل: (هو الذي انزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمراث إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون وما ذرا في الارض مختلف الوانه إن في ذلك لايات لقوم يذكرون)3 .
– ثالثهما: الشكر: يقول الله عز وجل: (وهو الذي سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجون منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)4 .إن هذه الايات الكريمات تتحدث عن الخلق الذي صنعته ايدي الرحمان. يقول سبحانه وتعالى: اولم يروا انا خلقنا لهم مما عملت ايدينا انعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها ياكلون ولهم فيها منافع ومشارب افلا يشكرون)5 .كما تظهر ايضا جمالية الخلق.وللعلم ابها القارئ الكريم, فإن هذا الجمال الظاهر الذي ينطق به الوجود الذي شغل الإنسان قديما وحديثا ولازال, فذهب فيه فكره مذاهب كثيرة ومختلفة , وحيرالالباب والقلوب , إنما هونور من انوار الجمال الاعظم الباطن, الساطع اوالنابع من جلال وجمال الذات الإلهية المقدسة. هذا وإذا كان الجمال الظاهر المدرك بالابصاروالإبصار, وبالصورة الجمالية التي نعلم , والتي لانعلم, فكيف هو حال الجمال الباطن المحجوب عن رؤية الابصار؟ إن الباطن هوموطن الصفات العليا والاسماء الحسنى والاسرار المقدسة الخفية والبعيدة عن الإحاطة والإدراك والعلم والمعرفة من لدن العقول البشرية القاصرة والعاجزة عن إدراك الحقائق الباطنية الماورائية.إذ لايعلم منها شيء إلا بما شاء صاحبها, ولمن شاء من عباده.وفي هذا المقام العطر استحضر قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربي ارني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرموسى صعقا فلما افاق قال سبحانك تبت إليك وانا اول المومنين)6 .فالتجلي , يعني الظهور, والظهورليس ظهورا تدركه جارحة العين,ولكنه ظهور يليق بجلاله وعظمته وسلطانه. يقول سبحانه عن نفسه: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار). فالله تعالى باطن يظهر بتجلياته الكونية الناطقة :
– بفعل الخلق: قوة , ولطفا,ورحمة,وعدلا, وصدقا…..
– وجمال الفعل الخلاق المبدع المتمثل في خلق الإنسان.وإذا كان من اوصاف الله انه جميل, فلا يمكن ان يكون هذا الإنسان الخليفة إلا جمبلا, لانه الدال على صفة الجمال الإلهي. فصورة الإنسان الذي خلق في احسن تقويم ,تجسد عظمة الخالق الجميل.وبذلك يكون الإنسان اعظم صورة ومثال لتجلي الجمال الإلهي.وكما تعلم ايها القارئ الكريم فرغم حسن وعظمة هذا الجمال فإنه زائل ولايرقى إلى مرتبة جمال الجنة الدائم التي اعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المتقين ,إذ انفق فيها من خزائن الجمال , فحوت من الخيرات الحسان مالا عين رات ولااذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.يقول الله عز وجل: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بانية من فضة واكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا ويسقون فيها كاسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رايتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رايت تم رايت نعيما وملكا كبيرا عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا اساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا)6 .ويقول تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها انهار من ماء غير اسن وانهار من لبن لم يتغيرطعمه وانهارمن خمر لذة للشاربين وانهارمن عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات)7 .ويقول سبحانه وتعالى: (فيهما عينان نضاختان فباي الاء ربكما تكذبان فيهن خيرات حسان فباي الاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام فباي الاء ربكما تكذبان متكئين على رفرف عبقري حسان)8 .إن هذه الصور البديعة المبنية على وصف جمالي لايضارع النمط الجمالي المعهود لدى الإنسان, مصدرها منبع الجمال الصادر عن الجمال الإلهي.إن الجمال بنوعيه, الظاهر والباطن, إنما هوصيغة جمالية من صنع قوة جمالية , اتقن صاحبها تجميل كل شيء. إن الجمال من اسمى واعظم القيم الإنسانية المشتركة بين الامم كافة. فجماليات الفكر المسيحي اللاهوتي تقوم على كلمة فيلوكاليا وتعني محبة حسن الله وجماله. ليرتبط بذلك الجمال باصل الجمال ومنبعه , اي الجمال الإلهي الابدي الكلي المطلق الخالد. إذ عنه صدر وفاض جمال الكون , وما الإنسان إلا قبمة جمالية تعكس صورة الجمال المبدا الاسمى. يقول احد المتصوفة: ( إن الجمال سر من اسرار الملكوت الاعلى, وان ماتراه الاعين من جمال ظاهر,إن هو إلا ظلال مصدرها الجوهر,خلف استارنورانية نابعة من فيض خزائن جمال سرمدي مطلق. والجنان جزء من الملكوت الاعلى , وجمالها نوراني ستلذ به اعين وقلوب خاصة العباد الذين ملكوا قلوبا استشعرت هذا الجمال , وشقت من اجله , وسعت نحوه بالمجاهدة والمكابدة, رغبة في الظفر بنعيمه., وبهائه…….)
1-فاطر:اية,27-28
2-النحل: ابات:6-7-8
3-النحل:ايات:10-11-12-13
4-النحل:اية:14
5-ياسين:ايات:70-71-72:
6-الإنسان :ايات:12-13-14-15-16-17-18-19-20-21
7-محمد: اية:16
8-الرحمان ايات:65-66-67-68-69-70-71-72-73-74-75





