للكاتب والأديب الروسي: ميخائيل زوشينكو
ترجمة: د. نزار عيون السود
جرت هذه الحادثة في أحد حمامات لينينغراد. أراد تقني فني، كان يستحم في حمامنا، ارتداء ثيابه بعد أن استحم، فلاحظ برعب أن ثيابه كلها قد سرقت من خزانة المشلح. ولم يترك السارق الطيب لصاحبنا سوى الصدرية والقبعة والحزام. تأوه هذا التقني الفني وتحسر ووقف أمام خزانته في المشلح عارياً، حائراً، لا يعرف ماذا يفعل. وقف أمام الخزانة، كما ولدته أمه، مصعوقاً، مذهولاً. إنه رجل فني، متعلم، ولا يتصور نفسه كيف سيذهب الآن إلى بيته. وقف بقدمين مرتجفتين، لا تقويان على حمله.
ثم ارتدى صدريته بانفعال واضطراب، ووضع قبعته على رأسه وأمسك بالحزام بيده وأخذ يسير على هذا الشكل التجريدي في المشلح، لا يدرك شيئاً ولا يفقه أمراً. عندما رآه المستحمون قالوا له:
– إن حوادث السرقة تجري كل يوم في هذا الحمام.
أما صاحبنا التقني الفني المتعلم، وبعد أن دار رأسه وداخ، أخذ يتحدث بلهجة النظام البائد، ويستخدم كلمة «السادة» ويبدو أنه قد فقد بعض سمات شخصيته الجديدة نتيجة لاضطرابه وانفعاله الشديدين، وأخذ يردد قائلاً:
– إن أكثر ما يهمني ويشغل بالي أيها السادة، هو كيف سأذهب الآن إلى منزلي.
فأجابه أحد الزبائن من الذين لم يستحموا بعد:
– استدعِ المدير إلى هنا. ومن واجبه أن يجد حلاً لمشكلتك.
قال الفني التقني بصوت ضعيف:
– أيها السادة، اطلبوا لي المدير.
ركض «الحمامجي» بسرواله إلى الخارج وسرعان ما عاد المدير. وتفاجأ الناس بأن المدير امرأة. خلع التقني قبعته من على رأسه، وقال مفكرًا متسائلاً:
– أيها السادة، هذا أسوأ مما حصل! لقد كنا نأمل بأن نرى مديرًا رجلاً، ولكن فجأة تأتي إلينا امرأة. ومتى أصبح مدراء الحمامات الرجالية نساءً! إنها حالة شاذة.
وجلس من فرط اضطرابه على الأريكة، بعد أن غطى عورته بالقبعة. أما الرجال الآخرون، فقالوا متسائلين:
– امرأة – مديرة الحمام الرجالي! إنها حالة شاذة.
قالت المديرة:
– بالنسبة لكم، أنا حالة شاذة، لكنني لست أبداً حالة شاذة بالنسبة للقسم النسائي من الحمام الذي أديره على بعد خطوات من هنا. أرجو عدم ذكر هذه العبارة.
تكوم التقني الفني في صدريته وقال:
– «مدام»، نحن لم نقصد إهانتك. لماذا تقلقين؟ الأفضل أن تفكري وتقولي لي كيف سأذهب إلى بيتي.
قالت المديرة:
– بالطبع، قبلي كان المدراء رجالاً في الحمام. وكان هذا جيدًا بالنسبة لقسمكم هذا، حمام الرجال. غير أنهم كانوا غير صالحين أبداً بالنسبة للقسم النسائي. فقد كانوا يترددون على القسم النسائي مراراً كل يوم، بغرض وبدون غرض. لهذا لا يعينون الرجال الآن إلا نادراً، ويفضلون تعيين النساء. أما أنا، فلا أدخل إلى القسم الرجالي إلا عند الضرورة، وفي حال وقوع حادثة سرقة. وأنا لا أفقد رباطة جأشي خلال ذلك. أما ما أسمعه منكم من إهانات، حيث يدعوني كل مستحم منكم بـ «حالة شاذة»، فإنني أحذركم، أحذر كل من يهينني في مركز عملي، أنني سآمر بأخذه إلى قسم الشرطة… وأنت، ماذا حدث لك؟
أجاب التقني الفني:
– أيها السادة، لماذا تتعنتون وتماحكون؟ فلتذهب المديرة إلى الشيطان! أنا لا أستطيع أن أتصور كيف سأذهب إلى البيت دون سروال، وهي لا تسمح لي بأن أدعوها «حالة شاذة». كما أنها تهدد بأخذي إلى قسم الشرطة. لا، الأفضل أن يكون المدير رجلاً في قسمنا الرجالي. فعلى أقل تقدير، كان بإمكانه إعطائي سروالاً احتياطياً من سراويله. أما وأن المدير امرأة هنا، فقد قُضي علي نهائياً. أنا، أيها السادة، سأبقى في هذا الحمام ولن أخرج منه، وسترون بأعينكم.
عندئذ، قال الزبائن المستحمون للمديرة:
– اسمعي يا «مدام»، ربما زوجك في الحمام الآن، وربما لديه سروال إضافي، فأعطيه إياه مؤقتاً كي يرتديه. وكما ترين، إنه قلق جداً، ولا يعرف كيف يصل إلى بيته.
فأجابت المديرة:
– هدوء ونظام تام في القسم النسائي. أما هنا، فتثور ثائرة العواصف والبراكين كل يوم. أما بالنسبة لزوجي، فهو يعمل في مدينة «فياتك» ولا مجال لأي حديث عن أي سروال بالطبع. لا سيما وأن هذه الحادثة حادثة السرقة الثانية لهذا اليوم. حمداً لله أن حادثة السرقة الأولى اقتصرت على أشياء صغيرة، وإلا لطالبوني أيضاً بالسروال. والآن، إذا كان لدى أحدكم سروال فأعطوه إياه، فمن الصعب علي أن أراه بهذا المنظر. لقد بدأت أزمة الشقيقة عندي بسبب هذه المصائب.
فقال «الحمامجي»:
– حسناً، سأقدم سروالي الاحتياطي ثانية. ولكن، عموماً، علينا أن نخيط، مستقبلاً، سراويل خاصة للحمام. إن حوادث السرقة كثيرة عندنا، وفي هذا الشهر اهترأ سروالي، حيث أعيره مرة لهذا ومرة لذاك. وهو سروالي الشخصي.
قدم «الحمامجي» سروالاً قطنياً لصاحبنا التقني، كما أعطاه أحد المستحمين سترة وصندلاً. توقف صاحبنا التقني بصعوبة عن النواح والبكاء، وارتدى هذا الزي المتحفي. وبهذا الشكل الأخرق خرج صاحبنا التقني الفني من الحمام، وهو لا يفقه شيئاً.
بعد أن خرج التقني الفني من الحمام، صرخ فجأة أحد المستحمين قائلاً:
– انظروا، ها هي صدرية أخرى، زائدة، مرمية على الأرض، وها هو جورب واحد.
تجمهر المستحمون حول هذه الأشياء التي عثروا عليها. وقال أحدهم:
– إنها سقطت على الأغلب من السارق. فتشوا الصدرية جيداً، ربما يوجد شيء في جيبها. كثيرون يضعون وثائق في جيب الصدرية.
أخذ أحدهم يقلب جيبي الصدرية، فعثر في إحداها على بطاقة شخصية. كانت هذه البطاقة بطاقة دخول باسم (سيلفانوف)، العامل في ورشة الخياطة المركزية. هنا، أيقن الجميع أنه تم العثور على آثار السارق. بعد ذلك، اتصلت المديرة بقسم الشرطة، وبعد ساعتين تم إجراء عملية تفتيش عند سيلفانوف.
ذهل سيلفانوف، واستغرب كثيراً وقال:
– ماذا بكم؟ هل فقدتم عقولكم؟ أنا نفسي، فقدت كثيراً من الأشياء في هذا الحمام.
هنا، اعتذر الجميع من سيلفانوف، وقالوا له، إنه مجرد سوء تفاهم. ولكن، قل لنا: من أين لك قطعة الجوخ هذه الموجودة في صندوقك؟ إن هذا الجوخ من ورشتنا، وأنت سرقتها على الأغلب. ومن حسن الحظ أنني قدمت إلى هنا، أثناء تفتيشك، من باب الفضول. تلعثم سيلفانوف وأخذ ينطق بكلمات فارغة غير مفهومة، وسرعان ما اعترف بسرقة قطعة الجوخ وغيرها من الأشياء. اعتقلت الشرطة سيلفانوف على الفور، وعلى هذا النحو انتهت قصة الحمام.
**كتبت: عام 1935م


