المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الخميس

محمد حسين السماعنة

 

اليوم هو يوم خميس، ولم يبقَ سوى خمس دقائق ويقرع جرس أخبار الثامنة ليبدأ محمد ابن أبي جمال مشواره اليومي الذي اعتاده منذ خمسين خميسا بالوقوف بهدوء وثبات أمام محل الثقة لتصليح الساعات، وانتظار صاحب المحل والسلام عليه وسؤاله إن كان قد أنهى تصليح ساعة “الروليكس” الفضية الكبيرة أم لا، ورؤية ابتسامة صاحب المحل الصفراء، وسماع عبارته الوحيدة: “لا يا ابني، المحرك لسه ما وصل من الشام، تعال الخميس القادم على الأكيد!”

قال لي: قف عند الزاوية اليمنى لمربع شارع السعادة، ثم انظر أمامك، سترى محل الثقة لتصليح الساعات، قل له أنا من طرف أبو علي الحلاق.

– “السلام عليكم، مرحبا يا عم، أنا من طرف أبو علي الحلاق، وناولته ساعة “الروليكس” الفضية الكبيرة”.

أمسك الرجل ذو المنظار الدائري والعينين الجاحظتين الساعة بأصابع مرتجفة، وقلبها بحرص، ثم قال بابتسامة صفراء:

ساعة أصلية ثمينة، من أين جلبتها؟

محمد ابن أبي جمال بزهو: هدية من ابن عمي بألمانيا.

الرجل ذو العينين الجاحظتين بنبرة غريبة: ااه، طيب، ما بها؟

محمد ابن أبي جمال بجدية عالية النبرات: “هذه الساعة يا عم، تقدم ساعة كاملة كل يوم خميس من غير إحم ولا دستور!”

الرجل باستغراب مفتعل: ساعة كاملة، وتقفزها فجأة من غير موعد، وكل يوم خميس؟ لحظة أفحصها

محمد ابن أبي جمال بنبرة حزينة شاكية: منذ شهرين وهي على هذه الحال، أربكت حياتي، وخرّبت أيامي، ودمّرت علاقاتي!

الرجل بنبرة العارف: “أها، أيوه، فهمت فهمت، هذه بدك تصبر عليها شوي، شغلتها بسيطة، لكن بدها وقت، وبتكلفك خمسة دنانير”

– خمسة خمسة، المهم تصلح!

قالها محمد ابن ابي جمال وهو يمنّي النفس بتثبيت الساعة، وربط عقاربها على مسارها المحدد كما بقية الساعات.

 المصلّح وهو يتناول الدنانير من أصابع محمد ابن أبي جمال: الخميس القادم، ستكون جاهزة…

واليوم هو يوم خميس وها قد فتح الرجل ذو العينين الجاحظتين محل الثقة لتصليح الساعات:

– مرحبا يا عم، كيف حالك؟

وغرق محمد ابن أبي جمال بمراقبة مشهد مكرور للرجل ذي العينين الجاحظتين وهو يرد التحية ويكرر العبارة نفسها: “مرحبتين وأهلنين، ساعتك جاهزة”.

ثم يخرج من درج الطاولة التي تبعثرت عليها قطع مختلفة من الساعات ساعة “الروليكس” الكبيرة الفضية ويناولها لمحمد ابن أبي جمال.

يكرر محمد ابن أبي جمال، كما في كل مرة، إمساك ساعته بحب وحرص ويضعها عند أذنه، ثم ينظر إليها، وإلى الرجل ذي العينين الجاحظتين معاتبا: ” الساعة واقفة ما بتتحرك؟!”

فيرد الرجل باستغراب مفتعل: “معقول، كانت شغالة، وما شاء الله عليها! ثم يقلّبها بأصابعه، ثم يبتسم ابتسامته الصفراء الأولى، ويقول: “مر عليّ الخميس القادم ستكون جاهزة”.

واليوم هو يوم خميس والحياة تسير من حولي كما خطط لها…

محمد حسين السماعنة. الأردن