قصة: صلاح معاطي
أصمت.. لا تفتح فمك.. لا ترفع صوتك.. فصياحك يزعجني، وغضبك يقلقني، ورفيف جناحيك المحتجين داخل قفصك يخنقني..
أيها العصفور البائس اعلم أن حياتك بيدي، روحك بين أصابعي، مصيرك كمصير أخوة لك قتلتهم برصاصاتي.. أجل.. قتلتهم جميعا. ها هم يترنحون داخل قفصك ودماؤهم تنزف منهم.. فيا لها من لعبة مسلية.. تضغط على الزناد وتنتظر من سيسقط.. سقطوا جميعا ولم يبق سواك.. سأقتلك حتما ولكن ليس الآن. فماذا أفعل بعد قتلك.. لن أجد لعبة أفضل من هذه كي أتسلى بها. لذلك سأحتفظ بك أطول فترة ممكنة.
لا تنظر لي هكذا.. عيناك مليئتان بالحقد قلبك يشتعل نارا.. آه لو فتحت باب القفص.. ماذا بمقدورك أن تفعل يا مسكين. فأنت عصفور ضئيل ضعيف، لا حول لك ولا قوة. أصرخ كيفما شئت.. لن يسمعك أحد.. فالناس لا تسمع إلا صوت الرصاص. ولو سمعوك سيدينونك لأن القوة معي، ومادامت القوة معي، فالحق معي.. أما أنت فليس لك حق في شيء. حتى هذا القفص الذي ترقد فيه لا حق لك فيه.
قلت لك أصمت.. توقف عن الحركة.. لا داع لهذه الثورة وهذا الهياج.. رصاصة واحدة من بندقيتي كفيلة لأن تلقيك صريعا مع أخوتك القتلى على أرض القفص. توقف فورا عن إلقاء الحصى في وجهي. يا لك من عصفور همجي عنيد. لا تستفزني أكثر من ذلك. أتتعجل الموت إلى هذه الدرجة. لكن هيهات.. سأبقيك طويلا كي أتلذذ من تعذيبك.. لأنتفن ريشك ريشة ريشة، ولأنزعن أظافرك ومنقارك وأفقأ عينيك ثم أمزق جسدك إربا إربا. أنت الذي ألجأتني إلى هذا.. أنت المسؤول عن كل هذا العنف، بل أنت المسؤول عن قتل كل هؤلاء العصافير.. لولا ثورتك وهياجك ما قتلتهم..
أ مازلت تصيح؟ صوتك هدير يصم أذني.. حصاتك نار تحرقني.. نظراتك حقد يقلقني ويهددني.. يبدو أنني تهاونت معك أكثر من اللازم.. لابد من قتلك فورا.. سوف أنكث كل عهودي معك. أنت الذي ألجأتني إلى هذا.. أنت المسؤول..
يرفع الرجل البندقية يسلطها نحو العصفور الرابض داخل القفص في تحد وشموخ فاردا جناحيه في إباء ، رافعا صدره في كبرياء .. يطلق الرجل رصاصة من بندقيته على العصفور.. يبتلع الجسد الواهن الرصاصة.. لدهشة الرجل لم يمت العصفور. لم يسقط .. تزداد دهشة الرجل عندما يلاحظ أن العصفور ينمو شيئا فشيئا، جسده يزداد ضخامة، منقاره يشتد حدة، مخالبه تزداد قوة..
عاجله برصاصة ثانية وثالثة ورابعة، ثم بوابل من الرصاصات.. الجسد يتلقى الرصاصات يبتلعها يزداد قوة وشراسة.. حجمه يزداد أكثر فأكثر.. ملأ جانبا كبيرا من القفص، ما لبث أن ملأ القفص كله.. العصفور الضخم يضغط بجسده وجناحيه على قضبان القفص.. تتمزق القضبان ويخرج العصفور المارد ناشرا جناحيه.
تسمر الرجل مكانه وهو ينظر إلى العصفور في دهشة.. ألقى بالبندقية جانبا بعد أن أدرك أنها لن تفلح في مقاومة هذا العصفور الهائج.. أي عصفور هذا.. أهو طائر خرافي خرج إليه من زمن بائد ليقضي عليه، أم أنها أرواح كل العصافير التي قتلها بيديه اتحدت معا وجاءت لتنتقم. في لحظة واحدة انقض العصفور المارد على الرجل..
في اليوم التالي. كان الناس في كل مكان يتحدثون عن أغرب نبأ سمعوه.. “رجل وجد صريعا داخل بيت بينما كانت العصافير تنهش جسده”..


