عبدالعزيز الظاهري
إعصار في الأفق يعدو، بدا وكأنه إخطبوط يمد أذرعه ويرسل أنفاسه على الكون اقترب رويداً رويداً، لحظات وإذ دوي صوته يطغى ويسود
اخذ يحرك الأشجار بعنف محطماً كل شيء وقف في طريقه ولم يتفاعل معه
لذا اهتزت الاشجار، رقصت، تمايلت وقدمت له بعض من اغصانها والكثير الكثير من اوراقها
ولم تتوقف عند ذلك بل ضحت بكل من استنجد بها واستجار مع كل صرخة له
تساقطت اعشاش الطيور وتناثرت على الأرض واصبح ساكنيها في العراء
وفوق راس شجرة عظيمه وقف نسر غرس مخالبه بأحد جذوعها ينظر بعيونه المرعبة الى الفراغ، انتفض عندما صرخت الريح في وجهه فرفع جناحيه عالياً ثم اغمض عينيه و انزل رأسه والتصق بالجذع
غادرت العاصفة الموقع حاملة معها بعض ضحاياها ولم ينجوا إلا من تمددت جذوره وشقت الارض لتصل الى الاعماق او رقص وتمايل استجابة لصوت صريرها
==============
سداد
عاد الى داره منتشي بعدما ابرقت وارعدت ليلته ونزل المطر
دخل غرفة نومه على أطراف أصابعه يرفع قدما وينزل أخرى
انزلق في فراشه بنعومة وغمر نفسه باللحاف
اشتم رائحة مطر حرك يده بهدوء يتحسس فراشه اصطدمت راحة يده بقطرات لزجه لمم احزانه في ابتسامة وخمد
=============
مميز
قالوا عنه معين لا ينضب
فتعطلت حواسه ولم يبق إلا لسانه
فترك السهول وسكن رؤوس الجبال
وعندما عاد لم يفهم اهله كلامه
======================
خريف
وقفت الشمس على خط الاستواء مودعة الشمال
استيقظ الخريف من سباته فاصفرت الأوراق وسقطت من الأغصان
فجأة رآها متوجهة نحوه مبتسمة فاردة جناحيها
هربت من مقلته دمعه ورفرف اللحن الحزين وملأ المكان، وتمتم لماذا الآن؟!
بعد أن امتصت السنين الحيوية والنشاط
ليتني رايتها وقت الربيع لأهدي لها أجمل الأزهار
اقتربت منه ومدت يدها إليه
لم ينظر إليها وقال بصوت هادئ حزين: ان موعد السفر اقترب
رفعت يدها وسحبت بهدوء وجهه من مخبئه وقالت أتعلم أني أحب القديم ،أريد كل المكان، لا أريد جزء منه، لأنعم بدفء والحنان والأمان
تهلل وجهه وابتسمت عيناه
وبسرعة تراجع وانكمش وكسى الحزن وجهه
فذلك الهمس اقلقه عندها وبدون اذن فتحت الأبواب و دخلت عنوة
فسمع صدى ضحكاتها يملا الاعماق
عندها صمت ذلك اللحن الحزين ورقصت الروح طربا واهتز البدن
============
عالم بدون ألوان
نظر الى سماء الصحراء الصافية
ففاضت نفسه بحزن عميق مزقها
فاخذ يتمتم بغيض: عالم بخيل شحيح عباره عن لونين، اين المفر؟! المشكلة انه عالمي
اخذ يفكر ويفكر بعمق وأخيرا اتخذ قراره وحمل ريشته وقام بتلوين عالمه بجميع الالوان
نظر الى لوحته التي سكب فيها خياله
فاختالت ابتسامة اعجاب ورضى على شفتيه
===========
في مكان واحد ولكن
سال المتطفل شخصا عن سبب الانفصال والفراق؟
فأجابه ذلك الشخص بغرور: في مكان واحد لكن هو هنا وأنا هنالك
ابتسم أحد الجالسين وبدون ان ينظر اليهما وقال بخبث: مش ممكن العكس هو الصحيح
فبدا الاشتباك، وخرج المتطفل سالما من هذا العراك
=====================
ملاك
في أحد الايام
وقفت ملاك على غير عادتها عندما رأت ذلك الشاب الوسيم والذي يدعونه اهل الحي بصائد الفراشات جالسا وبجانبه صديقه
تلاقت النظرات ولمحت جرحه الغائر دنت منه ونطقت بعد جهد بنبرة إشفاق وحزن:
“سلام”
رفع رأسه عاليا ولم يرد فمضت في طريقها
اندهش صديقه وراعه ما رأى من عدم المبالاة وقال له مستنكرا:
انها ملاك!
اختالت دمعة حبيسة في عين ذلك الوسيم وقال:
نعم هي ملاك ولكنها ملك للجميع
==========
البراغماتية
ابن قريتنا المسكين زارني وبدون مقدمات قال لقد طلقت اسمي المستعار (أبو ساعده الهيومي) بالثلاث وعدت الى اسمي الحقيقي
فسألته ما الذي دفعك الى فعل ذلك فقال: استخدامك للقناع له إيجابيات ولكنه يبقيك مجهول
وتابع حديثه قائلا: اتعلم ان جميع سكان قريتنا هم الان في شقاق، لقد أصبحت الثقة بينهم مفقودة
فسألته متعجبا وما السبب ؟!
اقترب مني وقال بصوت خافت وهو يلتفت في جميع الجهات انه نوع من السحر اجارك الله يدعى ” البراغماتية “!


