دكتور خالد عزب
قدر العرب الفلاحة والفلاحين، ووضعوها في مكانة سامية، حتى عرفها ابن عبدون كما يلي: “فالفلاحة هي العمران ومنها العيش كله، والصلاح جله، وببطالتها تفسد الأحوال وينحل كل نظام”. وهو ما أكده أيضًا ابن فضل الله العمري: “وأجل الصنائع الفلاحة.. وهي قوام المعايش ومادة الرزق وسبب العمارة وحفظ بقاء النوع”.
لذا صارت الفلاحة عند العرب والمسلمين ليست ممارسة فقط من قبل الفلاحين، بل علما أيضًا التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون عرفها بأنها : علم تتعرف منه كيفية تدبير النبات، من بدء كونه إلى تمام نشوئه، وهذا التدبير إنما هو بإصلاح الأرض بالماء وبما يخلخلها ويحيها، كالسماد والرماد ونحوه، مع مراعاة الأهوية باختلاف الأماكن”.
تطور علم الفلاحة مع ازدياد خبراتهم في التعامل مع مشكلاتها أو في البحث عن زيادة إنتاجية الأرض أو استنباط أصناف جديدة من النباتات حتى أقاموا للتربة علمًا، يقول ابن حجاج: “أول مراتب علم الفلاحة هو معرفة الأرض وميزها وعلم جيدها من دينها، ومن لم يعلم ذلك فقد أضاع الأصل واستحق في هذه الصناعة اسم الجهل”. ثم نرى ابن بصال يصنف لنا التربة على النحو التالي: “اعلم أن الأرض التي للغراسة والزراعة تنقسم على عشرة أنواع يوصف كل منها بصفة وهي: اللينة، والغليظة، والجبلية، والرملية، والسوداء المدمنة المحترقة الوجه، والأرض البيضاء، والأرض الصفراء، والأرض الحمرة، والأرض الحوشاء المضرسة، والأرض المكدنة المايلة إلى الحمراء، ولكل نوع من هذه الأرضين نبات يجود فيها وعمل وتدبير”.
لكن هل خبروا فعلًا طبيعة كل نوع من هذه وعرفوا كيفية التعامل معها، لنذهب إلى ابن حجاج في كتابه ” المقنع في الفلاحة” لنراه يقول عن الأرض البيضاء: “الغالب على طبعها البرد واليبس وبردها أكثر من يبسها، ويصلح في هذه الأرض ما كان من شجر التين والزيتون واللوز والكروم وما جانسها، فأما شجر التين فينتفع فيها وتتمكن عروقه وتسري فيها، ولا يخاف على شجرها احتراق لقوة البرودة المتمكنة فيها، ويأتي ثمرها طيبًا لذيذًا في وقته لا تجاوز له، ويحتاج النبات الذي يزرع في هذه الأرض إلى الزبل الكثير ويكون قويًا في الحرارة والرطوبة، ولا تحتمل هذه الأرض الماء الكثير لرطوبتها، وهي محتاجة إلى كثرة الخدمة”. إذا كانوا على هذه الدربة من أصناف الأرض وطرق التعامل معها فماذا عن النباتات، لقد أقاموا للنبات علمًا بلغ أوجه في القرن 10هـ/ 16م، على يد القاسم بن إبراهيم الغساني الشهير بالوزير، المولود 960هـ/ 1533م في فاس، في كتابه (حديقة الأزهار، في شرح ماهية العشب) قدم لنا أول محاولة علمية دقيقة لتصنيف النباتات، فيقسمها تقسيمًا ابتدائيًا يسميه الجنس ويفرعه ثانويًا يسميه النوع وأحيانًا تقسيمًا ثالثًا هو الصنف.
فيعتبر حسب التقسيم الأول جنس الشجر وجنس التنماس ويعرفه بأنه ليس من الشجر ولا من البقل، بل يلحق الشجر الصغير كالياسمين والنسرين ثم ينتقل لجنس البقل فيقول: “إنه يتولد من جنته” أي يزرع من حبوبه، ثم يفصل الغساني الصفات العرضية التابعة للساق والأوراق والأثمار، فبالنسبة إلى الساق يميز جنس اليقطين “وهو نبت يفترش الأرض ولا ساق له، وجنس اللبلاب المعرش وجنس القصب ، وبالنسبة إلى الورق يميز جنس الهدبات “وهو ما له أوراق مستطيلة قليلة العرض” وجنس المترسات “ذات الأوراق المستديرة” ثم الألسن كلسان الحمل ولسان الثور، والكفوف كالخروع والسيوف كسيف الذئب. وبالنسبة إلى الثمار يميز بين جنس الحبوب والقطاني.. الخ، ومن الاستعمالات الطريفة في لغة العلم ما استعمله الغساني من صيغة الجموع في تصنيفه للنبات، كالشيحات والكلوخ والسعاتر والأقاحي، وتلك خطوة أولى نحو فكرة الفصيلة التي يجمع فيها ما تشابهت صفاته من النباتات”. الاهتمام بالنباتات ظل موجود منذ القرن 1هـ/ 7م وتنامى مع الزمن حتى صار لها علمًا، فها هو رشيد الدين الصوري (ت 693هـ- 1241م) صاحب كتاب الأدوية، يدرس النباتات في منابتها، بل يصطحب معه إلى بلاد الشام مصورًا يحمل أصباغًا مختلفة متنوعة، فإذا شاهد النباتات في منابتها حققها وأطلع المصور عليها لينقلها بألوانها ومقادير ورقها وأغصانها وأصولها، ويصورها بنسبها كما تبدو في الواقع، بل كان يتتبع تطور النبات ويريه للمصور في حال نبته وطراوته، ثم في حال اكتماله وظهور بذره ثم في حال أفوله ويبسه… ويصوره في كل حالاته كما يبدو في منابته من الأرض، فيما يروي عنه مؤرخو علم النبات.
ماذا إذًا عن الماء الذي تروى به النباتات، عمر بن محمد بن حجاج الأشبيلي الذي ألف “المقنع” سنة 466هـ/ 1073م، استهل كتابه بذكر المياه وأصنافها وطبائعها وتأثيرها ومعرفة ما يوافق كل ضرب من النباتات من أصنافها، وهي أربعة أصناف: ماء المطر، وماء الأنهار الجارية، وماء العيون، وماء الآبار، ثم يميز من بينها ما هو عذب أو مالح زعاق أمر قابض أو عفص،أي إنه يعتمد على طعمها أو على أثرها على البدن، حسب ما يسمى اليوم بخواصها الكيميائية، وبذكر ما يستعمل من الطرق للتعرف على الأمكنة التي توجد بها المياه وكثرتها وعذويتها، ويفصل تفصيلًا ما يحصل به من هذه التفصيلات من تقنيات، فيما يستدل به على بعد الماء وقربه وكثرته أن ينظر إلى الموضع فإن كان ينبت فيه العليق والسعد والحماض والعوسج الصغير ولسان الثور وكزبرة البئر والبابونج وإكليل الملوك فإنه حيثما كان هذا الحشيش كله أو بعضه ، فهو دليل على كثرة الماء في باطن الأرض، وعلى قدر غضارته وتنعمه يكون قرب الماء ذلك الموضع”.
إذا بنوا الفلاحة على العلم والخبرة المتوارثة لدى الفلاحين الكادحين، ولنذهب مع ابن العوام في كتابه الفلاحة ليعرفنا عنها الكثير: “ومعنى فلاحة الأرض هو إصلاحها، وغراسة الأشجار فيها، وتركيب ما يصلحه التركيب منها، وزراعة الحبوب المعتاد زراعتها، وإصلاح ذلك، وإمداده بما ينفعه ويجوده، وعلاج ذلك بما يدفع ذلك بمشيئة الله الآفات عنه، ومعرفة ما يصلح أن يزرع أو يغرس في كل نوع من الشجر والحبوب والخضر، واختيار النوع الجيد من ذلك، ومعرفة الوقت المخصص بزراعة كل صنف منها والهواء الموافق لذلك،
كتب الفلاحة وخبراتها العملية في التراث العربي الإسلامي ركزت طبقًا للنص السابق على أربعة محاور هي: علم التربة، إخصاب الأرض بالحرث.. الخ، الري، خدمة النباتات والأشجار، وهو أسماه ابن ليون في أرجوزته بـ” أركان الفلاحة” فنظم:
الحد في صناعة الفلاحة علم ما يحتاج في الزراعة
نعم. وهي أربعة أركان يكون فيها من التبيان
وهي الأراضي والمياه والزبول والعمل الذي بيانه يطول
وذا هو العمدة في الصناعة وهو ضروري لذي الفلاحة
كما يذكر ابن الحجاج طرق توطين النباتات بغير الأراضي التي تنبت فيها بطبيعتها: فمن ذلك قوله: “وبالجملة فإن الزعفران من النبات الصحراوي، فمن أراد أن يرده بستانيًا فالوجه فيه ما ذكرناه” لم يكتفوا بذلك بل جلبوا فصائل جديدة غير محلية، مما أحدث تنوعًا تطلب فهمًا أعمق للتعامل مع تربية النباتات الغريبة والمجلوبة محليًا وتحسين السلالات من خلال العديد من التقنيات مثل التطعيم،.، في الأشجار المطعمة وفي القضبان والبقل المفترشة ليؤدي ثمرها طعم ذلك وفوحه وقوته، وصفة عمل يصير به لون الورد أصفر ولازورديًا أيضًا، وتدبير في الورد حتى يورد في غير أيامه، وتدبير في التفاح حتى يثمر في غير أيامه، وكيف يتحيل في ثمر التفاح حتى يحدث فيه كتابة وتصوير. وصفة عمل في ثمر السفرجل والكمثرى والتفاح والبطيخ والقثاء حتى تتشكل الحبة منه بأي شكل أحببت، وصفة أيضًا في العنب حتى يكون حبة دون نوى. وتدبير في شجر التين حتى يكون في الغصن منه حبات تين مختلفة الألوان، وحتى تكون التينة الواحدة فيها ألوان مختلفة، وكيف ينبت في الخس والسلق أنواع من البقول تجتمع في أصل واحد”.
لكن ذهبوا إلى أبعد من ذلك، ذهبوا إلى تبكير زراعة بعض النباتات في غير موعدها، باستعمال “المشارق المكنة” و “البيوت المكنة” التي ليست عند التدقيق إلا صورة سابقة ل “بيوت الصوب الزراعية البلاستيكية” أو “الدفايا”، ففي حديث ابن العوام عن زراعة البطيخ، يقول: “إن أردت التبكير به والقثاء والخيار، فازرع في الشتاء أربع حبات أو خمس حبات من بذره في تراب طيب مخلوط بزبل كثير طيب ندي في إناء مثقوب من الأسفل وأنضجه بماء ساخن فإذا أنبت وكان الصحو الشمس أخرجته إليه، وكذلك إذا رأيت طشا من مطر لين فأخرجه إليه فإذا احتاج إلى الماء فأنضح عليه ماء وإذا كان الشتاء القوي نحيته في مكان دافئ”.
وفي حديثه عن المصاطب التي فيها شتول القرع يكون: “ويعمل عليها سقايف من جهة المغرب تكون أبوابها من جهة مغرب الشمس.. وتغطى المصطبة بورق الكرنب أو النبيط لئلا تنفش حرارة الزبل وأبخرته”.
صاغ ابن ليون هذه الكيفية في الزراعة شعرًا بعنوان: “العمل في تبكير ما تريد أن يبكر”
هذه إرشادات للفلاح وضعوها لكي ينتج محصوله، فهم رؤوا في الزراعة عماد الاقتصاد، نرى إدراك هذا لدى الماوردي: “فأما المزارع فهي أصول المواد التي يقوم بها أود الملك، وتنتظم بها أحوال الرعايا، فصلاحها خصب وثراء، وفسادها جدب وخلاء، وهي الكنوز المذخورة والأموال المستمدة وأي بلد كثرت ثماره ومزارعه استقل بخيره وفاض على غير فصارت الأموال إليه تجلب، والأقوات منه تطلب”.
يقودنا هذا إلى تفكيرهم في اقتصاديات الزراعة، وتنمية الأراضي الزراعية بالحرص على توفير رأس المال اللازم لها، فيتحول رأس المال من الثبات إلى الحركة والفاعلية في سوق الإنتاج، فنجد لهم ابتكارات لنظم عقود تكشف عن المشاركة أو التمويل أو الاثنين معًا أو غير ذلك، فابتكارات العقود وأنواعها من التنوع إلى حد يصيب من يقرأ بالذهول، ومن ذلك لتنمية الثروة الزراعية:-
المزارعة: تقدم الجهة المالكة للأرض الزراعية غير المزروعة أرضها لجهة أخرى تقوم باستثمارها عن طريق زراعتها وإنفاق ما يلزم من بذور وآلات وأجور العمل على أن يتم اقتسام الناتج بينهما بنسبة معينة يتم الاتفاق عليها.
المساقاة: تقدم الجهة المالكة الأرض الزراعية التي تكون مزروعة بالأشجار المثمرة لجهة أخرى تقوم باستثمارها عن طريق سقيها والاعتناء بها والاشراف عليها، على أن يقتسما الناتج بينهما بنسبة معينة يتم الاتفاق عليها.
المغارسة: تقدم الجهة المالكة للأرض الزراعية غير المشجرة لجهة أخرى تقوم باستثمار عن طريق زراعتها بنوع من الشجر والاعتناء بها ورعايتها على أن يقتسما الناتج بينهما بنسبة معينة يتم الاتفاق عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن عبدون، أحمد بن عبدالله، رسالة في الفضاء والحسبة ، ص 5، نشرها ليفي بروفشنال، ضمن ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب، المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة 1955م.
التهانوي الحنفي، محمد بن علي، كشاف اصطلاحات الفنون، وضع حواشيه أحمد حسن بسج، المجلد الأول، ص 60، دار الكتب العلمية، بيروت.
عبد اللطيف عبيد، المدرسة الفلاحية في الأندلس، ص 413، بحث ضمن أعمال الندوة العالمية الثالثة لتاريخ العلوم عند العرب، الكويت 1983م.
محمد سويسي، أنماط العمران البشري في أفريقية وجزيرة المغرب في العهد الحفصي، ص 75، مركز النشر الجامعي، تونس 2011م.
محمد سويسي، أنماط العمران، ص 67.
توفيق الطويل، في تراثنا العربي الإسلامي، ص 23، 24، عالم المعرفة(87)، الكويت 1985م.
محمد سويسي، أنماط العمران البشري، ص 67.
ابن ليون، هو أبو عثمان سعيد بن إبراهيم بن ليون التجيبي، ولد بالمرية سنة 681هـ/ 1282م، وتوفى بها 750هـ/ 1349م، وهو مؤلف “كتاب إبداء الملاحة وإنهاء الرجاحة في أصول صناعة الفلاحة”.
الطنغزي، أبو عبد الله محمد بن مالك، من قرية طنغز من أعمال غرناطة عاش في القرن 6هـ/ 12م، وسكن إشبيلية ودرس العلوم الزراعية على يد ابن بصال الطليطلي، انظر:
الطنغزي، زهرة البستان ونزهة الأذهان، تحقيق محمد مولود خلف، مركز نور الشام للكتاب، 2001م.
محمد بن عبد السلام السائح، الغصن المصهور بمدينة المنصور، تحقيق عبدالقادر سعود، الرباط، وزارة الثقافة 2012م.
عبد اللطيف عبيد، المدرسة الفلاحية في الأندلس، ص 419.
الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر، تحقيق رضوان السيد، ص 207، دار العلوم العربية، بيروت 1987م.
حول ذلك انظر:
محمد علي العمري، صيغ استثمار الأملاك الوقفية، ص 124، 125، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة اليرموك، 1992م.
أنور محمد دبور، نظام استغلال الأراضي في الشريعة الإسلامية، ص 215، وما بعدها، دار الثقافة العربية، القاهرة 1987م.
المصطفى شفرون، مقاصد العقود المالية في المذهب المالكي، ص 360، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط 2016م.




