بقلم: جمال نصرالله
كثير من الناس يحتقرون الفلسفة إلى درجة الإستخفاف بها,ويعتبرون كل من نطق بلفظها كأنه تجاوز الخطوط الحمراء وخرج عن الواقع المعهود,وقد وُجدت فيما مضى عبارة شهيرة وهي تلك القائلة(من تمنطق تزندق) لأن الفلسفة دائما وأبدا كانت في نصرة المنطق وغايتها الأولى والأخيرة هي تحقيق ذلك, ومن هنا ربط الجميع التفلسف بالتمنطق ؟ا لأن غاية الفلسفة ليست الدخول في الأوهام والخرافة بل حقائق الأشياء والعقلانية ومقاربة الملموس من الأشياء والمواقف.لكن وكما قيل في الأدبيات العامة فإن هدف الفلسفة كذلك هو القضاء على الأوهام والظلامية في تفكير الإنسان,لأن مبتغاها هو سلامته في أن يعيش بين كنف حياة مليئة بالسلام والطمأنينة,بعيدا عن الهلاميات والأوهام. زيادة عن هذا فإن الفلسفة في كثير من محطاتها تدافع عن الخير والحوار بل الحق,حتى ولو كان هذا الأخير مبنيا على الصراعات ,لكن النتيجة في نهاية المطاف هي الوصول إلى الحقيقة.وقد قال أحد الكتاب عن الفلسفة بأنها هي العقل الذي يسعى عبر التفكير المنطقي والعقلاني لفهم واقعنا,وكل ذلك تحت شعار (كيف نصوغ الأسئلة وكيف نجيب عنها) بحيث تطرح الفلسفة عدة أسئلة عن الخير والشر والمعرفة والجهل والمرض والعلم والتخلف وضمن هذه الأسئلة تصطحبها أدوات مرفقة وآليات تتمثل في إقحام التناقضات,وكل الموجودات المحاطة بحياة الناس وهم يعيشونها,وبالإختصار المفيد الفلسفة تريد أن تلبس لبوس الوعي ثم الوعي النقدي بعده.وتستحضر المتناقضات والتباينات,تطرحها على الطاولة وتشرحها تشريحا دقيقا وهذا كله بعيدا عن التعريفات الأكاديمة التي مافتىء الجميع يحفظها على مقاعد الدراسة على أساس أن
الفلسفة هي حب الحكمة وماشابهها من تعريفات جاهزة ومختصرة ,لكن في الجوهر الأمور تبدو أوسع من ذلك,وديدننا في هذا المضمار هو أن نحاول إبعاد النظرة
السيئة لدى الغالبية ممن لازالوا يمقتون الفلسفة كفضاء واسع يحاول بشتى الطرق والكيفيات الوصول إلى ماهية الأشياء ودورها سواء كان ذلك في حضورها أو في غيابها,وهي الحاجة الملحة حتى لا نقول العملة النادرة التي وجب على الفرد اكتسابها والتسلح بها حتى يستطيع كسب مفاتيح النجاح في شتى مناحي الحياة التي يستعملها في شتى نشاطاته التفكيرية,لأنه لولا الفلسفة لما وصل العالم لما وصل إليه الآن أو تقدمت الأمم وحازت على على هذا القدر العال من الانجازات,أي أن كل ذلك بفضل السؤال الفلسفي. مثلا الطائرة والصاروخ والمركبة الفضائية والباخرة, والمذياع والتلفزيون والسيارة والكمبيوتر كلها أجهزة جائت نتيجة السؤال ورحلة الإنسان عبر التاريخ للتوقان والبحث عن سبل أكثر راحة.
إن طلاب المعرفة تُعتبر الفلسفة بالنسبة إليهم بمثابة الأوكسجين الذي يستنشقونه, والوقود الذي يحفزهم على السير الحسن, والمضي قدما, لذلك فإن العقل البشري إن حدث وأن انغمس في دهاليز السؤال الفلسفي,تتسع مدارك خياله, ويصبح مبدعا من الدرجة العليا وفي شتى الفنون, أي عبارة عن صندوق للإبتكار والإنتاج, بل تساعده الفلسفة المرتبطة دوما بالشك على إلتماس مكنونات الأشياء مهما كانت درجة غموضها وضبابيتها, لذلك فهي الجذع السليم الذي يرعى عدة أغصان مثمرة.
والفلسفة لم تكن في يوم من الأيام حكرا على العلماء, فقد تجد هذه الملكة عند أناس عاديين , لكنهم للأسف يفتقدون للأدوات فقط التي تمكنهم من الإبتكار وتجسيد ذلك على أرض الواقع, وهذا عكس العلماء والباحثين الذين هم عكس ذلك, يوم تجدهم يشتغلون في المخابر, ويصدرون هذا المنهج والتقرير القابل للتطبيق؟ا
الفلسفة تقربنا أكثر من الواقعية, وليست رحلة عمودية نحو الأسئلة الميتافيزيقية التي تعني الخروج عن المألأوف وتحاكي بالمقابل فرضيات الممكن من عدمه. لذلك وجدت أنواع وأطياف من الفلسفة المتنوعة, مصدرها طبعا العقل البشري , الذي يعد بمثابة الضابط الشرعي, والربان اليقظ للسفينة,وإن لم تكن الأمور كذلك, لأصبحت كل حياتنا عبارة عن طلاسم وخربشات غير مفهومة.
الفلسفة الأصلية هي الخلاص الأوحد للإنسانية جمعاء, وهي كذلك البساط الذي يطير بنا لمشاهدة حقائق الأشياء والتفريق بين أصيلها والمزيف منها .





