بقلم عبدالقادر رالة
منذ أن كنت تلميذا في المدرسة أتدرج نحو النضوج، لفت انتباهي وأثارني نبات الخيزران العملاق ! هذا النبات الذي كان يزّين أفلام الكونغ فو الصينية، وطالما كانت تحدث المعارك الشرسة بين الطيبين والأشرار وسط غابات الخيزران الغامضة!..
وفي البداية اعتقدت أن الخيزران ما هو إلا نوع أسيوي للقصب المحلي الذي ينبت بكثرة خلف بيت جدي في الريف !..
والخيزران مثل القصب والذرة سيقان مجوفة تنطلق نحو السماء، أجمل ما تكون عندما تصدر حفيفا وهي تتمايل بفعل نسمات الهواء أو هبات الريح الخفيفة!..
الخيزران أقوى وأشدّ من الذرة والقصب، فالقصب قد يستخدم في البناء البسيط، بعد أن يُخلط بالطين..أو يصنع منه ناي يصدر أعذب الألحان، لكن الخيزران قوي جدا حتى أنه يستخدم في إنشاء ناطحات السحاب الشاهقة، وكثير من القصور والمعابد في الشرق الأقصى المصنوعة من الخيزران لا تزال قائمة حتى اليوم، رغم بناءها منذ مئات السنين…
الذرة تشبه القصب، عاينتها بنفسي، اذ كانت أمي تغرسها في الحوش كل موسم ، اذ تحفر حفرا صغيرة وتضع فيها البذرة..تنمو..ثم تثمر ذرة لذيذة، في اغلب الأحيان نستعجل قطفها ولا ننتظر نضجها رغم غضب أمي وعقابها.. نطبخها في الماء ،ثم نشويها على النار، ونلتهمها بلذّة لا توصف !..
وسرعان ما تذبل سيقان الذرة و تتساقط أوراقها ..أما القصب فكلما أزور بيت جدي في الريف ،أجده يتمايل، تحركه الريح ، في كل فصل، وإذ نحن قمنا بالضوضاء فإن خالي يقتطع منه فرعا ويعاقبنا به..فالقصب لا يذبل أبدا ولكن يجدد نفسه، ولا أعرف كيف؟ اذ في فصل الخريف أجد أكواما من قش لحاءه تتناثر هنا وهناك حول ببت جدي..
أما الخيزران، فهو الأعجب، فقد أثارني فعلا، وعرفتُ لماذا هو قوي متين، اكتشفت ذلك عن طريق شريط وثائقي…
فخلال الخمسة سنوات الأولى تنمو جذوره تحت التربة ولا تخرج ..انظر..عظمة الخالق..خمسة سنوات فقط للجذور لكي تنمو وتشتّد، وبعد تلك المدة تبدأ سيقان الخيزران في النمو عاليا ،عاليا،لتعانق السماء، وقد يفوق طولها العشرين مترا !..أما القصب أو الذرة فلا يتجاوزان الخمسة أمتار…
الكاتب الكبير عبد الوهاب ألمسيري سحرته الفكرة التي قرأها على أن الخيزران يظل ينمو لمدة تسعة وثلاثين عاما ثم يزهر زهرته في العام الأربعين ويموت بعدها، حتى أنه قرر أن يسافر الى الصين لمشاهدة حقول البامبو حين تزهر! ..


