المجلة الثقافية الجزائرية

القضية الفلسطينية والمسألة اليهودية

لويزا يوسفي

ترجمة: الحسن علاج

 

مصدوما ب”الأعمال المتطرفة” التي اقترفتها منظمة حماس في 7 أكتوبر 2023، قام إدغار موران Edgar Morin) (في الأشهر الأخيرة بإلقاء خطابات مؤثرة ومثيرة للانتباه بخصوص التراجيديا التي لاتزال أحداثها تدور بقطاع غزة. فليست المرة الأولى التي ينبري فيها للدفاع عن الشعب الفلسطيني. فقد كلفته في سنة 2002، تدخلاته متابعة قضائية ـ وقد قادته إلى بلورة تفكير حول المسألةاليهودية.

    من الصعوبة بمكان تصور “أمةً من الفارين، سليلة شعب لطالما تم اضطهاده في تاريخ البشرية، شعب كابد أسوأ الخزي وأسوأ الاحتقار؛ أن تمتلك من القدرة ما يؤهلها للتحول في ظرف جيلين إلى شعب مسيطر وواثق من نفسه، باستثناء أقلية مثيرة للإعجاب، إلى شعب مُحتقِر يجد سعادته في الإذلال. “قام إدغار موران في 4 يونيو 2002 بتوقيع مشترك مع الفيلسوف سامي ناير Sami Nair) (والكاتبة دانيال ساليناف (Danièle sallenave) لمقال في صحيفة لوموند (Le Monde)، تحت عنوان “إسرائيل ـ فلسطين: السّرطان “. مستنكرا جهارا السياسة القمعية لرئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك العهد، أرييل شارون، دعا موران إلى النظر والوعي بالمعاناة التي تحدث للشعب الفلسطيني ظلما وعدوانا؛ مقترحاً الكشف فيها عن نوع من الجدل الجهنمي حيث سينتقل ضمنه الشعب اليهودي من وضعية الضحية إلى وضعية الجلاد: “وهاهي المفارقة التي لا تُصدق، يقوم يهود إسرائيل، سليلو ضحايا الفصل العنصري المسمى غيتو (الحي اليهودي)، بعزل الفلسطينيين. يعمل اليهود الذين أُذلوا وأُهينوا واضطُهدوا، على إذلال واحتقار واضطهاد الفلسطينيين.

 إن اليهود الذين كانوا ضحايا نظام شرس يفرضون نظامهم على الفلسطينيين. اليهود ضحايا البربرية يقدمون البرهان على وحشية مرعبة.”

إن منعطف الوضع اليهودي يعتبره موران مشابها لسياسة انتحارية لن يكون بوسعها سوى المخاطرة بحظوظ بقاء إسرائيل في الشرق الأوسط، وذلك بزرع الحقد والشعور بالظلم والإذلال، متسببة في منطق عدواني من الاضطهاد ومحاولات الاغتيال التي تجعل من المعسكرين أكثر تطرّفا .

وحتى أن تسمية “حرب” تعتبر تسمية مغلوطة، بالنسبة إليه، لأنها توحي بأن ثمة توازن بين الشعبين العدوين اللذين يصطدمان مع بعضهما البعض. وفي الواقع، فإن الأمر يتعلق بقمع متزايد غير متكافئ يُمارس على شعب يسعى إلى المقاومة: “تتحدث وسائط الإعلام، في الغرب بدون انقطاع عن حرب إسرائيلية ـ فلسطينية، إلا أن هذا التماثل الخاطئ يعمل على تمويه عدم تكافؤ الوسائل ، وعدم تكافؤ الموتى، حرب الدبابات، المروحيات، القذائف الصاروخية في مقابل البنادق والكلاشينكوف. يحجب التماثل الزائف التفاوت الكلي في علاقة القوة والدليل البسيط على أن الصراع يُعارض المُحتَلّين الذين يعمقون احتلالهم والمحتلين الذين يكثفون من مقاومتهم. (…) إنه يضع على ذات المستوى كلا المعسكرين، في حين أن أحدهما يحارب الآخر الذي لايملك الوسائل لمحاربته ولا يُقاوم إلا بأعمال متفرقة من المقاومة أو الإرهاب. ”

المقاومة الفلسطينية

تطمس هذه النزعة الأحادية لصالح إسرائيل، الاستعمار الذي لا يكف عن التوسع في الأراضي المحتلَّة منذ اتفاقات أوسلو واعتبرت ياسر عرفات مسؤولا عن فشل المفاوضات وتضع المقاومة والإرهاب في كفة واحدة.

انطلاقا من تلك الاعتبارات ، التي اقترحها إدغار موران من أجل فهم مشكلة العمليات الانتحارية التي يرتكبها مراهقون فلسطينيون مثل فعل ثورة سياسية عميقة: “لا ينبغي الخشية من التساؤل حول أولئك الشباب والشابات الذين تحولوا إلى قنابل بشرية. وبالتأكيد، فإن اليأس هو الذي يحركهم، إلا أن هذا العامل ليس كافيا. ثمة أيضا باعث قوي جدا على الثأر الذي ـ ضمن منطقه العتيق الأكثر عمقا ـ لاسيما في حوض البحر الأبيض المتوسط، يدعو إلى أن يُركز الانتقام ،ليس بالضرورة على مرتكب الجناية، بل على طائفته . ثمة أيضا فعل ثوري خالص أن الطفل الذي عاش البربرية التي عانى منها والده، وعائلته، يخالجه الشعور ببعث سعادة مفقودة والعثور في آخر المطاف، في ميتة دامية، على كرامته وحريته الخاصة.”

سوف لن يترك نشر هذا المقال أحدا على الحياد. وفي اليوم التالي على ظهوره، سوف تعلن أصوات متنافرة عن نفسها، ثائرة ضد رؤية مُشَيطِنة لإسرائيل واليهود. وسوف تتفاعل الصحافية فرانسواز جيرو Françoise Giroud) (بعد بضعة أيام فيما بعد: “لا تكمن غايتي في السعي إلى تبرئة الإسرائليين عن زيغ دام طويلا، على غطرسة طويلة تُجاه جيرانهم، بل بالشروع في فهم كيف أنهم تحولوا في نظر الفرنسيين، المثقفين، بشكل خاص الذين يتمتعون بسمعة طيبة في إعمال التفكير قبل الكتابة، إلى أهداف حصرية للاستنكار إن لم يكن من أجل الكراهية.”

سوف تتم متابعة موران بمعية مُوقّعي المقال، بواسطة جمعيتي: محامون بلا حدود وفرنسا ـ إسرائيل من أجل “تشهير ذي طابع عنصري” و” تبرير الإرهاب”. وتبعا للجمعيتين، فإن المقال ـ والحقيقة أن ثلاث فقرات تم انتزاعها من سياقها، والتي تم أخذها بعين الاعتبار ـ شمل طائفة برمتها، يهود إسرائيل، وتم العمل دلاليا على تحوير عبارة “يهود إسرائيل” إلى “اليهود” ، باقتراف جنحة خطيرة، هي جنحة استهداف شعب استهدافا مباشرا ضمن نقد يوظف الكراهية في حقه. صدرالحكم في 12 يوليوز 2006 بتأييد وجهة نظر موران والمؤلِّفَين اللذين ساهما إلى جانبه في التوقيع، وذلك بالحكم بتغريم الجمعيتين، معترفا بأن المقاطع ما كان من الممكن إصدار حكم في شأنها خارج سياقها، وهو ما يحميهم تحديدا من اتهام معين بمعاداة السامية.

مصدوما بتلك الاتهامات، عاد موران إلى هذه القضية في 2006، في مؤلفه العالم الحديث والمسألة اليهودية: “فيما يخصني، فإني أشعر بأن الاتهامات الموجهة لي ليست تهماً سخيفةً فقط، بل أيضا يمكن اعتبارها تهما مثل العديد من الجنح طيلة حياتي. ”

غيراليهود (المفكرون الأحرار)

يقترح كتاب العالم الحديث والمسألة اليهودية تفكيرا غير مسبوق حول تاريخ اليهود “الكونيين” بمعنى المماثلين ، المندمجين، العلمانيين أو مفكرين أحرار يطلق عليهم إدغار موران اسم ” غير اليهود ” (Les Judéo-gentils). يتميز هؤلاء اليهود عن إخوتهم التوأم، ال” يهود القوميين”، الذين يعتبر الدين بالنسبة إليهم ممتزجا بالأمة والعرق. على امتداد التاريخ، فقد تم طرد غير اليهود من طرف الشعب اليهودي، وقد تم اعتبارهم في الغالب خونة لطائفتهم . وبالنسبة لموران، فإن غير اليهود ينطوون على هوية مزدوجة. فمن جهة، فإنهم ينحدرون من تقليد يهودي ، ومن جهة أخرى، فهم يعتبرون “مفكرين أحرارا”، بمعنى ” غير اليهود”.

ففي سيرة الحياة التي خصصها لوالده، في كتاب فيدال وقومه (1989)، كتب موران: ” لم يعد في الوقت الراهن بإمكان المرء تصنيف اليهود فقط أولئك الذين أصبحوا مواطني أمم ينهلون من ثقافة إنسانية أوروبية، لقد تم “إلحاقهم” بهذا اللقب المزدوج . وعلى الرغم من ذلك فإن هوية غير اليهودي تعتبر هوية مركبةً: فهي تتضمن مُكوِّنين مكمِّلين ومتضادين في الوقت نفسه. علاوة على ذلك تبعا للظروف أو السياقات، فإن بإمكان أحد المكونين أن يتوسع على حساب المكون الآخر. ”

لقد تشبَّع غيرُ اليهود أيضا بحضارات أخرى ساهموا في إغنائها. فقد وضع موران قائمة بأسماء مرموقة لأولئك الذين يعتبرهم يهودا قوميين أولئك الذين طبعوا التاريخ بإنتاجهم الفلسفي، الأدبي، العلمي والسينمائي، من مونتاني إلى سبينوزا، ومن ماركس إلى فرويد، ومن إنشتاين إلى برغسون…” لقد شكلت الالتباسات، الشكوك، التساؤلات، الحيرة للهوية المزدوجة لليهود القوميين مصدرا من الابتكارات اللافتة للنظر للثقافة الأوروبية. (…) إن شكوكهم وارتيابهم مهد الطريق للتساؤلات الكبرى”، يحلل المفكر .

لكنه يضيف أن نِسب جزأي هوية غير اليهود ـ انتماء إلى التقليد اليهودي وانفتاح إنسانوي على حضارات أخرى ـ تتغير تبعا للمعاملة المخصصة لليهود في حقبة معينة. لذلك وأثناء اضطهادهم، فإن الحصة اليهودية المركزية هيمنت على النزعة الكونية. وتشهد على ذلك الحركة الصهيونية التي ظهرت بفرنسا المتصالحة مع السامية، والتي ستبلغ أوجها بعد الإبادة الجماعية لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية. وبالنسبة لموران، فإن إنشاء دولة إسرائيل قد غذى العودة إلى اليهودية الوطنية، معلنا عن نهاية غير اليهود . لكنها تقدم في ذاتها نتيجة لمرض الأمة الحديثة التي تقدس حدودها ثم تطمح إلى “أن تطهر نفسها” عاملة على استبعاد الأجانب، من الدين أولا، ثم من العرق .

يرغب موران في معارضة الوضعية الكارهة للأجانب والاستعمارية لدولة إسرائيل، بهوية ” ما بعد مارانوسية ” سوف تعمل على بعث صورة غير اليهودي كوجه لنزعة إنسانية مولّدة جديدة .

  ــ

مصدر النص: مجلة العلوم الإنسانية Sciences Humaines في عدد ممتاز (30) غشت ـ شتنبر 2024 .خصص ملفا للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران.

 

لويزا يوسفي Louisa Yousfi) (صحافية سابقة بمجلة العلوم الإنسانية الفرنسية، تشرف حاليا على موقع Hors –Série وتدير البرنامج السياسي كلمة شرف Parole d’honneur. وهي فرنسية من أصول جزائرية .