رضوان كريم
الكلمات نعمة وكنز. الكلمات قوة وجمال. الكلمات لعبة ومرح. الكلمات جد وحكمة. الكلمات قرار، شكل وجسد. الكلمات عجينة نصنع بها ما نشاء.
نتعلم حب الكلمات منذ الصغر. نرددها ونخطئ في تهجئتها، ثم ننطقها كما يجب. نعجب ببعضها ولا نتوقف عن قولها. نشكل جملًا ونفرح بها، ويفرح معنا معلمنا. نكبر ونسمع كلمة هنا وأخرى هناك. بعضها لا يعجبنا فنرفضها، ولا نضيفها إلى قاموسنا رغم فهمنا لها. بعضها نعشقها فنجعلها جزءًا من حديثنا اليومي.
حين نقع في حب الكلمات، نعشق الشعر وجماله. نفتن بتسلسل أبياته، ويدق قلبنا مع كل بيت شعري. نستمتع برنين القافية وصوت النغمة. ترابط الحروف يثير حواسنا، وتشابه الكلمات يسر ذوقنا. حين نحب الشعر نحب الجمال اللغوي، نحب الوصف المقنع، نحب الاستعارات التي لا تخطر على بالنا. يرق قلبنا لعواطف الشخص الذي كتبها، نحس به، نفهمه ونتفهمه، نسانده أو نوافقه، وحتى إن تعارضنا مع أفكاره، تبقى أحاسيسه مقدمة لنا كباقة ورد نأخذ منها ما نشاء من روائح الكلمات. الأفكار تأتي خفيفة والحكمة قوية، والمعنى يدغدغ عقلنا.
حين نقرأ الشعر، يصبح لدينا وفرة في الكلمات، تنفعنا في كل الحالات، إذ نوفق في استخدام ما نحتاجه، ونتعلم منه وضع الكلمة اللازمة في سياقها. نتعلم تصفيف الكلمات وجمعها مع التي تناسبها وتشبهها، فتزيد أقوالنا تأكيدًا ووضوحًا وتبهر المستمع بعذوبتها وسهولتها. حين تنقصنا الحجة نلهو بالكلمات، نراوغ ونراقص بها لتصنع لنا البرهان ودفاعًا نرافع به. الكلمات مهمة لتأكيد أقوالنا، للفصل في القضايا، واتخاذ المواقف والقرارات السديدة. فالكلمات تصنع الصوت المسموع والرأي الحكيم، تزيد الذكاء وتوسع الأفق. بفضل الكلمات المناسبة لا نَظلِم ولا نُظلَم، لا يُسلب منا حق ولا نسلب حق الغير. الكلمات حين تكون كاملة تريحنا، تسعدنا، تغنينا، تمنحنا الطمأنينة، ثقة بالنفس، وتداوي نفسيتنا وترمم كسورها.
كم من قصيدة مرّت علينا وبقيت بعض أبياتها في عقولنا، تظهر تلقائيًا عندما تحضر مناسبتها. وكم من أغنية سمعناها وأعجبنا بكلماتها الملحونة، فنجد أنفسنا نرددها أثناء قيامنا بأعمالنا لأنها لامست مشاعرنا أو أفكارنا. الكلمات هي أجمل ما في الأغنية. الكثير من الأغاني خُصصت لها استوديوهات بمبالغ ضخمة لإنتاج موسيقى فخمة، لكنها سرعان ما اختفت ونسيها الناس. وكم من أغنية غُنيت بوسائل وآلات موسيقية بسيطة، ولكن لقوة كلماتها بقيت في أذهان مستمعيها لما يقارب القرن. نحن لا نتعلق بالكلمات فقط، بل بالمعنى الذي تحمله. كثير من الناس لا يقرؤون الكتب، لكنهم لا يتوقفون عن نشر العبارات والمقتطفات التي ينشرها القراء على وسائل التواصل الاجتماعي لأنها دغدغت مشاعرهم وأفكارهم. ولو كانت الكتب التي اقتُبست منها بنفس الجودة، لوجدت غير القارئ متشبثًا بالكتاب، لا يتخلى عنه حتى يكمله.
نملك قاموسًا لغويًا كبيرًا في عقولنا، لكن لا نستخدم منه إلا القليل. وأكبر دليل على ذلك هو تلك الكلمة التي يقولها أحدهم، فنعلق عليها: “لم أسمع هذه الكلمة منذ زمن بعيد”. وعليه، فإن معرفة الكلمات لا تعني بالضرورة استخدامها. ولعل أغلب الكلمات التي نتفوه بها يوميًا هي الكلمات التي نسمعها في محيطنا وبيئتنا، والتي تؤثر بشكل كبير على استخدامنا للكلمات.
حتى لو تعلمنا لغات كثيرة، وعشنا في مجتمعات مختلفة، وتأثرنا بثقافاتها، تبقى كلمات الثقافة ولغة المجتمع الذي نحن فيه هي الطاغية على لساننا. فلو عشت في مجتمع فرنسي لسنة، حتى لو قضيت عمرك كله في بلد عربي، ستجد نفسك تستخدم كلمات فرنسية دون أن تشعر عندما تعود لأهلك. كما أن ثقافة الناس حولنا تحدد الكلمات التي نستخدمها. فلو كنت تخالط أشخاصًا يمجدون التقدم، وحياة الغرب، والتطور التكنولوجي، والعالم الرأسمالي، ستجد نفسك تستخدم قاموسًا ليبراليًا، علميًا، صناعيًا، وكلمات معاصرة. ولو كنت تخالط أشخاصًا يشتغلون بالنقابات، وينتمون لأحزاب اليسار ذات الطابع الاجتماعي، لوجدت نفسك تستخدم قاموس الأشخاص المطالبين بتحسين الظروف الاجتماعية للطبقة الكادحة، وتتحدث عن حقوق العمال، وتنادي أصدقائك بلقب “الرفيق”، وتنتقد الغرب الأوروبي والأمريكي، وتستخدم كلمات تعادي سياساتهم. ولو كنت تعيش في بيئة محافظة، متدينة، ستجد نفسك تستخدم كلمات مستمدة من الكتب الدينية، كلمات تعظم التقاليد، وتدعو للحفاظ على الإرث الثقافي. وتبقى كل كلماتك تتسم بالاحترام والرسمية، والدعوة إلى الدين والتقاليد.
عندما يكون المرء محاطًا بالطلاب أو أساتذة جامعيين أو أصحاب الشهادات الجامعية العليا أو أشخاص مستواهم التعليمي جيد، يتأثر بكلماتهم الأكاديمية، الدقيقة، والمعقدة، العلمية والفلسفية. وغالبًا ما تتحول حوارات هؤلاء إلى لقاءات فكرية ثقافية تنمي أفكاره وثقافته، وتحسن لغته، ويكتسب كلمات أدق وذات معنى أصح.
في الحياة العملية، من يعمل في بيئة ثقافية علمية، يطور قاموسه اللغوي الأكاديمي ويجعله راقيًا مع الوقت. أما من يمتهن مهنًا لا علاقة لها بمجال التفكير، الثقافة، أو الأدب، فتتضاءل لديه الكلمات الدقيقة والمعقدة والرسمية المعتادة عند المتعلمين.
كما أن لكل مهنة قاموسها اللغوي الخاص. فالمحامي والقاضي يستخدمان كلمات قانونية مرتبطة بالعدالة والقضايا والمحاكم. أما الطبيب فيستخدم كلمات متعلقة بالأمراض، التطبيب، المختبرات، الأعراض، العلاج والشفاء. ويستخدم البنّاء كلمات مرتبطة بالهندسة المدنية والمعمارية، الديكور، الأشكال الهندسية، الخرسانة المسلحة، البلاط، والإسمنت. كذلك، فإن العيش في أحياء فقيرة يكسب سكانها قاموسًا خاصًا بتلك البيئة، وظروفها المعيشية، وحالتها الاقتصادية، وينطبق الأمر نفسه على من يعيشون في بيئة غنية؛ فالقاطنون في الأحياء الغنية لهم قاموس لغوي خاص بهم. كما يختلف قاموس سكان الأرياف عن قاموس سكان المدن، وقاموس سكان الصحراء عن قاموس سكان الجبال أو المناطق الساحلية.
أغلب الكلمات التي يصعب التخلي عنها عندما نرغب بذلك هي الكلمات التي اكتسبناها من الأصدقاء والعائلة، فهم الأشخاص الذين نتواصل معهم بكثرة. ثقافتهم، نظرتهم للحياة، لغتهم، لهجتهم، وأصواتهم لها تأثير كبير علينا بسبب العيش المستمر معهم. لذا، الكلمات الأكثر استخدامًا لدينا هي كلمات العائلة والأصدقاء، لأن اختياراتنا اللغوية تتأثر بعلاقاتنا الشخصية.
إذا كنت رجلًا وتعمل في بيئة تكثر فيها النساء أو تعيش في عائلة تغلب فيها النساء على الرجال، ستجد نفسك تستخدم كلمات أنثوية. والعكس صحيح بالنسبة للمرأة التي تعيش في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري. كذلك بالنسبة للعمر، إذا كنت تتعامل يوميًا مع أشخاص أكبر منك سنًا، ستجد نفسك تستخدم كلمات من جيل أكبر منك، تجعلك تبدو أكثر عقلانية، جدية، ومنطقًا، وأقل حيوية مقارنة بجيلك. والعكس صحيح إذا كنت تتعامل يوميًا مع جيل أصغر منك، فتكون كلماتك جديدة، تتماشى مع الموضة، وتتوافق مع اللهجة السائدة والكلمات الرائجة، وستبدو أكثر حيوية وطياشة نوعًا ما مقارنة بجيلك.
كم مرة يُستضاف كاتب أو مفكر كبير على قنوات التلفزيون، فينطق بعبارات تبقى راسخة في الأذهان. وحتى بعد وفاتهم، تبقى كلماتهم المليئة بالحكمة والمعنى والمغزى حية في ذاكرة كثير من الأفراد.
لهذا نحب الشعر؛ لأنه يروي تجارب إنسانية تُشبع عواطفنا وتروي أحاسيسنا بكلمات عذبة كالماء. كذلك هي الكلمات الفلسفية، تلك الحكمة والحجج والبراهين المنطقية، حين تخاطب عقلنا، تقنعه وتطمئنه، تدعمه وتؤيده بأفكار جديدة ورؤى لم تخطر بباله من قبل، تمنحه مفاتيح تفكير جديد، طرق التمييز والمقارنة والمحاججة. الكلمات الفلسفية توقظ العقل، تدفعه إلى الشك، تجبره على طرح أسئلة جديدة، وتحديد مشكلات وحلول وآراء. تجعله يرى ما يواجهه من أحداث كل يوم جديد كأطروحات قابلة للنقد والتأييد والتفنيد. الكلمات الفلسفية تدفعه إلى خلق فرضيات ثم إيجاد حلول. الكلمات الفلسفية لا تمنح الإنسان فقط قوة الخطابة والتحاور وتقبل الرأي الآخر، بل تجعله أيضًا أكثر وعيًا ونضجًا فكريًا وثقافيًا. لهذا، حين تأتي الكلمات على شكل فلسفة، تكون أعقل، أرزن، أصدق وأكثر دقة.





