المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الكورية الجنوبية صن- مي هوانغ تُحرّض الفتيان على الحلم

سلمان زين الدين

لعلّ أبرز ما يميّز رواية الفتيان عن غيرها أنّها تُفرد للخيال حيّزاً كبيراً يتناسب مع متطلّبات هذه المرحلة العمرية، وتقدّم عالماً تخييليّاً مُفارقاً للعالم الواقعي بينما تحاول الرواية العادية أن تُوهم بمطابقتها له.

وتكتسب هذه الرواية أهميّتها في اللحظات التاريخية الحرجة، حين ينوء الواقع بِكَلْكَلِهِ علينا وتحاصرنا وقائعه القاسية ويُفقدنا التوازن، فتشكّل فسحة أدبية متخيّلة نفيء إليها لعلّنا نستعيد شيئاً من توازننا المفقود.

من هذه الشرفة، نطلّ على رواية \”الكلبة التي تجرّأت على الحلم\” للكاتبة الكورية الجنوبية صن- مي هوانغ، الصادرة عن دار \”ثقافة للنشر والتوزيع\” الإماراتية، بترجمة عربية أنجزتها زينة إدريس.

أصدرت هوانغ مؤلّفة وأستاذة جامعية نحو الثلاثين كتاباً في أنواع أدبية مختلفة، ونالت عدداً من الجوائز الأدبية، وارتبط اسمها برواية \”الدجاجة التي حلمت بالطيران\” التي تمّ تحويلها إلى فيلم رسوم متحرّكة. واللافت أنّ هذه الأخيرة تتقاطع مع الرواية موضوع هذه القراءة في وجود حيوان يحلم في عنوان كلٍّ منهما ومتنها، ما يجعل العنوان مفتاحاً مناسباً للمتن.

بشر وحيوانات
تدور الأحداث في فضاء ريفي زراعي، وتنخرط فيها مجموعة من البشر والحيوانات يشكّلون أسرة واحدة، يتمّ التواصل بين أفرادها بمختلف الوسائل، ما يجعلنا إزاء فضاء روائي غرائبي، يتمّ فيه رفع الحاجز الطبيعي بين البشر والحيوانات؛ فيرى الجد صيّاح الجراء أطفال البيت، وتقرن الجدة بين الرجال والكلاب في السوء، من جهة، وتتفاعل الحيوانات الأليفة مع مالكيها بأشكال مختلفة، من جهة ثانية. وتلعب الكلبة زيتونة دور الشخصية المحورية في الرواية، وتستقطب الانتباه منذ بداية الرواية حتى نهايتها، وتتميّز بشجاعتها وعنادها وقدرتها على مواجهة الصعاب والتصدّي لها وتجرّؤها على الحلم. ولعلّ الكاتبة أرادت، من خلال هذه الشخصية، أن تقدّم للفتيان أمثولة في مواجهة الصعاب والتمسّك بالحق والنضال في سبيله ورفض الخضوع للأمر الواقع. وهي تفعل ذلك بطريقة الحكاية، وبمعزل عن وعظ يأنف منه الفتيان الذين يميلون إلى التمرّد على المواضَعات، ويجنحون إلى إثبات الذات بعيداً من مواعظ الكبار وإرشاداتهم.

منظورات مختلفة
منذ طفولتها، تتميّز الكلبة عن سواها من الجراء؛ فهي الوحيدة التي يقوم الجد بتسميتها، ويساعدها على نيل حقها في الرضاعة، ويلتفت إلى شكلها المختلف عن الآخرين. وهي التي تمتلك مهارات متقدمة في استشعار الخطر والتصدي له والتعالق مع الآخرين من منظورات مختلفة. نذكر منها البنوّة والأخوة والصداقة والحب والأمومة والخصومة والولاء. وتتمظهر كل من هذه المنظورات في سلوكيات معيّنة:
– في البنوّة، تنبّه أمها إلى خطر الهرّة العجوز التي تتربّص بجرائها، وتحذّرها من أكل قطعة اللحم المخدّرة، وتتصدّى لتاجر الكلاب اللص حين يقوم بتخدير الأم واختطافها.
– في الأخوّة، تتدخّل لوقف الشجار بين إخوتها، وتحاول مساعدة أخيها الضعيف بعد إصابته، وتتصدّى للص الذي سرق أختها وأخاها.
– في الصداقة، تتعالق مع الحفيد الصغير دونغي، وتشاركه اللعب، وتصادق الهرة العجوز بعد عداء، وتقوم بإعادتها إلى بيت مالكها بعد موتها.
– في الحب، تنخرط في علاقة مع الكلب الأبيض الجميل الذي يلعق جراحها إثر خوضها معركة منفردة دفاعاً عن النفس ضد ثلاثة كلاب، وتنجب منه ثلاثة جراء، وتقوم بالدفاع عنه حين يخوض معركة وحده ضد مجموعة من الكلاب رغم أنّها كانت على عتبة الوضع.
– في الأمومة، تقوم بلعق الجرو الأسود في محاولة منها لإعادته إلى الحياة، وتغضب لقيام الجد ببيع جرائها، ولا تكلّ من البحث عنهم، وحين تعثر على الجرو الأبيض وقد أصبح كلباً جميلاً تكتفي بالاطمئنان عليه من البعيد دون أن تكشف عن هويّتها في نكران واضح للذات. وحين يبيع الجد ابنتها كوري من التاجر اللص تغضب، وتمتنع عن تناول الطعام، وتقوم بعضّ الجد، حتى إذا ما عادت لها مسمّمة وماتت، تتردّى في حزنها.
– في الخصومة، تتّسم علاقتها بالهرّة العجوز والدجاجة عزيزة بالتوتّر الدائم، انطلاقاً من عدم ثقتها بالأولى التي تمارس التلصّص والتجسّس والتربّص بالجيران ولا تتورّع عن إلحاق الأذية بهم، وانطلاقاً من الصراع على النفوذ مع الثانية التي تحاول أن تستأثر باهتمام الجد والإفادة من مغانم الإقامة في كوخه. على أن هذه الخصومة المزدوجة، تؤول إلى صداقة مع الهرّة بعد أن أرشدتها إلى مكان وجود ابنها الكلب الأبيض، وتنتهي بموت الدجاجة عزيزة إثر معركة دامية مع الهرة التي تموت بدورها.
– في الولاء، تثبت زيتونة ولاءها للجد المالك رغم قيامه ببيع جرائها تباعاً، وهي لا تتوانى عن تنبيهه إلى مخاطر اللص والعاصفة، وتقوم بإرشاد أسرته إلى مكان سقوطه في الجدول فتهرع إلى إنقاذه. وبذلك، تثبت ولاءها له وخوفها عليه، ما ينسجم مع وفاء الكلاب الذي يُضرَب به المثل.

بشر وحيوانات
تدور الأحداث في فضاء ريفي زراعي، وتنخرط فيها مجموعة من البشر والحيوانات يشكّلون أسرة واحدة، يتمّ التواصل بين أفرادها بمختلف الوسائل، ما يجعلنا إزاء فضاء روائي غرائبي، يتمّ فيه رفع الحاجز الطبيعي بين البشر والحيوانات؛ فيرى الجد صيّاح الجراء أطفال البيت، وتقرن الجدة بين الرجال والكلاب في السوء، من جهة، وتتفاعل الحيوانات الأليفة مع مالكيها بأشكال مختلفة، من جهة ثانية. وتلعب الكلبة زيتونة دور الشخصية المحورية في الرواية، وتستقطب الانتباه منذ بداية الرواية حتى نهايتها، وتتميّز بشجاعتها وعنادها وقدرتها على مواجهة الصعاب والتصدّي لها وتجرّؤها على الحلم. ولعلّ الكاتبة أرادت، من خلال هذه الشخصية، أن تقدّم للفتيان أمثولة في مواجهة الصعاب والتمسّك بالحق والنضال في سبيله ورفض الخضوع للأمر الواقع. وهي تفعل ذلك بطريقة الحكاية، وبمعزل عن وعظ يأنف منه الفتيان الذين يميلون إلى التمرّد على المواضَعات، ويجنحون إلى إثبات الذات بعيداً من مواعظ الكبار وإرشاداتهم.

منظورات مختلفة
منذ طفولتها، تتميّز الكلبة عن سواها من الجراء؛ فهي الوحيدة التي يقوم الجد بتسميتها، ويساعدها على نيل حقها في الرضاعة، ويلتفت إلى شكلها المختلف عن الآخرين. وهي التي تمتلك مهارات متقدمة في استشعار الخطر والتصدي له والتعالق مع الآخرين من منظورات مختلفة. نذكر منها البنوّة والأخوة والصداقة والحب والأمومة والخصومة والولاء. وتتمظهر كل من هذه المنظورات في سلوكيات معيّنة:
– في البنوّة، تنبّه أمها إلى خطر الهرّة العجوز التي تتربّص بجرائها، وتحذّرها من أكل قطعة اللحم المخدّرة، وتتصدّى لتاجر الكلاب اللص حين يقوم بتخدير الأم واختطافها.
– في الأخوّة، تتدخّل لوقف الشجار بين إخوتها، وتحاول مساعدة أخيها الضعيف بعد إصابته، وتتصدّى للص الذي سرق أختها وأخاها.
– في الصداقة، تتعالق مع الحفيد الصغير دونغي، وتشاركه اللعب، وتصادق الهرة العجوز بعد عداء، وتقوم بإعادتها إلى بيت مالكها بعد موتها.
– في الحب، تنخرط في علاقة مع الكلب الأبيض الجميل الذي يلعق جراحها إثر خوضها معركة منفردة دفاعاً عن النفس ضد ثلاثة كلاب، وتنجب منه ثلاثة جراء، وتقوم بالدفاع عنه حين يخوض معركة وحده ضد مجموعة من الكلاب رغم أنّها كانت على عتبة الوضع.
– في الأمومة، تقوم بلعق الجرو الأسود في محاولة منها لإعادته إلى الحياة، وتغضب لقيام الجد ببيع جرائها، ولا تكلّ من البحث عنهم، وحين تعثر على الجرو الأبيض وقد أصبح كلباً جميلاً تكتفي بالاطمئنان عليه من البعيد دون أن تكشف عن هويّتها في نكران واضح للذات. وحين يبيع الجد ابنتها كوري من التاجر اللص تغضب، وتمتنع عن تناول الطعام، وتقوم بعضّ الجد، حتى إذا ما عادت لها مسمّمة وماتت، تتردّى في حزنها.
– في الخصومة، تتّسم علاقتها بالهرّة العجوز والدجاجة عزيزة بالتوتّر الدائم، انطلاقاً من عدم ثقتها بالأولى التي تمارس التلصّص والتجسّس والتربّص بالجيران ولا تتورّع عن إلحاق الأذية بهم، وانطلاقاً من الصراع على النفوذ مع الثانية التي تحاول أن تستأثر باهتمام الجد والإفادة من مغانم الإقامة في كوخه. على أن هذه الخصومة المزدوجة، تؤول إلى صداقة مع الهرّة بعد أن أرشدتها إلى مكان وجود ابنها الكلب الأبيض، وتنتهي بموت الدجاجة عزيزة إثر معركة دامية مع الهرة التي تموت بدورها.
– في الولاء، تثبت زيتونة ولاءها للجد المالك رغم قيامه ببيع جرائها تباعاً، وهي لا تتوانى عن تنبيهه إلى مخاطر اللص والعاصفة، وتقوم بإرشاد أسرته إلى مكان سقوطه في الجدول فتهرع إلى إنقاذه. وبذلك، تثبت ولاءها له وخوفها عليه، ما ينسجم مع وفاء الكلاب الذي يُضرَب به المثل.

صورة نموذجية
وهكذا، تكون الكاتبة قد رسمت بالكلمات صورة نموذجية للكلبة، وجعلتها تتّصف بالذكاء والشجاعة والعناد والمبادرة وعدم التخلّي عن الحق والتضحية في سبيل استعادته والمحافظة عليه، وتتعلّق بالحرية حين ترفض تقييدها، وتبدي وعياً نسويّاً حين ترفض ذكورية الكلب الأبيض وتمييزه الجندري بين الذكور والإناث. على أنه رغم هذه الصفات، لم تستطع زيتونة الحصول على ما تريد واستعادة أمها وإخوتها وجرائها في عالم اليقظة، فتتجرّأ على الحلم، في نهاية الرواية، وتنجح في استعادتهم في عالم الحلم.

شخوص مكمّلة
إلى ذلك، تحفّ بهذه الشخصية المحورية مجموعة من الشخوص، البشرية والحيوانية، تمثّل، بمعظمها الوجه الآخر السلبي للعملة الروائية؛ فالهرة العجوز تلعب دور الشرّير الذي يتربّص بجيرانه ويتلصّص عليهم، ولا يتورّع عن إلحاق الأذى بهم كلّما سنحت له الفرصة، غير أنّ تحوّلاً مفاجئاً يطرأ على هذه الشخصية في نهاية الرواية حين تقوم بإرشاد الكلبة إلى مكان وجود ابنها الأبيض ليشكّل ذلك بداية صداقة بينهما. والدجاجة عزيزة تلعب دور الانتهازي ومُحْدَث النعمة الذي يتسلّق على حساب الآخرين، ويهمّه تحقيق مصلحته دونهم.

ويلعب تاجر الكلاب دور اللص الشرّير، بدوره، الذي يقوم بتخدير ضحاياه تمهيداً لسرقتها وبيعها غير عابئ بأدبيّات التجارة، وحين تقوم زيتونة بفضحه أمام الجد يقوم الأخير بتوبيخه وضربه فيولّي الأدبار ما يشي بعواقب اللصوصية الوخيمة ويقدّم درساً في أهمية الاستقامة. أمّا الجد الذي يتّخذ من تربية الكلاب وبيعها مهنة ثانية له، فيترجّح بين الإيجابية، حين يهتم بها ويزوّدها بالطعام والماء ويتبادل الأحاديث معها، وبين السلبية، حين يقوم ببيعها ضارباً عُرْض الحائط بمشاعر أمّها. وعليه، تنطوي الرواية على بعد تربوي يتمثّل في مجموعة من القيم الأخلاقية، يتم تسريبها إلى الناشئة، من خلال الأحداث وسلوكيات الشخوص المختلفة، بعيداً من وطأة الوعظ والإرشاد. وهنا، تكمن أدبية الرواية وروائيّتها.

ملاءمة الرواية للفتيان لا تقتصر على الحكاية بل تتعدّاها إلى الخطاب الروائي، فتستخدم هوانغ خطاباً روائيًّا بسيطاً يقوم على: أحادية الراوي العليم، وخطّية الأحداث وتسلسلها، والابتعاد عن التقنيات المركّبة ممّا نجده في روايات الكبار، ورشاقة اللغة، وسلاسة التراكيب، ووضوح المفردات. وهذه المقوّمات الخطابية تتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة من الرواية، وتقيم علاقة تصادٍ بين الحكاية والخطاب، وتجعل القراء فسحة للابتعاد عن جفاف الواقع ووقائعه القاسية، وفرصة للإيفاء إلى المتخيّل وفردوسه المفقود.

*النهار العربي