أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي
نواصل مع (ذي القُروح) رحلتنا حول شؤون الكتاب العَرَبي، التي بدأناها في المساق السابق. إذ سألته:
ـ تُرَى هل يهدِّد الكتاب الإلِكتروني الكتاب الورقي في الوقت الراهن؟
ـ سؤال التهديد هذا طُرِح أيضًا قديمًا حينما بدأ الإنسان يكتب أفكاره ولا يلقيها إلقاءً. بمعنى آخَر حين تحوَّلت الثقافة من الطَّور الشِّفاهي إلى الطَّور الكتابي. فجاء السؤال: هل ستهدِّد الكتابة الذاكرة والحافظة العِلميَّة والقُدرة الإبداعيَّة. فكان هناك هذا التوجُّس عينه- في ثقافتنا العَرَبيَّة، على سبيل النموذج- وكانت النظرة الدُّونيَّة إلى الكتابة والكتاب، وإلى الاعتماد على القلم والورقة. ولذلك نقرأ في تراثنا الانتقاص من العالِـم الذي يعتمد على هذه التقنية الجديدة في وقتها، فجاءت عبارة مثل «فلان إنَّما عِلمه في قراطيس!» لأنَّ العالِـم، بمقاييس ذلك العصر، هو الحافظ. ولذا ليس من فراغٍ أن نجد لقب (الحافظ) في تراثنا يتكرَّر. وكان يُنظَر إلى العالِـم الذي يعتمد على المكتوب أنه مشكوكٌ في عِلمه.
ـ وحتى في الأدب، وفي الشِّعر تحديدًا، لـمَّا بدأ بعض الشُّعراء يكتبون قصائدهم، كانوا يتخفَّون من الناس، ويخشون من أن يعلَم عنهم الجماهير أنهم يكتبون قصائدهم.
ـ صحيح، ويَحضرنا هنا نموذج الشاعر (ذي الرُّمَّة). وهو شاعرٌ أعرابيٌّ، أسلوبه يتعلَّق بالصحراء وبالبادية، أكثر ممَّا نعرفه حتَّى في الشِّعر الجاهلي. ولمـَّا أخذ يكتب بعض شِعره، كان يتكتَّم على كتابته، ويتستَّر على ممارستها؛ لأنَّ الشاعر الذي يكتب القصيدة ليس بشاعر، بل الشاعر الشاعر هو الراوية، لشِعره وشِعر غيره. رُوي في هذا أنَّه ذات يوم «قرأ (حمَّادٌ الراوية) على (ذي الرُّمَّة) شِعره، فرآه [ذو الرُّمة] قد ترك في الخطِّ لامًا، فقال له: اكتب لامًا، فقال له حماد: وإنَّك لتكتب؟! قال: اكتُمْ عليَّ! فإنَّه كان يأتي باديتنا خطَّاط، فعلَّمنا الحروف تخطيطًا في الرِّمال، في اللَّيالي المقْمرة، فاستحسنتُها، فثبتتْ في قلبي، ولم تخطَّها يدي.»(1)
ـ خلاصة القول: إنَّ هذا التوجُّس المعاصر من الكتاب الإلِكتروني، وأنه سيكون مهدِّدًا للكتاب الورقي، توجُّس مرحلي؟
ـ نعم، وقد مرَّت بمثله الثقافات من قَبل، عندما انتقلت من الشِّفاهي إلى الكِتابي، ومن المخطوط إلى المطبوع، حتَّى لقد حُرِّمت المطبعة في العالم الإسلامي، بادئ الأمر. والتاريخ يعيد نفسه!
ـ إذن، هذه التحوُّلات في كلِّ مجال تُواجَه بهذا الخوف على الإرث، وعلى الماضي، وعلى ما وجدنا عليه آباءنا، في مجال الكتابة والتأليف وفي غيرهما من المجالات.
ـ وأنا لا أرى سببًا لهذا القول بالتهديد أصلًا، سِوَى الخوف على الإِلف لا على المؤلَّف. ما معنى تهديد الكتاب الورقي؟ الكتاب الورقي موجود، ولا تهديد لبقاء المادَّة المتاحة ورقيًّا. وليكن ما نشهده اليوم تطوُّرًا يحتاج ممَّن لم يَعتد عليه أن يطوِّع نفسه له، ويطوِّر مهاراته لمواكبة العصر، مثلما انتقلنا من الطَّور الشِّفاهي إلى الطَّور الكِتابي، ومن الطَّور الكِتابي الخَطِّي إلى الطَّور الطِّباعي، وها نحن هؤلاء الآن ننتقل إلى عصرٍ جديد و تقنية جديدة.
ـ وهي تقنية (مفيدة جدًّا للفرد والجماعة، وللُّغة، وللأُمَّة، وللثقافة). والذين لا يعرفون الكتاب الإلِكتروني لا يُدركون أنَّه أكثر انتشارًا.
ـ غالبًا، هم يُدرِكون ذلك، إلَّا أنَّهم قد لا يُدرِكون أنَّ القراءة فيه لمن تمرَّس بها أسهل وأسرع وأسلم للمادَّة المقروءة، وتتيح للقارئ وللباحث أن يبحث في الكِتاب على نحو أفضل وأدق وأسرع من الكِتاب الورقي، على الرغم من أنَّ الأمور ما زالت في تطوُّر، وقد تكون هناك صعوبات في التقنية العَرَبيَّة؛ لأنها معتمدة على الآخَر، ولكن هي تتطوَّر يومًا بعد يوم.
ـ لعلَّك توضح لنا، يا (ذا القروح)، أكثر حول تلك الميزات!
ـ أنت مع الكِتاب الإلِكتروني تستطيع، مثلًا، أن تبحث آليًّا. وتستطيع أن تسجِّل ملحوظاتك بطريقة لا تشوِّه الكِتاب، كما يحدث مع الكِتاب الورقي. فضلًا عن ميزات أخرى تتعلَّق بالبيئة وبالصِّحَّة العامَّة. ذلك أنَّ الكِتاب الإلِكتروني يحميك من بعض الأضرار الصِّحيَّة، ولا سيما في بعض البيئات كبيئتنا، بما يحمله الكِتاب الورقي من غبار وغير غبار. ويحميك حتى من روائح الحبر أحيانًا والورق، وما تسببه لبعض الناس من حساسيَّات. الكتاب الإلِكتروني صديقٌ للإنسان وللبيئة أكثر بكثير. أضف إلى هذا أنك تستطيع أن تحمل في جوَّالك مكتبة كاملة، حيثما ذهبت، فتقرأ وتبحث. وهذا مستحيل في العصر الورقي البائد. أمَّا مَن كان مُصِرًّا على الكتاب الورقي، ويرَى في التقنية الحديثة تهديدًا له، فللناس في ما يعشقون مذاهب!
ـ هذا، كما قلتَ، يحدث في كلِّ طورٍ انتقالي، كهذا الانتقال بين العصر الورقي إلى العصر الإلِكتروني. إذن ليس هناك تهديدٌ للكتاب الورقي لمن يعشقه ويتمسَّك بأن يقرأ ورقيًّا. لكن دع القارئ، أليس فيه تهديد للناشر؟
ـ لقد كنتُ من الذين كتبوا عن هذا منذ عقدين؟
ـ منذ عقدين؟! أم منذ العصر الجاهلي، يـ(ذا القُروح)؟!
ـ هناك تناسخ ما، يا «خبيبي»! أعني منذ أن بدأتْ هذه التقنية الإلِكترونيَّة، وأنا أرى (تهديدًا لإنتاج الكِتاب الورقي)؛ لأنَّ تسويقه وبيعه لم يعُد كالسابق؛ فحينما تجد الكِتاب إلِكترونيًّا، فلماذا تشتريه ورقيًّا؟ فهذا (تهديد للناشر التاجر)، لكنَّه (ليس بتهديدٍ للقارئ، بل فيه خدمة للقارئ)، وفتحٌ عظيمٌ للطالب، ليقرأ، ويطَّلع على امتداد العالَـم. ولقد أجبرتنا (أزمة كرونا) قبل أعوام على الاعتراف بضرورة الكِتاب الإلِكتروني للطالب والمعلِّم، بل ضرورة التعامل الإلِكتروني والتعليم الإلِكتروني. ليس هذا فحسب، بل أنت أيضًا تستطيع الآن أن تصل حتى إلى بعض المخطوطات الموجودة في مكانٍ ما، شرقًا أو غربًا من العالَم.
ـ وهو ما لم يكن ممكنًا قبل سنين إلَّا بالسَّفَر ودفع الأموال الطائلة للاطلاع على ورقةٍ من مخطوط.
ـ ولذلك فالكتاب الإلِكتروني، أو لتقُل التقنية الإلِكترونيَّة عبر شبكة «الإنترنت»: نعمةٌ عظيمةٌ للقارئ وللباحث.
ـ ماذا عن فكرة الكِتاب التفاعلي الذي يتيح فضاءً أوسع للقارئ؟ كيف تراها؟
ـ تعجبني أسئلتك المعلَّبة على طريقة الإعلاميين: ماذا عن…؟ كيف تراها؟
ـ لأنَّني أُراعي أنك شاعرٌ جاهليٌّ حداثي! كيف لا وقد سافرتَ إلى (أنقرة)؟! وأنت القائل:
بَكَى صاحِبي لـمَّا رأى الدَّرْبَ دُوْنَهُ
وأَيْـقَـنَ أَنـَّا لاحِـقـانِ بـقَـيْـصَـرا
ـ أيَّام! نعم، كنتُ يومها أبحث عن مخطوطة لشِعر (ابن خِذام)؛ لأنَّنا ظللنا نبكي الدِّيارَ كما بَكَى ابنُ خِذام، ولكن لا نعرف من هو؟ ولا أين شِعره؟
ـ وإنَّك لتكتب؟!
ـ نعم، كنتُ أكتب، وشعري شاهد. لكن اكتُمْ عليَّ!
ـ سِرُّك في بئر «أَضْحَى حَوْضُهُ وَهْوَ نَاشِفُ»! فَعَدِّ عن ذلكم إذ لا ارْتِجاعَ لَهُ!
ـ عَدِّ أنت، أوَّلًا، يا (عمرو)! أقول: كثيرًا ما ألحظ خلطًا- وقد كتبتُ عن ذلك مرارًا في مقارباتٍ خاصَّة، أو من خلال بعض مؤتمرات أو ندوات حول الأدب الإلِكتروني- يقع بين مفهوم (الكِتاب التفاعلي أو الأدب التفاعلي) ومفهوم (الكِتاب الإلِكتروني). نعم التفاعل الآن قائمٌ حتى مع الكتاب التراثي؛ فإذا حوَّلت ديوان (امرئ القيس) إلى نسخة «بي دي أف» سيكون التفاعل معها أوسع جِدًّا، بطبيعة الحال. غير أنَّ (الأدب التفاعلي) أو (الكِتاب التفاعلي) شأنٌ آخر، يتعلَّق بالنصِّ التشعُّبي، أو ما يُسمَّى (النَّص المترابط Hypertext). الذي يتيح شراكة القارئ مع المؤلِّف في إنتاج النص، ليس بالمفهوم التقليدي، بل بحيث يغدو المتلقِّي شريكًا في إنتاج النصِّ بصورةٍ أو بأخرى.
ـ مثل هذا أمرٌ معروفٌ قبل التقنيات الحديثة.
ـ بيد أنَّه يجري الآن من خلال تقنية حاسوبيَّة، غير متيِّسرة لإنتاج الكِتاب لدَى معظم الناس. عبر هذه التقنية يستطيع القارئ أن يُضيف وأن يُداخِل. وذلك للقُرَّاء عمومًا وليس لقارئٍ بعينه، كأن يكون متخصِّصًا. إلَّا أنَّ هذه التجربة ما تزال محدودة في مجال الرواية وفي مجال الشِّعر. هناك أسماء محدودة جِدًّا في عالمنا العربي ممَّن أنتجوا كُتبًا تفاعليَّة، في روايات أو أعمال شِعريَّة، بهذه الطريقة التفاعليَّة. لعلَّ أشهرهم (محمد سناجلة) من (الأردن)، في الرواية، و(مشتاق عبَّاس معن) من (العراق)، في الشِّعر. وعليه، فالكِتاب التفاعلي بهذا المفهوم تجربة حديثة غير مسبوقة، لها تقنياتها الخاصَّة ومريدوها.
ـ غير أنَّ العمل الجيِّد يظلُّ يفرض نفسه، ويميز صاحبه، من خلال محتواه، ومن خلال أسلوبه، سواء أُنتج في كتابٍ تفاعلي أو في كتابٍ غير تفاعلي.
ـ الأصل جودة العمل دائمًا؛ فلا تُغني التقنيةُ التفاعليَّةُ الكِتابَ شيئًا في ميزان الجودة الحقيقيَّة للمنتَج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصولي، (1341هـ)، أدب الكُتَّاب، عناية: محمَّد بهجة الأثري، (القاهرة: المطبعة السَّلفيَّة)، 62؛ المرزباني، (1965)، الموشَّح في مآخذ العلماء على الشُّعراء، تحقيق: علي محمَّد البجاوي، (القاهرة: دار نهضة مِصْر)، 231.





