كتب: عبدالباري الصوفي
*الأدب العربي في صدر الإسلام* ..
يقصد به ذلك النتاج الفكري والثقافي المتنوع في اللغة والأدب من الشعر والنثر خلال الفترة الممتدة من بعثته ( صلى الله عليه وسلم ) إلى آخر أيام الخلفاء الراشدين ..
فلقد بُعث الرسول الأُمّيّ محمد ( صلى الله عليه وسلم) حاملا معه رسالة سماوية غيرت الكثير في مسار الأدب العربي الذي كان قد بلغ الشعر والنثر فيه أعلى درجات الجمال والإبداع والبلاغة حينها صارت مصادر الأدب في صدر الإسلام معتمدة على القرآن والحديث والأدب العربي في العصر الجاهلي ..
فالقرآن الذي هو كلام الله ومُعجزتهِ لنبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والذي جاء فصيحا بليغا بألفاظٍ لها نَسق بلاغي أعجز البلغاء والأدباء حتى على مستوى تبديل كلمة منه ووضع أخرى مكانها ناهيك عن الإتيان بمثله ، في وقتٍ كان الشعراء يتباهُون بالبلاغة والفصاحة والبيان ..
حينها تصدر القران حتى أصبح هو المصدر الأسمى والمرجع الأول لكل الثقافات والآداب والأحكام الأدبية آنذاك ..
ومن الجدير بالذكر أيضا أن القبائل قديما وفي العصر الجاهلي على وجهِ الخصوص كانت تتعدد فيهم اللهجات العربية ، وتتنوع فيهم بعض الثقافات الأدبية ، لذا حينما نزل القرآن آنذاك على الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) نزل حينها بلغة قريش ، غير أنه اِحتوى في كنفه على بعض الألفاظ من لغات القبائل العربية الأخرى التي كانت موجودة آنذاك مثل المضرية واليمنية ولغة كَنانة وهُذيل وبعض الألفاظ الأعجمية غير أن الأخيرة كانت قليلة الذكر ..
وبعد أن اِنتشر الإسلام وصارت القبائل المتفرقة قديما تدخل في هذا الدين وتؤمن بالقرآن وبأنهُ كتاب مقدس مُنزل من وحي السماء صار له دورٌ بارزٌ في جمع تلك القبائل العربية المتفرقة وتوحيدها على ثقافة أدبية واحدة وبلغة عربية سماوية مقدسة ، بما يمتلك هذا الكتاب من بديع النظم وحسن التأليف وروعة الأسلوب ودقة العرض ، وصدق المعاني ..
كان ذلك أيضا بعد أن حاول الأدباء والشعراء والفصحاء حينها أن يجِدوا له أو ينسبونه إلى نوع معين من أنواع الكلام الذي كان مصنفا في العصر الجاهلي إلا أنه صعُب ذلك عليهم ، فتارة كانوا يقولون شعرا غير أن خصائص الشعر وضوابطه لم تنطبق عليه , وتارة يقولون سحرا أي بما فيه من سحر البيان , غير أن تنوع الأسلوب فيه وعمق المعاني والحقائق كانت أعلى وأبلغ من ذلك ، وتارة يقولون سجعا غير أن آياتهِ لم تتخذ أسلوب السجع الذي كان عليه الكهان آنذاك ..
ومع ذلك الاِنتشار الواسع الذي حققهُ الإسلام في شبه الجزيرة العربية ودخول معظم الشعراء فيه ، تراجعت مكانة الشعر كثيرا لأسباب متعدة ، أهمها أن الشعر لم يستطع مجاراة تلك الثقافة القرآنية أو حتى التقليل من أهميتها أو تجاوزها .
أضف إلى ذلك ما يُسمى بـ (أسلمة الشعر) حيث أتى القرآن ذامّا طريقة الشعراء ومن يتّبعهم في الهجاءِ والمدحِ الزائفِ ومدحِ الخمورِ والتغزل بالنساءِ وغيرها من الأمور الأدبية التي كانت لها صَهوتها ومركزها واِنتشارها في العصر الجاهلي ، بينما أتى القرآن وعارضَها مع مدحهِ أيضا الشعراء الذين ءامنوا وذكروا الله كثيرا ..
عندها حاول بعض الشعراء آنذاك مجاراة ومحاكاة البناء القرآني غير أنهم كانوا يجدون أنفسهم وقد تسربلوا بعَباءةِ الشعر الجاهلي ..
ومن الأسباب أيضا اِنشغال المسلمين آنذاك في تعلم القرآن واِنشغالهم في الدعوة والفتوحات وغيرها أدى هذا أيضا إلى ضعف الشعر وتدني مستواه وتراجع الكثير من أنواعهِ ، ولم يشتهر منه غير ما كان شعرا يحاكي القضايا الإسلامية والأدب والفن النبيل أو ما كان يدل على الجهادِ والدعوةِ والتفكرِ والتوبة ..
لذا كان من غير المُمكن أن يظل الشعر مزدهرا مع وجود اِنتشار الإسلام وتعاليمه إذْ كان لا بُدّ من حصول بعض التعارض بين ما كان عليه الشعر قديما وبين ما جاء من تعاليمِ الإسلام وقيمهِ وأفكارهِ وثقافتهِ وقواعدهِ وأحكامهِ .. لاسيما وأن اِنتشار الإسلام على ذلك النطاق الواسع له اليد الطُّولى في أسلمة الشعر لا العكس .
غير أنه وُجدت مجموعة من الشعراء الكبار الذين خاضُوا التجربتين في العصر الجاهلي ودخلوا بعد ذلك في الإسلام واستطاعوا أن يُغيّروا من ثقافتهم وأدبهم بما يتوافق مع ثقافة الإسلام وآدابهِ حيث أُطلِق عليهم فيما بعد بالشعراء المخضرمين ..
*النثر*
أما النثر في هذا العصر فلقد كان أكثر اِستجابة لدواعي التطور الأدبي في صدر الإسلام من الشعر لما كانت تلك المرحلة تعتمد اِعتمادا كبيرا على الحديثِ والخطابةِ والمرسلين والمحدثين ، إضافة إلى نزول القرآن الذي كان معجزة بلاغية وكتابا سماويا مقدسا يتوجب العمل بأوامره والسير على أحكامه ..
تلك الأسباب والضُّرورات آنفة الذكر أدت إلى تصدٌر فن *الخطابة* في صدر الإسلام بل وأصبح هذا الفن من أهم الوسائل في نشر الدين وثقافتهِ وقواعدهِ وأحكامهِ وآدابه بما يمتلك من لغة خطاب تتوافق مع الاِستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وبأساليب متعددة كخطب الوعظ والأحكام والترهيب والترغيب والوعد والوعيد والجهاد ، كذلك الخطب السياسية التي كانت تعمل على توضيح شؤون الحُكم وسياسة الرعيةِ ، إضافة إلى الخطب الجهادية التي كانت تهدفُ إلى الجهاد ونشر الدين في أنحاء الجزيرة العربية ..
أتى القرآن أيضا مضيفا الكثير من الخصائص إلى الثقافة الأدبية التي كان يمتاز بها العصر الجاهلي حيث أضاف ..
*التكرار البليغ* في سرد القصص وتنوع الأساليب في سرد الأحداث وكذلك *الإيجاز* والقوة في ضرب *الأمثال* ، والجدير بالذكر أيضا أن الإسلام أضاف ثقافة جديدة وفن أدبي جديد لم يكن مشهورا سابقا ، وذلك في اِستخدام *الرسائل* حيث عمِد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الاِستعانةِ بالكُتّابِ ليتم من خلالهم توجيه الرسائل إلى القبائل المتفرقة أو إلى الحضارات والدول المجاورة لدعوتهم من خلالها إلى الدين الإسلامي وليُعلِّمُوا الناس الكتابة أيضا ..
ومن هنا نشأة ثقافة *التدوين الأدبي* والذي بدأ في عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) والتي تولدت لدى بعض الصحابة الذين كانوا يتقنون الكتابة كعلي بن أبي طالب وأنس ابن مالك وغيرهم حيث عمدوا إلى عمل ما تسمى بـ( الصحيفة الصادقة ) والتي بدأ فيها تدوين الأحاديث النبوية ، حينها أصبحت هذه الفكرة وسيلة للتدوين ومنهاجا لحفظ الأحاديث النبوية من الاِندثار والتحريف والوضع ، ومنها بدأ التنوع في التدوين يتعدى أغراضا أخرى ليضيف في تنوعه أفكارا كثيرة إلى الثقافة الأدبية في صدر الإسلام .
يتبع …
✍ شاعر وأكاديمي يمني
اليمن – تعز




