المجلة الثقافية الجزائرية

المرود والمكحلة

 د/ عطيات أبو العينين

منذ طفولتي وأنا أراها في المنزل كقطعة أساسية من أثاث المنزل كنت أعدها كقطعة أثرية طالما وقفت أمامها ، تمتلك قدا ممشوقا لها عنق طويل يذكرني في انسيابيته بعنق نفرتيتي

هذا العنق الجميل علي جسد كامل الاستدارة ومما يزيدها جمالا ذلك الجذع الذي يشبه الكأس

 تقف كأنها ملكة قد توجت علي عرشها وقد ارتدت تاج الملك وقد ازدان بزخارف جميلة حفرت علي كل أركانها . كان هذا هو حالي كلما ذهبت إلي منزل جدتي ، وجدتها تقف بشموخها المعتاد وأنفتها العالية فكان يعجبني فيها اعتزازها بكرامتها وشموخها .

طالت وقفتي أمامها أتأملها لم تكن تقف وحدها في االنيش أو كما تطلق عليه جدتي دولاب الفضية كانت جدتي تحب هذا الدولاب وكأنه خزانة لميداليات الشرف أو كؤس نالتها في المارثونات وقفت وقد أحاطوها ، كانوا جميعا يصغرونها وقفت تتوسطهم في شموخ كدجاجة ترعي صغارها تنفش ريشها لتدفئهم وتظلل عليهم كانوا ثلاثة وكان لجدتي ثلاثة من البنات .

كان رأسها يذكرني بذكر الطاووس الجميل وهو يظهر ريشه علي هيئة نصف استدارة متألقا بألوانه الجميلة وكأنه يضغط علي أحد الأزرار لمفتاح التحكم فتخرج تلك المروحة السحرية الرائعة وقد تداخلت ألوانها الزاهية في لوحة فنية خرافية .

إنها مكحلة جدتي شعرت أنها مرتبطة بهذا المنزل الصغير الدافيء ، لم أستطع تخيل المنزل بدونها كما لم أتخيل جدتي يوما دون أن تكتحل فكانت عيناها العسليتان تزداد تألقا فتضفي علي المنزل رونقا من جدتي .

لا أدري لماذا كنت دائما أتخيل بينهما حوار لا ينقطع فالمرود لا يترك مكحلته وكأنه يخشي عليها يحبها يظلل عليها ، لدرجة أنهما التحما معا في عناق أبدي ، لم يكن هذا هو حال جدي وجدتي بل كان من الأغرب أن يقتنيا هذا الشيء وهما دائما متنافران .

تتملكني الدهشة من هذين العجوزين لا يستقرا علي حال أبدا ولا يهدئا دائما علي خلاف كنت دائما أسأل والدتي:

– كيف أنجب جدي وجدتي هذا العدد من الأبناء بالرغم من عدم توافقهما ؟

تضحك أمي ولا تعلق بشيء وربما سرحت مع هذه الكلمات كمن يتعجب هو الآخر فربما خطر هذا السؤال علي ذهنها مرات ومرات ولكنها خشيت أن تسأل جدي أو جدتي .

راحت التكبيرات تعلو مآذن المساجد في يوم العيد يتفرق المصلون في كل مكان كحمامات بيض يفردن أجنحتهن في الفضاء فيبدو شكلهم مهيبا ، يستيقظ الجميع علي طرقات جدي الحبيب أسمع صوته هادئا مريحا يهنيء أمي بالعيد وعطيها العيدية ، تأتي أمي لتوقظنا حتي نسلم علي جدي نسبقها إليه وتسبقنا فرحة العيد يدس في يد كل من عيديته ورقات جديدة جميلة كنت أخشي عليها حتي أنني كنت أتردد كثيرا وأنا أخرجها من حقيبتي حتي أشتري لعب العيد ، كنت أحب جدي كثيرا فملامحه الهادئة الجميلة وعيناه الزرقاوان ووجهه الأبيض المشرب بالحمرة تنطبع في ذهني وتأبي ألا ترافقه ولكن عطف جدي وحنانه كانا يزيدان من رصيده في قلبي.

 كان دائما ما يرتدي طاقية من الصوف علي رأسه وكنت أتمني روؤيته بدونها ، كثيرا ما داهمني إحساس يقهرني أن أنزع عن رأس جدي تلط الطاقية الصوف لأراه بدونها ولكنه كان يري في ذلك عارا مشينا أن يمشي بدونها .

تأتي جدتي آخر النهار لتعيد علينا ولكن نادرا ما تجمعهما زيارة واحدة إذا أتي هو مبكرا تنصرف هي متأخرة ، وإذا تأخر هو بكرت هي في الحضور .

لم أراهما يمشيان سويا وعندما أسأل جدتي كانت تقول :

– ياللعيب أمشي مع رجل في الشارع ، لم نتعود علي ذلك يا بنيتي وكنا نسمع ذلك وننطلق في الضحك . جدتي تخجل أن تسير بجانب جدي في الشارع حتي إنهما لو تصادف وخرجا معا كل منهما في جاني هو في أول الطريق وهي تسير خلفه دائما فقد كانت قدماها تؤلماها من آثار الروماتيزم .

كان جدي كريما غير متكلف في تصرفاته تتسم حركاته بالتلقائية والطيبة لايلق بالا لما يقوله الناس أو يفعلونه فعالمه الطبيعة البكر قبل أن تلوثها أيدي الناس .

ذات يوم ذهبنا لنواسي جدتي لوفاة أمها ، قام جدي كعادته مرحبا فيتذكر أن هناك صنف من أصناف الحلوي فيسرع ويأتي به ، وما إن يجلس حتي يتذكر أن هناك طعاما لذيذا طهييته جدتنا فيسرع ويأتي به هو الآخر تزدحم المائدة بما لذ وطاب من صنوف الطعام .

تستشيط جدتنا غضبا لعدم مراعاة الترتيب في تقديم الطعام وتزداد المشاجرة ، وماإن تهدأ الأمور حتي يذهب جدي ليحضر لنا زجاجات الكولا التي نحبها ولم تسكت جدتي واتهمته أنه يكره أمها طوال عمره لدرجة إنه راه يوزع علي روحها الكولا .

كنا نخفي ضحكاتنا حتي لا نعاقب من أمي ن وكان جدي يكره ذلك البروتوكول في تقديم الطعام ويقول لها :

– ماذا سيحدث لو قدمت الحلوي قبل الطعام أو شربنا زجاجات الكولا قبل أن طعام الغداء.

 إنه يحب الطبيعة دون حاجة إلي الترتيب الذي وضعه الأفراد وليس لديه أي استعداد للتغيير .

في كل مرة نذهب إلي بيت جدي يكون هناك موضوع مختلف للشجار ولكنها مناوشات لذيذة تتخللها دعابات فهو يحب أن يضغط علي أعصابها ليسمع كلامها يحمر وجه جدتي حتي يصبح لونه في لون قرطها المتدلي من أذنها فلم تكن جدتي تغير لون حبات القرط فدائما تحب القرط الذي يتدلي منه الحبة الحمراء في لون حبة الياقوت . وتبدو جدتي كأنها ديك رومي قد نفش ريشه واحمر وجهه ومع ذلك كانت لا تطيق أن تراه متعبا في السرير تذهب وتجيء مائة مرة علي سريره لتطمئن من أنه لا يحتاج أي شيء ولكن لا تصرح له بكلمة حب واحدة فالحب عندهم عيب حتي ولو كانت ستصرح به لزوجها .

مرضت جدتي وجلس هو إلي جوارها ولم تنته المناوشات بينهما وذات صباح كان وحيدا لم يفارق سريره لم يستطع أن يتجول في المنزل وكأن قدميه أبت أن تترك مكانه بعدها .

لم يمض أشهر قليلة وغادر سريره ولكنه ذهب إليها ربما يتناوشان من جديد ولكنهما التحما كالمرود والمكحلة فهو لن يتركها بعد الآن .

                                     ***

الأرجوحة

                          د/ عطيات أبو العينين

*******

لا أدري لماذا أحب الأراجيح بل أعشقها .. عشقت الأراجيح صغيرة والغريبة إني عشقتها كبيرة ربما لأنها تشعرني بالتحرر من كل شيء أطير في الهواء..

 قدماي تترك الأرض وتعلو في الهواء أشعر بالسعادة أترك كل شيء علي الأرض وأطير في الهواء حتي أفكاري أنسي تلك الأفكار الجامدة التي عاصرتني وأنا علي الأرض وتحل محلها أفكار أكثر جاذبية لتناسب تعلقي في الهواء أتمني ساعتها ألا أفكر أطير أطير إلي عنان السماء ويبلغ ضيقي ذروته عندما تلمس قدماي الأرض تعود إلي من جديد براءة الطفولة والضحكة الساذجة الريئة التي لا تحمل هما للدنيا ساعتها كانت أقصي أمنية لي أن أركب الأرجوحة وأظل هكذا تطوح في وأطيح بها إلا أن أشعر بالتعب وأنزل من عليها ويحملني أبي حتي لا أقع من عليها .

عندما كبرت وتزوجت اشترطت علي زوجي أن يعمل لي بأرجوحة كالتي عملها لي أبي من قبل وأنا صغيرة .

ورحت أتساءل تري لأني خشيت أن أفقد طفولتي في منزل أسرتي فحملتها معي علي الأرجوحة أم أني أحببت أن يكون زوجي أبا حتي لا أفقد أبي الذي أحببته من كل قلبي .

كانت هذه العادة تسبب لي إحراجا مع بعض الناس في الأماكن التي نذهب إليها فالمشكلة الحقيقة تبدأ عندما تقع عيناي عليها الأرجوحة أنسي كل شيء وأنسي ماذا أرتدي وأضع كل همومي وأحزاني وأفكاري علي الأرض وأطير بها في الهواء وتشتد سعادتي عندما تزداد سرعة الأرجوحة وأطير وأعلو أكثر في الهواء وتزداد معها ضحكاتي .

لكني اليوم أعلو بها في الهواء أطير أكثر ترتفع بي أكثر أترك أفكاري علي الأرض ولكني أجدها معلقة في الهواء تحتل رأسي ولا ينخلع معها قلبي ، وتظل قدماي ثابتة علي الأرض جامدة بلا حراك . تري هل العيب في .. أم في الأرجوحة ؟