جاد صلاح قرقوط
إذا أردت معرفة فحوى القصة: نائل رجل بسيط. ها أنا أخبرتك الزبدة إذا. لكن ما حدث لنائل يوم سمع عن الابتكار الجديد، ولو أنه يحدث لكثيرين في سنه، أو الذين يتسمون بنفس الطبائع البليدة والبطيئة، يستحق كلمة أو اثنتين للتوضيح، على الأقل. “نال” الشيء، لغة، يعني ظفر به وحصل عليه، رغم أن نائل هذا لم يخطر له قط التفكير في السعي، ناهيك عن العمل الحثيث والمقصود لنيل شيء، مهما كان بسيطا، ولو قطعة خبز يابسة، أو شريحة لحم متعفنة!
كان يجلس طوال النهار ملتصقا بأريكة مهترئة الحواشي مخلعة القوام، وينتظر العدالة الربانية. فإذا أصابه مكروه ما، تضرع إلى الرب، راثيا حاله. ولطالما اصطكت أسنانه بردا أيام الشتاء القارس، وارتعش جسده من الحمى، وانسابت عن الجبهة العريضة السميكة عناقيد العرق، إضافة إلى مفرزات الحماقة، تنبثق من نتوء، كأنها أخاديد وعرة. هذا هو نائل، ببساطة.
كانت الساعة الخامسة أصيلا حين قرع أحد الباب. ثلاث دقات وانية تهادت إلى مسمعيه، إلا أنها كافية لإزعاج شخص قد انتهى من عمله الشاق للتو. ساعات المساء هذه كانت تعادل وقت الشاي لدى شخص بريطاني، فمن ذا يجرؤ على إقلاق راحته في هذا الجو المليء بالهدوء؟!
مشى حافيا نحو الباب. بطيء متثاقل كالسلحفاة. وسرعان ما سمع الطارق طقطقة المفتاح، بادر بالتحدث فورا، “سيدي…نملك مجموعة ألسنة جديدة إذا كنت مهتما”. لما تجلت أمامه معالم نائل بتمام – لم يقدر إلا وأن يلحظ البلاهة تخط الأذنين الواسعتين، الأسنان الحادة غير المنتظمة، والشاربين المرخيين، متجاوزين الذقن الهابط والرقبة المترهلة – فاستطرد مترنما، “أنا من شركة…لدينا ألسنة حمراء وزرقاء وسوداء…لك حرية الاختيار…أنا أنصح بالزرقاء، فهي رخيصة ومتوفرة وسهلة القياد! تفضل يا سيدي هذه علبة.”
أطال نائل تحديق الصندوق، فتح الغطاء، ورمق الألسنة، التي بدت وكأنها تزحف ساخرة كأفاع، يروضها عازف ناي مبدع. ذهل نائل بهذا الابتكار الغريب، ولكن لم يقدم على شرائه، فوجب أولا التأكد من جودته؛ والأهم من ذلك، ما إذا كان برعاية الحكومة، فالحكومات تعرف صالح الشعوب، هكذا خيل له. على أية حال، سوف يشتريه، لينظر بأمره لاحقا، فلا ضرر في هذا.
“شكرا لك…أعطني صندوقا واحدا فقط من هذا الأزرق.” عاد أدراجه، وأجلسه بجانب التلفاز على الصحف الوطنية المترامية على الطاولة، وحبوب ارتفاع الضغط، والكتب السميكة التي لم يقلب صفحاتها أبدا. دخل الحمام ليبترد من القيظ الذي كان قد خيم على المدينة. كل منزعج من الحر، واللغط الذي غالبا ما يرافقه!
فتح عنفة المياه – ماء بارد أرخى مفاصله البالية. غرق في عالمه الضئيل، لا يتجاوز مساحة البيت الذي يقطنه. متى يتزوج ويتخلص من حياة العزوبية المقيتة؟ فكّر في أمّه، وكيف كانت تجيد تحضير ما لذّ وطاب من مأكولات عربيّة أصيلة: بامية وأرز، لحمة مشوية، ومربى المشمش. آه، كم هو مشتاق إلى حلويات أم نائل! رحمها الله!
توقفت زخات الماء، وشعر أنه مولود جديد. أعد كوبا من القهوة، بعدما لف عورته ب “منشفة” زرقاء. جسده رطب تنسفه نسائم عليلة منعشة، تهب من الشباك المطل على شرفة المنزل الوحيدة. جلس على الأريكة، وبدأ يقلب محطات التلفاز – روتانا وميلودي – ثم استقر جهاز التحكم على الإخبارية الجديدة، حيث ظهر زعيم يافع بخطبة تنويرية إصلاحية.
2011
بينما كان عائدا من العمل، تعثر بجثة رجل، بدا وكأنه في الخمسينات من العمر. حين رمق الدماء الوافرة تضمّخ كل مضغة من جسده المنفوخ السمين، جزع وراح يركض، كأنه طريدة لوحش مفترس، حتى وصل أمام بيت تفترش أمامه حديقة مليئة بأشجار صنوبر، وتين، لوز. تشبث بالبوابة التي تؤدي إلى باحة المنزل…شعر بالدوار!
وما أن التقط أنفاسه، شهيق وزفير، حتى حل به الخوف مجددا، حيث شاهد جموعا تسير كالجحافل، وتهتف بأعلى صوتها “ثورة…سلمية…ثورة.” كانوا يشبهون البلاشفة عندما خرجوا حاملين عرائض بيضاء، يطالبون بحقوقهم التي حرمهم إياها القيصر.
شعر نائل بتخبط واعتباط. دس نفسه بين الجموع، وسارع إلى المنزل.
بالكاد يلتقط أنفاسه، دخل من باب الشقة، ورمى نفسه على الأريكة. كان اللسان قد بدت عليه ملامح الفتوة، فانقشر عنه لونه السماوي الأزرق، وراحت ألوانه تتقلب ما بين الأحمر والأسود.
شعور بالقلق أحل بنائل. أحمر! هذا يعني أنه مريض، إذ كانت السلطات تحذر من الألسنة الدامية!
يجب عليه أن يجلب الطبيب، عساه يفعل شيئا بهذا اللسان الأخرق. بحث عن الطرد الذي استلمه من مندوب المبيعات. تصفح دليل استخدام اللسان بشكل سلمي، وعثر على رقم الطوارئ. واحد واحد صفر اثنان. ها هو الهاتف يرن:
– مرحبا. خدمة معالجة الألسنة. كيف يمكنني مساعدتك؟
– لدي لسان مريض سيدتي، إنه يميل نحو –
– حسنا، فهمت. منذ متى؟
– منذ البارحة…على ما أعتقد… مع الأسف.
– سوف نرسل لك طبيبا في الحال.
الطبيب ذو أنف حاد مدبب، طويل القامة، متين الهامة، يرتدي نظارات، وينظر من فوقها. كان يجيد النصح أكثر من الطبابة. بدأ يتفحص حال اللسان السقيم الذي كان يئن باستمرار، ويعطس.
كان يتأفف كثيرا وهو يعاين مريضه. وفور انتهائه، التفت إلى نائل وسأله: “هل تشعر بتغير غريب في جسمك؟”
“أنا يا سيدي لا أشعر بتغيرات أبدا، ولكن لساني خرج عن السيطرة، كما ترى!” قالها بنبرة غاضبة حادة، فلقد غضب من أسلوب الطبيب المتغطرس.
أدوات الطبيب كانت مقتصدة جدا، تقتصر على مجموعة إسعافات أولية، لا بأس بها.
“تريد نصيحتي،” قال الطبيب، فور انتهائه من المعاينة.
امتقع وجه نائل، وأحس بالاشمئزاز، ورد، “طبعا!”
“في الحقيقة، يا سيد، لا يوجد أي علة حقيقية في لسانك. آسف على هذا السؤال: هل تشعر أنت بتغير ما؟”
“لا أحب التغيرات ولا أشعر بها،” أجابه بسرعة تنم عن وقاحة وانزعاج، واستطرد، “أكره أي شخص يتهمني بالتغير، أيضا. كم الحساب، لو سمحت؟”
إلى هذا خلص الحوار.
s2000
ظهر زعيم شاب على شاشة التلفاز، يبتسم ابتسامة عريضة، طويل كعذق نخلة، أو ساق بامبو. مثل أي رجل سياسي مهم، وقف مستقيم القامة على منبر برلماني، مرتديا بدلة رسمية “ذكية”، وأدلى بخطبته، كما حدد البنود الأساسية التي وجب العمل عليها: 1) مؤسسات ثقافية تعمل على تثقيف الجموع – 2) إعادة ترميم البنى التحتية – 3) الحوار الوطني.
ما إن فرغ من تحدثه، حتى جال في البهو تصفيق حار تتخلله الحماسة والهمة. انخفض شيئا فشيئا حين تجهز الزعيم ليخطب مجددا:
– يجب الحذر من شريحة معينة من الألسنة التي تسعى إلى عرقلة الحوار الوطني إضافة إلى تضليل الحقائق.
برز أحد من أعضاء البرلمان. سأل مستفسرا، “لساني أحمر. ما عساي أفعل به؟!”
رد الزعيم متفائلا، “يعتمد اللسان على صاحبه. كلما استطاع ترويض الوحش بداخله، فتر لون لسانه أكثر. يتطلب هذا العمل جهدا كبيرا.
بدأت الجموع تصفق مجددا.
ابتسم الزعيم، وابتسم له نائل، أيضا.
لسانه لا يشكل خطرا. أزرق داكن، وليس في هذا أمر مريب أبدا. تسلل اللسان من الصندوق، زحف أرضا، وانحنى عند قدمه اليسرى، وراح يلعقها. كثرة اللعق دغدغت أصابع قدميه الحافيتين
2011
“طبيب حمار،” تمتم نائل بسخط.
تعالت أصوات الحشود في الخارج، وكثرت الهتافات التي عجز عن فهمها. على شاشة التلفاز، ظهر خبر عاجل أسفل الشريط الإخباري ينص على اعتقال أفراد همجيين…
هبط نائل على الأريكة، مكبلا بالخوف – خوف يقرع فؤاده، ويقتحم، متقدما ومنتشرا، كافة أنحاء جسده.
حاول أن يخبئ اللسان تحت الأريكة، أو في الثلاجة، حتى أنه رماه أسفل الزقاق. لا جدوى! ما كان من هذا اللسان اللعين الشقي إلا وأن عاد. يثرثر، يتحرك بعشوائية، ويثير الفوضى.
خبر جديد: وزارة الدفاع تصدر قانونا باعتقال كل الألسنة الحمراء القانية. هنالك ألسنة حمراء صديقة، وهنالك ألسنة حمراء عدوة. ليست كل الألسنة متساوية.
الحمد لله! شعر نائل بالارتياح حيال هذا. هو أكيد من النوع الآخر، أو هكذا خيل له.
قرر الذهاب إلى المقهى. ارتدى بنطلون أبيض وقميص أخضر. وبدا، لسمنته الفضفاضة، أخرقا بامتياز، إذا كنت تريد معرفة الحقيقة.
تبعه لسانه كحيوان أليف مروض فور خروجه من المنزل. نزل متثاقلا عن الدرج، واتجه نحو مقهى “الحوار الوطني”، الذي كان يبعد بضع كيلومترات عن بيته.
وما أن دخل المقهى، حتى استقبله صديقه رمزي استقبالا مبجلا. جلسا قبيل بعضهما بعضا، وراحا يتبادلان أطراف الحديث:
– الحمد لله لساني سليم
– أنا أيضا…إلى حد ما
– ما رأيك بالأحداث؟
– الأحداث مجرد أزمة وسوف تمرق على خير، بقدرة الله.
هكذا اختتم رمزي النقاش الرتيب. وكلتا يديه كانتا تخبئان لسانه.
تابعا حديثهما بتوتر وتحفظ:
– كما ذكرت صديقي، مجرد أزمة، وسوف تنتهي قريبا، إن شاء الله.
لم يأت رد من رمزي. وبعدها، دون سابق إنذار، انفجر رمزي، تزلزلت معالمه، وراح يصيح قائلا: “ثورة…ثورة…ثورة.”
وقلب المقهى رأسا على عقب، ما بين منشد صيحة الثورة وآخر يصيح أزمة.
وليتأكد نائل من صحة الخبر، توجه رأسا إلى منزله. أمسك بجهاز التلفاز، بدأ يقلب بالمحطات، حتى استقر قراره على “الإخبارية الوطنية”.
قرأ الشريط الإخباري: “الوطن بخير، ولكن يمر بأزمة بسيطة. يجب الحذر من بعض الألسنة. شكرا لأصحاب الألسنة الحمراء غير القانية وغيرهم على التزامهم بالقانون”.
استرخى نائل على أريكته وقد زال الشك عن فؤاده المثقل بالهموم.
ما إن أغمض عينيه، حتى سقطت عليه قذيفة هاون، ومزقته إربا.
“مجرد أحداث بسيطة،” قالها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.


