د. جميل كتاني
يشير الناقد صلاح صالح إلى أهمية المكان في العمل الروائي باعتباره عنصرًا رئيسًا، لا يمكن تجاوزه في أيّ عمل روائي، إذ قلّما نعثر على تعريف للرواية يُهمل عنصر المكان؛ فالشخصيات تحتاج مكانًا لحركتها، والزمن يحتاج مكانًا يحلّ فيه ويسير منه أو إليه، والأحداث لا تحدث في الفراغ، وسردها يستحيل إذا تمّ اقتطاعها وعزلها عن الأمكنة؛ فلا شيء يجري ما لم يجد ما ينشئ جريانه عليه. ومهما كانت السيرورة الروائية: زمنية، أو مكانية، أو نفسية، أو سياسية، فإنَّ السيرورة تحتاج مكانًا تسير فيه، مهما كان شأن المكان ضئيلاً، وأيًّا كان دور الفعل الروائي الذي يُنسب إليه.(6)
في الروايات الكنعانية الثلاث: “قصة عتشق كنعانية، اخناتون ونيفرتيتي الكنعانية، هتني بعل الكنعاني.” لصبحي فحماوي يبرز المكان الكنعاني بشكل لافت للنظر؛ إذ هو ركيزة من ركائز العمل الفني في هذه الروايات. وتعود أهمية المكان فيها إلى محاولات الكاتب إحياء المكان الكنعاني-الفلسطيني، بكل ما يحمله ويجسّده من حضارة، ورقيٍّ، وعمران، ونشاط صناعيٍّ وتجاريٍّ، وذلك من أجل استحضار هذا الماضي العريق للحضارة الكنعانية التي برزت من بين الحضارات المشرقية القديمة، فقدّمت صورة ناصعة من صور الفن المعماري، والنشاط الإنساني المليء بالحركة والنشاط. كما هدف الكاتب إلى تأكيد تواجد الفلسطينيين في هذه البلاد، كوَرَثَةٍ طبيعيين لأجدادهم الكنعانيين، خلافًا للمزاعم الصهيونية والتوراتية التي تجاهلت وجود الحضارة الكنعانية، فقامت بتزييف الحقائق التاريخية من أجل التسويغ للمشروع الصهيوني-التوراتي الاستيطاني، المتمثّل في طرد الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم.
تزخر رواية قصة عشق كنعانية بمعالم المكان الكنعاني-الفلسطيني؛ حيث نتعرّف على مختلف الأمكنة في فلسطين من خلال رحلة “دانيال” بين الممالك الفلسطينية بطلب من والده، الذي أرسل معه الرسائل ليسلمها لملوك الممالك الفلسطينية من أجل بحث سُبُل الوحدة والوقوف في وجه الأعداء الخارجيين. لقد أراد الكاتب من خلال الرّحلة عبر المكان أن يُطْلِعَنا على الحضارة الكنعانية، من زراعةٍ، وصناعةٍ، وتجارةٍ، وتربيةٍ للمواشي، وطبيعةٍ خلاّبةٍ، ليقول لنا إنَّ فلسطين الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي في الوقت الراهن تبقى فلسطين، رغم محاولات التهويد وطمس المعالم الفلسطينية. فالحضارة الكنعانية الضاربة في القدم والممتدة عبر الزمن لا يمكن إسكاتها أو طمسها من خلال الاستيلاء على المكان.
في مقدّمة الأماكن التي يتمّ تسليط الضوء عليها مدينةُ يبوس أو أورسالم (القدس). تصفُ الرواية المعالم العمرانية، والفنّ المعماري الجميل، والحركة التجارية النّشطة في هذه المدينة، باعتبارها أهم الممالك الكنعانية في ذلك الوقت. جاء هذا الوصف الدقيق والمُسهب، الذي يمتد على سبع صفحات كاملة، من خلال رحلة “دانيال” لأورسالم، وتجواله في شوارعها وساحاتها الكبيرة. يصف الكاتب المدينة بقوله:
“يبوس مدينة واسعة، أسوارها حجرية ضخمة مُحَصَّنة إلى السّماء، ومنازلها مُشَيَّدَة بإتقانٍ من طابق واحدٍ إلى ثلاثة طوابق، وهيكل أورسالم مكوّن من سبعة طوابق تيمُّنًا بسبع سماواتٍ طِباقًا”.(7)
يأتي الوصف السّالف لمدينة أورسالم ليضفيَ عليها مكانةً خاصةً وفريدةً بين المدن الكنعانية المذكورة في الرواية. فأورسالم-القدس هي بؤرة الصراع بين الكنعانيين-الفلسطينيين وبين العبرانيين-اليهود؛ حيث تمّ الاستيلاء على القدس من قِبَل اليهود بعد نكبة عام 1948 ونكسة عام 1967 وجعلوها عاصمةً لدولتهم، وذلك بسبب مكانتها الدينية ورمزيّتها التاريخية. كما أنَّ اليهود اليوم يردّدون شعارًا مفاده أنَّ “القدس عاصمة إسرائيل الأبدية”، إشارة منهم إلى أحقِّيَّة اليهود في القدس باعتبارها عاصمتهم التاريخية، زاعمين أنَّ “مملكة داوود العظيمة”، التي كان مركزُها القدس، شكّلت العصر الذهبي للشعب اليهودي، إضافةً إلى كونها مكانًا مقدّسًا للشعب اليهودي، لاشتمالها على أماكن مقدّسة عندهم، في مقدّمتها “هيكل سليمان” المزعوم، الذي يتمّ البحث عنه من قِبَل الجماعات اليهودية المتطرفة منذ عام 1948 إلى اليوم دون جدوى.
بناءً على ذلك، يقوم صبحي فحماوي بالتصدّي لهذه الرواية التوراتية، مبيّنًا أنَّ القدس مدينة كنعانية بامتياز؛ حيث أسسها الكنعانيون وقاموا بتطويرها. وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك “سالم” الذي حكمها وقام بتطويرها وإنشاء العمارة فيها لتكون أهم مدينة كنعانية. كما أنَّ فحماوي ذكر هيكل أورسالم (بتشديد الخط) ليؤكّد على الهُوية الكنعانية للقدس، وعلى أحقيّة الفلسطينيين فيها، رافضًا بذلك مزاعم الصهيونية التي تبحث عن “هيكل سليمان” لتبيّن حقَّ اليهود في القدس. لقد قام الكاتب بإبراز الفنّ المعماري الجميل لهذه المدينة؛ حيث وصف طرقاتها المرصوفة بالحجارة، والساحات الواسعة في وسطها، والتماثيل المنحوتة، سيّما هيكل أورسالم الكنعاني، الذي يصفه الكاتب بأنه لم يُبْنَ مثلُ معماره الحجري في البلاد الكنعانية كلِّها، بحيث يمكن رؤية قمّته من كلّ قمم جبال فلسطين.
إضافة إلى الفنّ المعماري الذي تميزت به أورسالم الكنعانية، يورد الكاتب المعالم الحضارية لهذه المدينة، حيث سيادة الأمان والرخاء والاستقرار فيها. فهو يصف التُّجّار القادمين إلى المدينة من جميع الممالك الكنعانية، واجدين فيها السعادة والرفاهية، واصفين إياها بـــــ “جنة عدن”. كما يصف العدل فيها وسيادة القانون، والمحبّة المتبادلة بين الحاكم والرعية. يشير الكاتب إلى اجتماع حاشد عقده الملك “سالم” مع أفراد شعبه خارج سياج أورسالم المنيع، وذلك بمناسبة إنجاز حفرِ نفقِ مياهٍ عذبةٍ إلى المدينة، لتوفير المياه الصالحة للشرب لسكانها. من خلال الخطاب الذي يلقيه الملك أمام الشعب يتبدّى النظام والتسامح والمحبة التي تسود أفراد الشعب، ومدى محبة أهل أورسالم للوافدين إلى المدينة من كافة الممالك الكنعانية لغرض التجارة. يقول الملك للشعب:
“سننظّم ممالكَنا في تعاون كبيرٍ، يضمّ كلّ بلاد كنعان، فلقد اتفقنا على أن يتكاتف كلُّ إخواننا الملوك في جبهة واحدة، ليُكّوِّنوا مجلس شورى بينهم، يتداولون فيه الرأي والمشورة بالأغلبية، وفي النهاية، يكون القرار بين يدي ملك واحد. سنُكّوِّن اتّحاد ممالك كنعانية متماسكًا، يجعل البحر الكبير مجرّد بحيرة كنعانية وادعة”.(8)
يتضح من المثال السالف مدى حرص ملك أورسالم على توحيد الممالك الكنعانية، باعتباره ملكًا لأكبر الممالك الكنعانية وأكثرها ازدهارًا وتطورًا. وفي ذلك إشارة من الكاتب أيضًا إلى المكانة الخاصّة التي تتمتع بها أورسالم (القدس)؛ فكلّ اتّحاد بين الممالك الكنعانية لا بدّ أن يصدرَ من هذه المدينة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ الحضارة الكنعانية، كما تُصَوِّرُ الرواية، لم تقتصر على فلسطين وحدها، بل امتدت إلى الشام، ومصرَ، وجزءٍ من شمال أفريقيا، فيمكن القول إنَّ الكاتب ينظرُ إلى القدس باعتبارها المحورَ الذي تدور حوله البلاد الأخرى، والبؤرة التي تنطلق منها وحدة الشعوب والدول العربية، التي لا بدّ أن تتوحّد من أجل الوقوف في وجه الغزو الصهيوني لأرض فلسطين خاصةً، وللدُّوَل العربية المحيطة بها عامّةً.
في ذات الخطاب الذي يلقيه الملك “سالم” أمام شعبه، نلاحظ مدى التسامح والمحبة، ومدى الاهتمام الذي يبديه الملك بالرعيّة؛ فهو يعِدُهُم بألّا يترك أسرة تعيش بائسة تحت خيمة، أو بيت شَعَر داخل المدينة، بل سيساعدهم كلّهم، وسيبني لهم بيوتًا حجرية، أسوةً بسائر سُكّان المدينة. إضافة لذلك، يبدي الملك “سالم” تسامحه تجاه الأغراب الذين يفِدون إلى أورسالم، وحرصه على أن يكونوا بهيئةٍ تليق بمكانة المدينة، لذلك، أصدر أمرًا بمنع دخول “الرعاة العبيرو الأغراب”،(9) الذين يدخلون المدينة من أجل المتاجرة وشراء ما يلزمهم، لأنهم يكونون أشباه عُراة، حيث يتستّرون ببعض الجلود الفاضحة. بالمقابل، سيحمي حقول اليبوسيين والرعاة المنتشرين في الجبال من اعتداءات العبيرو، الذين يتسللون إلى الممتلكات الكنعانية، ولا يتورّعون عن السطو على ممتلكاتهم.(10) انطلاقًا من خطاب الملك “سالم” أمام شعبه، يتضح أنَّ العداء الذي يبديه اليهود تجاه الفلسطينيين ضاربٌ في التاريخ؛ فهي عداوة قديمة نابعة من طمع اليهود في أرض فلسطين، تمامًا كما كان العبرانيون يفعلون من اعتداءات على الأراضي والممتلكات الكنعانية.
بالإضافة إلى مدينة أورسالم، تصوّرُ الرواية العديد من المدن الكنعانية المزدهرة في تلك الحقبة الزمنية. فمن خلال رحلة الأمير “دانيال” عبر المدن والممالك الكنعانية يدخل إلى مدينة الخليل، التي كانت تحت قيادة “خليل الرحمن”، لذلك سُمِّيَت المدينة على اسمه. يقوم ابن “خليل الرحمن”، ويُدعى “رحمن خليل”، بإطلاع “دانيال” على الصناعات في الخليل، سيّما مصنع الجلود الذي كان يصنع مختلف الأحذية والملابس الفاخرة المُعَدّة للاستهلاك المحلّي وللتصدير. كما شاهد “دانيال” التطور الزراعي الذي تميزت به الخليل. فشاهد كروم العنب المتميزة بجودتها، وحقول القمح، وبساتين اللوز، وغيرها من المزروعات. وفي نهاية المخطوطة نجد تعليقًا من قِبَل “عمر”، وبلغة عاميّة، يقول فيه: “يا أخي جماعة الخليل من يومهم، زُرّاع وصُنّاع وتُجّار مهولون”.(11)
يهدف هذا السرد التطوّري لأسماء المدن الفلسطينية إلى التأكيد على الأصل الكنعاني للتسمية، وليس كما يتوهّم البعض بأنها أسماء توراتية-عبرانية، كما هو الحال مع مدينة “حبرون”، التي تُلفظ بهذا الشكل في العبرية المعاصرة. من هنا، فالكاتب يشير إلى أنَّ سرقة اليهود لم تقتصر على الأرض، وإنما امتدّت لتطال المدن والقرى والمواقع الفلسطينية، كوسيلة لتهويد المكان الفلسطيني، وطمس المعالم الأصلية للمكان وللإنسان.
لقد قام الكاتب بالتأكيد على الأصل الكنعاني للمدن الفلسطينية؛ كالقدس، والخليل، وغيرهما من المدن، ليبيّن أنَّ الكنعانيين هم أصل الحضارة في فلسطين، وهم الذي أسّسوا هذه المدن، وطوّروا التجارة والعمران والزراعة. فهو بذلك ينفي المزاعم الصهيونية، التي قامت بتزييف الحقائق التاريخية من خلال تهويد أسماء المدن والأماكن المختلفة في فلسطين بعد احتلال أجزاء منها عام 1948، فطمسوا المكان الفلسطيني، وبدّلوا الأسماء الكنعانية-الفلسطينية بأسماء توراتيّة-عبريّة.
ينتقل صبحي فحماوي من الحديث عن تطوّر المدن الفلسطينية في عهد الكنعانيين، إلى فضاء أوسع وأبعد من فلسطين التاريخية؛ إذ يتطرق إلى المدن والممالك التي وصل إليها الكنعانيون عن طريق البرّ والبحر من أجل التبادل التجاري، حيث استوطنوا في قسم من هذه المدن، وقاموا بتطويرها وتوسيعها، وصبغوها بطابع كنعاني. يتطرق الكاتب إلى دار الكُتّاب الموجودة في بيت لحم في العصر الكنعاني، حيث يسلّط الضوء على درس من دروس المعلم “إليسع”. يقول “إليسع” لتلاميذه:
الأمّة الكنعانية تنتشر في البلاد،
من الأموريين في حماة وحلب،
وفي الشام، شاما، شاميما، أرض السماء،
وفي أوغاريت الملك الكبير،
وجزيرة أرواد بحرًا،
وعلى شواطئ جبيل وبيروت وصور وصيدا،
صرنا نسميّهم فينيقيين،
نسبة إلى طائر الفينيق الأرجواني،
الذي لا يتوقف عن الرفرفة بجناحيه،
ذلك لأنَّ أشرعة سفنهم الأرجوانية،
ترفرف ليل نهار،
في كلّ البحار،
مثل أجنحة الفينيق.
ومن شمال صيدا وحتى أقصى سيناء،
تجد الفلسطينيين الكنعانيين،
وحتى الأمازيغ الكنعانيين،
ينتشرون في الصحراء الغربية.(12)
في رواية هاني بعل الكنعاني، يتخذ المكان فضاءً أوسع، ويشمل مساحة أكبر؛ حيث يشتمل على الأمكنة التي وصل إليها الكنعانيون من خلال نشاطهم التجاري عبر البحار. فمملكة قرطاجنة التي أسسها الفينيقيون-الكنعانيون في شمال أفريقيا أكبر شاهد ودليل على توسّع الحضارة الكنعانية وامتدادها إلى خارج حدود شرق المتوسط، حتى غدا البحر المتوسط بحيرة كنعانية، كناية عن سيطرة الكنعانيين على مناطق ساحلية مختلفة، بدءًا ببلاد الشام، مرورًا بسواحل أفريقيا، وانتهاءً بسواحل أوروبا، كما سنرى لاحقًا.
يصوّر الكاتب مملكة صور الكنعانية ومدى ازدهارها وتطورها العمراني والتجاري. فمن هذه المملكة انطلق الكنعانيون عبر البحار ليستوطنوا أماكنَ مختلفة من حوض البحر الكنعاني. كما أنَّ الملكة “أليسار”، والدة “هاني بعل” أبحرت من مدينة صور، موطنها الأصلي، لتؤسّس مدينة قرطاجنة على السواحل الأفريقية. فحين قامت الكاميرا في مسرح الحكواتي “جوّال” بتسليط الضوء على مدينة صور وجد الكاتب أنَّ سُكّانها “يعيشون في بيوت وعمارات تظهر من بعيد بطبقات متفاوتة بين الثنائية أو الثلاثية، ولا يرتفع عنها سوى الهيكل الكنعاني”.(13) فهذه إشارة إلى التطور والازدهار الذي تمتعت به مدينة صور من حيث الفن المعماري، والعيش في بيوت كبيرة ومريحة.
كما يصف الكاتب ميناء صور المليء بالحركة والنشاط؛ فهو يصف جمال شاطئ مدينة صور، فيدهشه لونه الأرجواني الحُمرة. كما يصف المحلات التجارية التي تنشط بالحركة، والرسامين الذين يدهنون فنونهم بالأرجوان المستخرج من محارات الأصداف التي لا تعيش إلاّ على ذلك الشاطئ. كما يصف ميناءها الضخم المليء بالسفن التجارية، الصغيرة منها والعملاقة، ومصانع بناء السفن التي تُصنع من أخشاب الغابة. كما أنه يشاهد بعض السفن مبحرة في اليمّ (الإلهة الكنعانية الأم)، التي كان عرشها على الماء. فهذه السفن التجارية الضخمة تسبح مبتعدة لتتجه إلى حيث يتاجر جماعتها مع أهالي البلاد المنتشرة على شواطئ بحيرة كنعان، وصولاً إلى أعماق مدنها الظاهرة منها، والمختفية في الوديان، أو على شفا السهوب، أو فوق قمم الجبال.(14)
يصف الكاتب جمال مدينة قرطاجنة التي أسستها “أليسار” بعد هروبها من مدينة صور، فيقول بأنّ “أليسار” بنت مدينتها على هضبة مُطِلَّةٍ على شواطئ البحر الكنعاني، وذلك بهندسة بديعة مزخرفة بفنون الكنعانيين، وأسمتها قرطاجنة. ويقال إنها أسمتها كذلك، استبشارًا لأن تكون المملكة على شكل قرطين ذهبيين في أذني هذا الشاطئ الجنة فتصبح ” قرطا جنة” أو “قرطاجنة”. كما يصف الكاتب الدّور المحوري الذي لعبته قرطاجنة في تحريك التجارة الكنعانية إلى مختلف شواطئ البحر الكنعاني، حيث أضحت دُرَّة متلألئة على ميناء طبيعي يُعتبر مركز التوجهات نحو الجهات الأربع، وموقعًا بحريًّا قريبًا لعبور سفنهم إلى أيبيريا، ومنها إلى ما بعد بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، وهي محمّلة بالبضائع التجارية التي تطلبها قبائل تلك البلاد، والعودة من هناك محَمَّلة بالثروات الطبيعية والمواد الخام والفضة التي يُصَنِّعون منها عملاتهم النقدية من الشواقل القرطاجية. ويضيف الكاتب بأنه مع قدوم وافدين جدد من التجار من جميع الجهات مع سلعهم وثرواتهم للعيش في قرطاجنة، ازدهرت المملكة بسرعة غير متوقعة، وصارت أكبر وأشهر مركز تجاري كنعاني على الإطلاق. وما لبثت أن تحوّلت سريعًا إلى مدينة عظيمة وعاصمة لمملكة ثريّة متفوّقة على الحضارات الأوروبية كلها، وذلك قبل أن تتكوّن روما.(15)
يصف الكاتب امتداد مملكة قرطاجنة التجاري، وسيطرتها على جميع شواطئ البحر الكنعاني، فيقول إنَّ تُجّار قرطاجنة لم ينسوا أن يتواصلوا مع أهلهم وذويهم الكنعانيين في ممالك الشواطئ الشرقية، وذلك من شمال أنطاكية، وأوغاريت، مرورًا بفينيقيي جبيل، وبيريت، وصور، وصيدا، ومعظم بلاد فلسطين، المنتشرة ممالكها من عكا، وقيساريا، ويافا، وحتى غزة جنوبًا. ويُردف الكاتب القول إنَّ تجارتهم لم تقف عند الشاطئ، بل امتدت لتؤسس حضارة الأنباط على الطريق الشرقي الجنوبي، وصولًا إلى وديان مكة، وجنة عدن في الجنوب. ومن مصبّ نهر النيل كانوا يبحرون إلى داخل أعماق أفريقيا، حيث مدينة طيبة الفرعونية، وصولًا إلى ما بعد بلاد النّوبة، وحتى منابع النيل العظيم.(16)
في رواية “أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية”، يصف الكاتب جمال فلسطين الساحر والخلاّب؛ فهي أرض الماء والسهول والجبال الجميلة. في مستهل الرواية يصف الكاتب جمال مملكة مجدو، التي سيلتقي على أرضها فيما بعد الجيش الفرعوني مع جيوش الممالك الفلسطينية فيما يعرف بمعركة مجدو. يقول الكاتب:
“يقول لي منظار الزمن أنها مملكة مجدو. أراها ناهضة ببيوتها الحجرية القديمة، وسط سهول واسعة من الأعشاب الخضراء، والنباتات السطحية، والشجيرات، وغابات الأشجار التي لا أعرف أسماءها. يا لها من بلاد خضراء. إنه عمق فلسطين الحبيبة، أرض الرباط إلى يوم الدين. أقول أرض الرباط لأنَّ جيوشًا جرّارة أشاهدها في ذلك الوقت، وربما كانت مستمرة بشكل أو بآخر حتى هذا اليوم، تتقدم هنا وهناك، فتتجمع في سهول مجدو الوارد ذكرها في كتب الكنعانيين، لتحميَ أعاليها غير المرتفعة عن السهول الواسعة، والتي تُعتبر أحد أهم المواقع العسكرية القريبة من البحر الكنعاني القريب”.(17)
ينطوي الاقتباس السالف على معلومات كثيرة تخصّ المكان الفلسطيني؛ فمملكة مجدو الواقعة في الشمال الفلسطيني، والتي تتميز بجمال طبيعتها وسهولها الواسعة إنما تمثّل جمال طبيعة فلسطين كلها، لا سيما المناطق الشمالية منها، كجبال الكرمل والجليل، حيث تنتشر السهول الخضراء المزروعة بالحبوب، وكروم العنب، والأشجار المثمرة، والزيتون، وغيرها. كما يشير الكاتب إلى المكانة التاريخية والدينية لأرض فلسطين، فهي أرض الرّباط لأنها شهدت الكثير من المعارك والحروب عبر التاريخ، وذلك بسبب مكانتها الخاصة والمميزة، وموقعها الجغرافي الذي يعتبر حلقة وصل بين الشمال الأفريقي وبين الهلال الخصيب. من هنا، أشار الكاتب، وهو يشاهد مملكة مجدو عبر المنظار، إلى استمرارية توافد الجيوش الجرّارة إلى يومنا هذا، كتعبير عن تواصل الحروب على أرض فلسطين؛ بدءًا بالعصور الكنعانية القديمة وانتهاءً بالعصر الراهن، حيث شهدت فلسطين أسوء احتلال واغتصاب للأرض متمثلاً بنكبة عام 1948، وما أعقبها من تشريد ودمار للشعب الفلسطيني، الذي أُكرِهَ على ترك أرضة ووطنه، واللجوء إلى الغربة والشتات.
بسبب الصراع الدائم بين الشعوب والأمم على أرض فلسطين، يسعى الكاتب دائمًا إلى التأكيد على أسبقية الشعب الكنعاني على هذا المكان- الأرض، وذلك خلافًا للمزاعم الصهيونية والتوراتية التي تزعم أسبقية اليهود في أرض فلسطين. لذلك، يستعرض الكاتب معاني أسماء المدن الفلسطينية وسبب تسميتها بما هي عليه. فيقول مثلًا عن مدينة الخليل إنَّ اسمها القديم كان “حبرون”، فلّما حكمها ملك فلسطيني شهير اسمه “خليل”، زرع جبالها ووديانها، وجعل فيها صناعات كثيرة متطورة، فصارت تُسمّى “إل خليل”، أي “خليل الله” بمفهومنا هذه الأيام، أسوة بمدينة يبوس الكنعانية، التي حوّلها الملك الشهير سالم إلى “أور سالم”، أي مدينة سالم، ومملكة عجلون في بلاد كنعان الشرقية، نسبة إلى ملكها، الإله الشهير “عجلون”، ومثلما سُمّيت بيت سان، وكانت يومها بيت الإله سان، ومملكة المجدل، وتعني المجد للإله “إل”.(18).





