بقلم: الطاهر اعمارة الأدغم
ظلّ يهرولُ ويتنقّلُ من حانوتٍ إلى آخر.. لا يدري أين سيجدها…؟
لقد ضاعت في مجاهل الصّحراء الرّهيبة منذ زمن طويل.. لكنّه كان على يقين أنّه سيعثر عليها ذات يوم.. من حين لآخر كان يصرخُ ويصيحُ والدّموع تسيل على خدّيه.
إنّه في سوق عكاظ، ولا بدّ أن يُصادف في أحد دكاكينه من يبوحُ له بخبرها.. اثنان وعشرون دكّانًا سيجدُ في أحدها النّبأ اليقين..
إنّها راحلته التّي يجوبُ بها الآفاق شرقًا وغربًا، إنّها ناقةٌ ليست كبقية النُّوق.. حبيبةٌ إلى قلبه الذّي لم يعرف غير صفاء الصّحراء.. وهو لا يرضى عنها بديلا.
كان يكابدُ الآلام من شدّة ما يلاقي في الطّريق.. ويزيدُ من شقائه ذلك السّيل من الأسئلة والإهانات التّي يتعرّضُ لها عند كلّ دخول أو خروج… وفي أحيان كثيرة يقابلُ في طريقه من يسأله عن اسمه وسنّه وقبيلته، وحتّى عن عدد إبله وأغنامه…
اندهش وتساءل في نفسه: لماذا يُعامَل هكذا في سوق عكاظ؟ فقبل قليل رأى رجلاً من “بيزنطة” يدخلُ السّوقَ عزيزا رافع الرأس.. بل إنّ جمعًا من الأعراب أحنوا رؤوسهم احتراما له..!
دَخَلَ أحدَ الدّكاكين.. أراد أن يسأل.. تَجَاهَلَهُ صاحبُ الدّكان.. لكنّه أصرّ على السّؤال.. فرفع في وجهه السّوط، وهدّده بالضّرب والتّعليق والإهانة، ثمّ أشبعه سبًّا وشتمًا.. وحين كان يخرجُ مطأطئ الرّأس كانت ألسنةُ الشّعراء تنهشُ لحمه: مجنونٌ وجاهلٌ وغبيّ… وعينٌ لقيصر الرّوم أو كسرى الفرس.. وعند بزوغ الفجر كانت قصائدُ الشّعراء وأساطيرُ الأحبار معلّقة على جدران دار النّدوة، والجموعُ ترمقها بتوجّس…
في وسط السّوق رأى دكّانًا كبيرًا يموج بالبشر… دَخَلَهُ مع الدّاخلين.. هَتَفَ من أعماقه: ما أجمله، وما أكثر خيراته، وما أطيب ماءه…
واصل المسيرَ فَلَمَحَ من بعيد قممًا ثلاثة.. اقترب منها رويدا رويدا.. كانت آيةً في الرّوعة والشّموخ.. راسخة الأساس ورؤوسها ضاربة في عنان السّماء.. عرف بعد ذلك أنّها الأهرامات، لكنّه لم يحفل بها طويلا فقد كان همّه العثور على ناقته..
سَمِعَ جَلَبَةً وصليلَ سيوف.. انتقل بسرعة إلى مكان الصّوت..
وَقَفَ برهةً مع الواقفين ثمّ جثا على ركبتيه من هَوْلِ المنظر.. إنّها هي مقيّدة القوائم وأمامها ثلاثة رجال تبدو على وجوهم القسوة والغلظة، وفي أيديهم السّيوف والرّماح..
قال أحدهم: فَلْـنَـقْـتُـلـها الآن…
تَحَامَلَ على نفسه قليلا وظلّ ينظرُ إليها.. وحينما أَوْمَأَ الآخران بالموافقة سقط مغشيًّا عليه..
عَلَتْ هتافاتٌ مؤيّدةٌ وارتفعت صيحاتُ فرح وإعجاب.. تبعتها آهاتٌ ضعيفة متقطّعة، وانهمرت دموعٌ غزيرة ملأت المكان..
قِيَل إِنّ رغاءها والرّماحُ تمزّقُ أحشاءها سُمِعَ في أماكن عدّة: في الرّبع الخالي، وفي بادية الشّام، وفي حَضْرَمَوْت، وفي الصّحراء الكبرى.. وقِيلَ إنّ ريحًا عطرةً فَاحَتْ من دمها فَغَزَت الفضاءات القريبة والبعيدة، وقِيلَ وقِيلَ… بَيْدَ أنَّ المسلّحين الثّلاثة مضوا إلى حال سبيلهم وصيحاتُهم وضحكاتهم تصمّ الآذان.
*وادي سُوف، الجزائر / كاتب وأستاذ جامعيّ


