المجلة الثقافية الجزائرية

الهُوية السائلة وأحاديث المقصلة والحداثة الدموية..

بقلم محمد بصري*

“معظم الناس هم أناس آخرون” أوسكار وايلد

عندما فاز آلبير كامي Albert Camus 1913/1960 بجائزة نوبل سنة 1957 م وهو لم يبلغ بعدُ 44 عاما كان أصغر فائز يظفر بهذه الهدية الامبريالية، صعد إلى المنصة فخورا مبتسما رغم جحوظ في عينيه وقساوة في فيزيولوجيا وجهه الكولونيالي، ترتسم على حركاته بطولة بريئة وخجولة كونه الكاتب الوجودي المُتهم بالعبثية الذي حقق حلما لم يراوده أبدًا، أسرع الرجل إلى كتابة أسطر انسانية كونية حزينة عبّر بهما عن امتنانه لمعلمه الأول وسارع للاتصال بوالدته الخرساء ليشرح لها اشاريا أن ثمرة تعبها لم تذهب سدا.

الجائزة العالمية والتاريخانية “نوبل للآداب ليست مجانية أو اعتباطية فقد تم الاحتفاء بها تحت وقع تأنيب الضمير وانفجارات الديناميت التي مازالت تنهب الناس أرواحهم وفلذات أكبادهم. التكريم لم يُؤمن برواية “الغريب L’étranger ” التي كتبها كامي فقد كتب روايات اختلاجية كثيرة على غرار “لعنة سيزيف Mythe de Sysiphe ” و”الطاعون La peste ” و “السقطة LA CHUTE ” ” الإنسان المتمرد l’homme Révolté” .كامي كان ممتنا للطائفة الاستعمارية “الأقدام السوداء ” pieds-noirs Les فهو لم يكن يوما وفيا ثقافيا للجزائر التي تربى في أحضانها وأكل من ثمارها وقمحها الذهبي وشرب مياهها. لم يكن مسرورا بالثورة ممتعضا من الثوار والمتمردين المجاهدين أصحاب الأرض والحق.

أعتقد أن جائزة نوبل التي تَسلّمها كامي لم تكن عرفانا بأهم رواياته العظيمة “الغريب” بل كتابه المشؤومla réflexions sur La guillotine “المقصلة” التي فضح فيها التنوير الغربي والفرنسي وقام بتعرية أنطولوجية للعقل الغربي فضح فيه مركزية القيم الأوروبية. المقصلة كتاب خارج إطار التجنيس الثقافي والأدبي هو مزيج بين كتابات ملعونة ومقالات نقدية واصفة وعميقة تنخر في جرح غائر مازال موجعا للذات الانسانية وهي “الاعدام بالمقصلة” وهو تقليد لم ينشأ بعيدا عن مثالب الحداثة السائلة.وتعدد الهويات الهجينة والقاتلة.

القتل والفنون الوقائية منه التي تتوق للخلاص المجتمعيمن الرذيلة والجريمة نشأ في ظل قفزات تشريعية ومعرفية للحداثة السائلة، وليس غريبا أن سخرية القدر هي من قذفت بهذه الآلة المرعبة المقيتة داخل .الجمهورية الفرنسية الأولى التي فشلت في بداياتها لأنها كانت دموية وصارمة،كل مبشريها الفلاسفة قُتلوا سحقا وصعقا وقطعا تحت النطع والمقصلة لم يسلم حتى صانع المقصلة Guillotine وهي مادة الصنع والماركة الفرنسية الأصيلة والوحيدة التي تُعبر عن فداحة ووقاحة العقل المابعد تنويري الفرنسي أو ربما عند حداثة تقدم نفسها داخل اطار نظري صلب وخشن .. الموسيو قيوتانJoseph Ignace Guillotin طبيب وممثل ثوري وسياسي مؤسس لثورة 1789.. الآلة الملعونة التي قطعت رأس لويس السادس عشر وفصلت رأس هذا الأخير وعبثت برقبة الملكة الفاتنة المدّللة ماري أنطوانيت بأوامر استبدادية من “سابير” سارق الثورة وعراب دموي الذي تففن في اعدام معارضيه. لأسباب سياسية وفوضوية هي من ارتدادات وتوابع الزلزال الثوري. هذه الآلة تقاعدت عام 1977 بعد جدل قانوني وتشريعي في برلمان فرنسوا متران. والاسوأ والغريب أن آخر من نُفذ فيه الاعدام كان عربية من المغرب الأقصى تسمى قيد حياتها السيدة “حميدة جانذوبي”. الثورات التي بدأت دموية انتهت دموية فاتكة. ابتلعتها ثورات مضادة نهوضها كان بطيئا. ملغما وحانقا.لكن الثورات الجديدة ساخرة هي شبيه بالكوميديا السوداء.أبطالها شعوب منهكة كارهة متشائمة مسالمة وضاحكة. جرب العالم التطرف والعنف الأحمر. لكن عليه أن يجرب الضحك والسخرية لعل الاستبداد يخجل من حمقه ورذيلته التاريخية . المقصلة لم تعدم البشر بل قتلت القتل كما يقول كامي

المُواطَنة في المدينة الحداثية مفهوم سديمي تقليدي غير منتج يغدو آلية سياسية للتدجين والتنميط والتأثير .في الحداثة السائلة يتحول الفرد إلى متسكع ومتجول مستهلك تكثر الاسواق و التجارية حيث يستوطن النفس الاشباع والرغبة والفرار بالسياحة بدل التضحية والإخلاص والزهد الثقافي الوطني.

ضاعت هوية الانسان في سرديات صنعها بذاته وهي تشبه نوعا من التناقض بين المُفكر فيه ومواضيع هي من صميم العقل البشري وبين ذاته .فالكائن البشري أضحى مستلبا داخل لعبة من المفاهيم صنعها هو، لذا كان ادغار موران Edgar Morin 1921 يعتقد أن الكائن البشري في بحاجة إلى أنسنة هويته فقد ضاعت بين تجاذبات صنعها بشكل أزمي الانسان أو ابتلعتها التقنية والإسراف في العالم المادي. شهوة السلطة المفتعلة حتى بات الاحتراب والإبادة والإقصاء حق بشري يميز طائفة عن غيرها بل يجعل أحدهما مالكا مطلقا للحقيقة. المقصلة الكاموية (نسبة لكامي) لا تعني غير امتلاك الحق في استئصال الآخر تحت ذرائع القانون والتشريع والتاريخ .

إن المقصلة موجودة كما هو الإجرام يتكاثر ويطفو كالطحالب السامة، بل تتزايد معدلات الاجرام بنسب مربكة فظيعة في وجود دول تطبق الإعدام قتلا وسحقا وشنقا ورميا بالرصاص. الجريمة والرذيلة هي غرائز هدم كما يقول كامي وهي تتوازى بيولوجيا مع غرائز البقاء .

يصف كامي في كتابه الفظيع المقصلة دور الجلاد القاتل الرسمي الذي لا يقل فداحة وقسوة وبشاعة عن المحكوم عنهم بالإعدام كما يصفه نقلا عن جوزيف ذي ميستر إنه ذكي كي يوجد ،ينبغي مرسوم خاص من القوة الإلهية وأنه بدونه تحل الفوضى محل النظام وتنخلع العروش، ويضمحل المجتمع” [1].

حداثة دموية تعمد على تربية اليأس وإذلال جزء من مواطنيها لطالما ادعت أنهم يستمتعون بالعدالة والحق في الوقت الذي يُرغم الجناة على تتبع نظام بهائمي تمهيدا لقتلهم. المسألة تتجاوز هذا البعد إلى العبث الماهوي بكينونة الانسان كون الجاني أو القاتل المجرم وحتى المتمرد الثائر أو المقاوم الذي دخل في دائرة الخارجين عن القانون .هناك ارتياب إنساني في تحدي هوية الجاني وتدمير لأفق تعريفه الانساني .ناهيك عن الخلط الماهوي بين المقاوم والجاني المطلوب للحق العام. هناك خلل ما في العلاقة بين الكينونة والأخلاق، اضطراب في المعنى بحيث لم تعد تنسجم القيم مع الطبيعة البشرية كما يعتقد تشارلز تايلور.

يعتقد آمارتيا صن المفكر والحقوقي الهندي أن الوهم المُتخيل هو الذي يسيطر على الهوية وينمي الحقد والكراهية في عالم لا معقول في المخيال الكاموي. فالإقصاء الشنيع هو عبث ماهوي بالوجود البشري الذي بدأ بالعبث بالجسد وتخوين الروح. فكرة الانتحار التي جعلها كامي جزء من ثقافته الوجودية ورفض أن تكون ثقافة طبيعية يلجأ إليها اليائسون .فعالم لايكترث بفلسفة الجسد ولا يؤمن بسلطة الإنية وكاريزما الكينونة وإنسانية الكائن وكرامته عالم جدير بالمغادرة لكن علينا أن لا نُصدر حالة الانتحار الى الآخر كإكراه عندما نعجز عن وعي الشروط والاكراهات التي تحيط بهذا الكائن المسلوب. نحن نؤسس عالما مثاليا وننشد الأفضلية بإغراق الانسانية في وهم الهويات السائلة.

بصري محمد باحث جزائري.

هوامش

1- البير كامي المقصلة ترجمة صفحة 35/36

*باحث من الجزائر