المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الْوَلِيمَة

بقلم: الطاهر بن اعمارة الأدغم*

ثلاثُ سنواتٍ بعد الحربِ العالميّةِ الثّانية..

إنّه عام ثمانية وأربعين.. عامٌ كغيره من سنوات القحط والجوع التّي كَابَدَهَا أهالي اقليم وادي سُوف خلال عقود الاستعمار الفرنسيّ الحالكة السّواد.

المكانُ هو (غُوط، هُود) منعزلٌ عن باقي المساكن والمزارع المتقاربة بقرية (الجّدَيْدَة) إحدى قرى أرض سُوف.

والزّمانُ بعد صلاة العصر في أحد الأيّام العِجاف…

وهناك جلس الطيّبُ أمام الزّريبة حيث يسكنُ مع أسرته الصّغيرة: والدٌ عجوزٌ أقعده المرض وتعاضد الفقرُ والجوعُ على مضاعفة أوجاعه وهمومه، وأمٌّ حفرت السّنون القاسية في وجهها أخاديد بادية للعيان، وأخٌ وأختٌ لم يبلغَا سنّ الرّشد بعد، جلسَا يلهوان بالرّمل والحجارة تارة، ويطاردان تارة أخرى دِيكًا ودجاجةً تدّخرهما الأمُّ للأيام السّود.. وما أكثر الأيّام السّود في ليل الاستعمار الطّويل.

أدّى الطّيّبُ صلاةَ العصر منذ ساعة وظلّ ينظرُ إلى أبيه.. ينصتُ إلى أنينه.. يؤلمه ذلك.. ثمّ يتألّم أكثر عندما يتذكّرُ أنّه عاجز.. عاجزٌ عن التّخفيف عن والده ولو بكلمة، فالهمومُ قد حبست الكلمات في صدره.. 

غرق الشّابُّ في تفكير عميق.. تجوّلَ بذهنه فيمن حوله من النّاس.. إنّه غريب في هذه الدّيار، فأسرته هي الوحيدة هنا، وليس من (عَرْشِه) غيرها في هذه الناحية.. وحتّى لو كان بنو عمومته يعيشون حوله فما عساهم يفعلون؟ إنّهم مثله تماما.. طحنتهم السّنوات العجاف..

إلى من سيلجأ بعد الله…؟

أَجْهَدَ فكره مرّة أخرى وطاف به على جميع أصدقائه وأقاربه ومعارفه، ففشل في العثور على من يقرضه مبلغًا يسيرا من المال يخرجُه وأسرَته من عسر الأيام القاسية…؟

إنّه مبلغٌ بسيطٌ جدًّا لا يتعدّى مئاتٍ معدودةً من الفِرَنْكَات، وبعدها سيأتي الفرجُ من الله.. إنّه يؤمنُ أشدّ الإيمان أنّ بعد العُسر يسرا..

تذكّر فجأة أنّه منذ أيّام قليلة فقط قد خَطّ (رُقّة)، وعمل فيها مدّة ثلاثة أيام…

لقد أجهدَ نفسه كثيرا في ذلك العمل: يحفرُ المكان بـ (العَتْلَة) والمجرفة، ثمّ ينقلُ التّرابَ على كتفه إلى حافّة الغُوط.. عددٌ كبيرٌ من القُفَف يوميا.. كان يعمل دون أن يدري إن كان صاحبُ (الرُّقَّة) سينقده مالاً في القريب العاجل أم لا؟.. عزاؤه الوحيد أنّه وَجَدَ عَمَلاً.

وَقَفَ لتوّه وحَمَلَ عصاه وتحرّكَ إلى صاحب (الرُّقّة)…

جَالَسَهُ برهةً، ثمّ صارحه بالأمر: لقد نفذ كلّ شيء، ولم يبقى ما يقتاتُ به بشر ولا حيوان.. تَجَرَّأَ وطلبَ مصروفا، فغدًا هو موعد السّوق الأسبوعية بِبَلْدَةِ المَقْرَن…

وَعَدَهُ الرّجلُ بشيء من المال في صباح الغد، فعاد الطيّبُ إلى أسرته وقد خيّمَ اللّيلُ بظلامه على الغُوط وأهله، فنام وهو يستعجلُ طلوع الفجر.

جاء الصّباحُ بيوم قائظ، فالصّيفُ قد حلّ منذ عدّة أيّام… حَمَلَ الطيّب مخلاته وعصاه وتحرّك نحو صاحب (الرُّقّة)…

وَقَفَ طويلا وهو ينتظرُ لعلّ الرّجلَ يناوله مبلغًا زهيدًا من المال، فلمّا أطال ذَكَّرَه بوعده، فأجاب الرّجل بضيق وتأفّف: اسبقني إلى السّوق وسأناولك مبلغًا من المال هناك..

انصاع للأمر فلم يكن في وسعه غير ذلك… ثمّ حثّ الخُطى فوصل إلى بلدة سيدي عُون ومَشَى بمحاذاتها، ومن هناك وجد نفسه في سوق المَقْرَن.. لتبدأ رحلةُ انتظار قاسية..

سوق المَقْرَن هي الأقوى في بلاد سُوف في تلك الفترة، وكان التّجارُ يقصدونها من الوادي وتقّرت وبلدات وادي ريغ وتبسّة وبير العاتر، والسّبب وراء ازدهارها هو السّلع المهرّبة، فمسؤول الجمارك، وهو سُوفيّ يعمل لصالح فرنسا، متعاونٌ ومتسامحٌ مع التّجار..

كان التّجار يهرّبون السّكر والشّاي من مدينة غْدَامس اللّيبية وقَابِس التّونسية، وكان أهلُ المَقْرن متماسكون ومتعاونون فيما بينهم، فيرسلون السّلع لبعضهم من أيّ مكان متاح، سواء كان أحدهم في تونس أو ليبيا أو أيّ جهة في الجزائر.. كما كانت تجارةُ السّلاح رائجة أيضا حيثُ يتاجرُ أهل سُوف في مخلّفات سلاح الحرب العالميّة الثّانية بأسواق البيّاضة والرّقيبة والمَقْرن، وكان النّمامشة وغيرهم من أهل (التُّلول) يشترون السّلاح من هذه الأسواق.

السّوقُ قرب الجامع العتيق، وهناك تظهرُ للرّائي مجموعةٌ من الدّكاكين تتوسّطها رَحْبَة (ساحة) للنِّعْمة (القمح والشّعير) كما يوجدُ بالمكان (بُرْطَال) للاستراحة.. 

السُّوق لم يكن هادئًا فأصواتُ الباعة تنبعثُ في جنباته فتختلطُ برغاء الإبل ونهيق الحمير، لكنّ ذلك لم يخفّف من قسوة الانتظار لدى الطيّب…

انتظر وانتظر حتّى العصر لكنّ الرّجلَ لم يصل..؟

استشاط غضبًا وعاد إلى (الهُود) بالجديدة ماشيا كما غادره.. لم يذق طعامًا منذ البارحة…

وجد الحالَ على ما تَرَكَه: الأبُ يئنّ، والأمّ تعلّلُ الأطفال حتّى يتناسوا قساوة الجوع.

جلس الطيّبُ أمام والده وبادله نظرةَ حزن وألم.. استغفر الله وسَرَحَ مع أفكاره برهةً فإذا بصياحها يقطعُ عليه تفكيره، فأدار إليها بصره…

إنّها الدّجاجةُ وهاهو ذلك الدّيك العنيد ينقرُها بقسوة كالعادة…

أَشْهَرَ سكّينه التّي لم تكن تفارقه، وقفز من مكانه، وما هي إلّا خطوات معدودة حتّى أمسك به…

وبحركة فائقة السّرعة أَسَالَ دَمَه على الأرض…

تحدّث الوالدُ بعد طول صمت قائلاً: حسنًا ما فعلت، كان يستحقُّ الذّبحَ منذ زمن..

لم يدري الابنُ الشّابُّ إن كان الوالدُ المُسِنُّ قد انتصر للدّجاجة أيضا، أم أنّه فَرِحَ بهذه الوليمة البسيطة التّي ستنعمُ بها الأسرة في تلك اللّيلة…؟

قامت الأمّ فطبخت الدّيكَ في قِدر ماء مع سمن وملح، فأكل الوالدُ والأولاد.. أمّا الطيّبُ فلم يذق شيئا، كان يفكّرُ في حلّ سريع لهذه الضّائقة التّي تجثمُ على صدور أفراد الأسرة.

تذكّرَ فجأة ورقةَ تقاعد أبيه، فقد عمل مع شركة حكومية في شبابه، وقد دأبت الإدارةُ الفرنسية منذ فترة على إرسال بعض المساعدات النّقدية البسيطة: مبالغ محدودة من حين لآخر، لكنّها على شحّها تغني بعض الشّيء وتسدُّ الرّمق عند وصولها..

طَلَبَ الورقةَ من أمّه.. كانت مخبّأة في صُرّة أغراضها..

تفحّصَها رغم أنّه لا يحسن القراءة، ثمّ عزم على السّير إلى سوق الوادي حيث تقبعُ بجانبه عددٌ من الإدارات الحكوميّة، فيسأل هناك إن كان قد وصل شيء من المال لأبيه…؟

مع انتصاف اللّيل شدّ العزمَ وحمل عصاه وراح يقطع الكثبان الرّملية والقفار الخالية الموحشة.. المسافة تزيد عن العشرين كيلومترا لكنّه لم يشعر بها، ولم يعبأ بالجوع الذّي يكابد آلامه.

في الصّباح كان في سوق الوادي…

اقترب من إدارة البريد أين تصلُ الحوالات المالية، وتمدّدَ قليلا على الرّمل في انتظار أن تفتح الإدارةُ أبوابها.

جاء الموظّفُ فسلّمه الورقةَ…

راح الرّجلُ يفتشُ بأصابعه بين رزمة الحوالات التّي وصلت مؤخرا…

حَبَسَ الطيّبُ أنفاسه، وانخرط في بكاءٍ صامت وتضرّع إلى الله، فهو وحده الذّي يعلمُ حاله..

ثمّ كاد أن يرقص فرحًا عندما أخبره الموظّف أنّ مبلغًا من المال سيكون بين يديه..

لأوّل مرّة منذ سنوات يشعر أنّه محظوظ في زمن الاستعمار البائس… تسلّم المبلغ وكانت هناك زيادة تصل من حين لآخر.. أخبره الموظّف أنّها متاحة، وسلّمها له..

كان وحده ذلك الصّباح في المكتب فرأى ورقةً على الأرض فالتقطها وسلّمها للموظّف مستفسرا عن شأنها، فقال له إنّها (كوبون) قماش ويبدو أنّها ضاعت من أحد النّاس بالأمس، ماذا سنفعل بها؟ وأضاف الموظّف: خذها واستفد منها..

توجّه لتوّه إلى التّاجر المتعهّد بمثل هذه المعاملات، فأعطاه مقابل (الكوبون) عشرة أمتار من القماش…

غَمَرَهُ فرحٌ شديد، فقد جادت الأيّام بلباس الصّيف وقسطٍ من الخريف إلى أن يحلّ برد الشتاء وعندها لكلّ حادث حديث.

ما زال الطيّبُ يقاومُ آلام أمعائه الخاوية لكنّ الفرحةَ بهذه المغانم كادت أن تنسيه الجوع ومشاقّ المسير الطّويل، فتحرّك بسرعة عائدا إلى قريته، فالأسرة في انتظاره، ولم تذق شيئا منذ تركها البارحة بعد وليمة الدّيك الهزيل..

الشمسُ كانت حارّة لكن الطيّب لا يبالي، عمامته على رأسه، وعصاه في يده…

راح يحثُّ الخطى في مشي هو أقرب إلى الهرولة، فما لبث أن وجد نفسه في سوق بَلْدَة قْمَار العامرة…

اشترى قمحًا وتمرا وبطّيخة ثمّ واصل المسير..

في الطّريق توقّف واستراح لوقت قصير.. أكل قليلاً من التّمر، وتناول جرعةَ ماء.. إنّه أوّل طعام يدخلُ جوفَه منذ يومين..

وصل قبل الغروب إلى الغُوط…

الجميعُ كانوا في الانتظار…

سلّم أمَّه الكيسَ بما حوى، فغمرتها فرحةٌ عارمة، واستبشر الأولادُ خيرا فتعالت أصواتهم طلبًا للطّعام بعد أن أسكتتهم شدّةُ الجوع طوال النّهار.

ألقى الطيّبُ عصاه على الأرض وجلس بجانب الوالد العجوز.. راح يبادل أباه شجونه وأحزانه، ويحاول أن يخفي عليه ما لحقه من تعب الطّريق ولسعات الجوع.. لا يريد أن يحمّله همًّا فوق هموم مرضه وقعوده..

في الجانب الآخر كانت الوليمة في الانتظار…

وليمة بأتمّ معنى الكلمة، فلأوّل مرّة منذ سنوات تجتمعُ خبزةُ ملّة وتمر وبطّيخ في وجبة واحدة.

القصّة حقيقية بجميع تفاصيلها ومشاهدها.

*وادي سُوف، الجزائر / كاتب وأستاذ جامعي